ليست كل الأدوات التعليمية التي يحتاج إليها الطفل موجودة في المتاجر أو مصممة خصيصاً للتعليم؛ ففي كثير من الأحيان يمكن لأشياء قديمة ومهملة في المنزل أن تتحول، بقليل من الخيال وبعض التعديلات البسيطة، إلى وسائل تعليمية ممتعة تساعد الطفل على التعلم من خلال اللعب والتجرِبة والاكتشاف. وهذا النوع من الأنشطة لا يمنح الطفل فرصة للتسلية فحسب؛ بل يعلمه أيضاً أن الأشياء التي تبدو عديمة الفائدة، يمكن أن يكون لها استخدام جديد، ويشجعه على التفكير بطريقة إبداعية، ويقوّي مهارات حل المشكلات لديه، كما يفتح أمامه باباً لفهم مفاهيم الرياضيات واللغة والعلوم والفن بطريقة عملية بعيدة عن أسلوب التلقين.
والجميل في هذه الأفكار، أنها لا تحتاج إلى ميزانية كبيرة؛ إذ يمكنكِ البحث في الأدراج والخزائن وصناديق التخزين عن بعض الأشياء القديمة التي لم تعودي تستخدمينها، ثم تحويلها إلى ألعاب وأنشطة تعليمية تناسب سن طفلك واهتماماته. والأهم هو أن تشاركيه في عملية التحويل نفسها؛ لأن مرحلة التفكير في كيفية استخدام الشيء القديم، قد تكون تعليمية بقدر النشاط الذي سيقوم به بعد ذلك. إليكِ 5 أشياء قديمة في منزلك يمكن أن تصبح أدوات تعليمية ممتعة لطفلك.
1. علب الأحذية القديمة تتحول إلى مدينة صغيرة للتعلم

إذا كان لديكِ عدد من علب الأحذية الفارغة؛ فلا تتسرعي في التخلص منها؛ فهي من أكثر الأشياء المنزلية التي يمكن تحويلها إلى وسيلة تعليمية متعددة الاستخدامات. يمكنكِ جمع علب مختلفة الأحجام وصنع مدينة صغيرة منها؛ بحيث تتحول كل علبة إلى منزل أو مدرسة أو متجر أو مستشفى أو مكتبة.
يمكن للطفل أن يغلف العلب بالورق الملون، ويرسم النوافذ والأبواب، ويكتب أسماء الأماكن عليها، ثم يرتبها فوق طاولة أو قطعة من الكرتون لتكوين مدينة متكاملة. وهنا يمكن تحويل اللعب إلى نشاط لغوي؛ فاطلبي منه كتابة اسم كل مكان، وتأليف جمل قصيرة عنه، أو وصف الطريق الذي يسلكه من المنزل إلى المدرسة.
كما يمكن استخدام المدينة لتعليم الرياضيات بطريقة ممتعة. أعطي كل منزل رقماً، واطلبي من الطفل ترتيب المنازل تصاعدياً أو تنازلياً، أو اجعليه يحسب عدد النوافذ والأبواب في كل مبنى، ثم يجمع الأعداد معاً. ويمكن أيضاً طرح أسئلة مثل: إذا كانت المدينة تحتوي على خمسة منازل وأضفنا منزلين جديدين؛ فكم أصبح عدد المنازل؟
أما الأطفال الأكبر سناً؛ فيمكن تشجيعهم على تصميم خريطة للمدينة، واستخدام مفاهيم مثل اليمين واليسار، أمام وخلف، قريب وبعيد، أو حساب المسافات التقريبية بين المباني.
وبهذه الطريقة تتحول علبة الأحذية التي كانت تنتظر مصيرها في صندوق التخزين، إلى مشروع يجمع بين الفن واللغة والرياضيات والمهارات المكانية.
2. الساعة القديمة وسيلة رائعة لتعلم الوقت

قد توجد في المنزل ساعة حائط قديمة لم تعُد تعمل، أو ساعة صغيرة لم يعُد أحد يستخدمها، ويمكن تحويلها إلى وسيلة تعليمية ممتازة لتعليم الطفل قراءة الوقت. إذا كانت الساعة غير صالحة للاستخدام، يمكن الاستفادة من شكلها الخارجي بعد التأكد من عدم وجود أجزاء حادة أو قابلة للانفصال، أو صنع نموذج مشابه باستخدام غطاء كرتوني دائري.
يمكن كتابة الأرقام بوضوح على وجه الساعة، ثم تحريك العقربين يدوياً أثناء طرح أسئلة على الطفل. ابدأي بالساعات الكاملة، مثل الثانية والثالثة والرابعة، ثم انتقلي تدريجياً إلى نصف الساعة وربع الساعة، وبعد أن يصبح الطفل أكثر قدرة على القراءة، يمكن الانتقال إلى الدقائق.
ولجعل النشاط أكثر ارتباطاً بحياته اليومية، اربطي الوقت بأحداث يعرفها. قولي مثلاً: "وقت الاستيقاظ الساعة السابعة، ووقت الغداء الساعة الثانية، ووقت النوم الساعة التاسعة"، ثم اجعليه يضبط العقارب على الأوقات التي تذكرينها.
يمكن كذلك تحويل النشاط إلى لعبة صغيرة؛ فتكتبين عدة أوقات على أوراق، ويختار الطفل ورقة ويحاول تمثيل الوقت على الساعة، بينما تحاولين أنتِ أو أحد أفراد الأسرة معرفة الوقت الذي اختاره.
ولا يقتصر دور الساعة القديمة على تعليم الطفل قراءة الوقت؛ بل يمكن استخدامها لتعليمه مفهوم التسلسل الزمني، مثل: ماذا يحدث أولاً، وماذا يأتي بعده، وكم من الوقت يستغرق نشاطٌ معيّن، وهي مهارات مهمة في تنظيم اليوم وفَهم الروتين.
3. الأزرار القديمة تصبح لعبة للعد والتصنيف

توجد في كثير من المنازل علبة صغيرة تحتوي على أزرار قديمة تم الاحتفاظ بها لسنوات، وربما لم يعُد أحد يعرف أين ستُستخدم. هذه الأزرار يمكن أن تصبح مادة تعليمية بسيطة وممتعة، ولكن يجب اختيار أزرار كبيرة وآمنة ومناسبة لسن الطفل، وعدم تقديمها للأطفال الصغار الذين قد يضعون الأشياء في أفواههم.
يمكن وضع مجموعة من الأزرار أمام الطفل وطلب تصنيفها وَفق اللون، ثم وَفق الحجم أو الشكل أو عدد الثقوب. وبعد ذلك يمكن الانتقال إلى العد؛ بحيث يضع الطفل خمسة أزرار في مجموعة، ثم ستة في مجموعة أخرى، ويقارن بينهما.
ومن الأفكار الجميلة، استخدام الأزرار في تكوين أنماط متكررة، مثل: زر أحمر ثم أزرق ثم أحمر ثم أزرق، ثم سؤال الطفل: ما اللون الذي يجب أن يأتي بعد ذلك؟ ويمكن تطوير النشاط إلى أنماط أكثر تعقيداً، مثل: كبير، صغير، كبير، صغير، أو دائري، مربع، دائري، مربع.
كما يمكن استخدام الأزرار في تعلم الجمع والطرح البسيط. ضعي أمام الطفل ثلاثة أزرار ثم أضيفي اثنين، واطلبي منه اكتشاف العدد الجديد، أو خُذي منه زراً واحداً واسأليه عن العدد المتبقي.
ولأن الأزرار تأتي بألوان وأشكال مختلفة، يمكن دمج النشاط مع الفن أيضاً؛ فيصنع الطفل لوحة بسيطة باستخدامها، أو يستخدمها لتزيين بطاقة، أو يشكل بها زهرة أو شجرة أو حيواناً على ورقة، مع الحرص على تثبيت القطع جيداً عندما يكون العمل الفني مخصصاً لطفل صغير.
4. الجرائد والمجلات القديمة تتحول إلى مختبر للغة

قبل إرسال الجرائد والمجلات القديمة إلى سلة إعادة التدوير، يمكنكِ الاحتفاظ ببعض الصفحات وتحويلها إلى أدوات تساعد الطفل على تنمية مهارات القراءة والمفردات والانتباه البصري.
ابدأي بنشاط بسيط، مثل اختيار حرف معيّن وطلب البحث عنه داخل صفحة من مجلة أو جريدة ووضع دائرة حوله، ثم انتقلي إلى البحث عن كلمات تبدأ بهذا الحرف. ويمكن للأطفال الأكبر سناً البحث عن كلمات في موضوع معيّن، مثل أسماء الحيوانات أو الأطعمة أو الأماكن أو الأفعال.
ومن الأنشطة الممتعة، أن تعطي الطفل مجموعة من الكلمات المقطوعة من صفحات قديمة، ثم تطلبي منه ترتيبها لتكوين جمل مفيدة. ويمكن زيادة مستوى التحدي من خلال إعطائه كلمات غير مرتبة ومحاولة اكتشاف الجملة الصحيحة.
أما القصص المصورة الموجودة في بعض المجلات؛ فيمكن استخدامها لتنمية الخيال. قُصي عدة صور مختلفة، ثم اجعلي الطفل يختار ثلاث صور ويؤلف قصة تربط بينها. ليس المطلوب أن تكون القصة طويلة أو مثالية؛ بل أن يتعلم الطفل ترتيب الأحداث، ووصف الشخصيات، والتعبير عن أفكاره.
ويمكن أيضاً استخدام المجلات في تعليم الطفل الفرق بين العناوين والصور والنصوص، أو تعليمه كيفية استخراج معلومات بسيطة من صفحة، وهي مهارات ستفيده لاحقاً في القراءة والفهم والبحث.
5. الأكواب القديمة تصبح لعبة للرياضيات والعلوم

يمكن لبعض الأكواب البلاستيكية أو الورقية النظيفة غير المستخدمة، أن تتحول إلى أدوات تعليمية بسيطة، بشرط أن تكون سليمة ونظيفة وخالية من الحواف الحادة. يمكنكِ كتابة أرقام مختلفة على مجموعة من الأكواب، ثم تحويلها إلى لعبة للعد والترتيب.
مثلاً، اكتبي الأرقام من 1 إلى 10 على عشرة أكواب، ثم اخلطيها واطلبي من الطفل ترتيبها من الأصغر إلى الأكبر. ويمكن بعد ذلك إخفاء كوب واحد وسؤاله عن الرقم المفقود.
ويمكن أيضاً تحويل الأكواب إلى نشاط لتعليم الجمع والرياضيات. اكتبي مسألة بسيطة مثل 3+ 2 على بطاقة، ثم اطلبِي من الطفل وضع ثلاث قطع آمنة في كوب وقطعتين في كوب آخر، ثم جمعها في كوب ثالث لمعرفة النتيجة. بهذه الطريقة يرى الطفل العملية الحسابية أمامه بدل أن يتعامل معها كأرقام مجردة.
أما في العلوم؛ فيمكن استخدام الأكواب في أنشطة بسيطة للمقارنة بين الكميات، مثل ملء كوب بالماء إلى مستويات مختلفة وملاحظة الفرق، أو استخدام الرمل أو الحبوب الجافة في نشاط تحت إشراف شخص بالغ، مع طرح أسئلة مثل: أيّ كوب يحتوي على كمية أكبر؟ ماذا يحدث عندما ننقل المحتوى من كوب طويل إلى كوب عريض؟
ويمكن كذلك ترتيب الأكواب من الأصغر إلى الأكبر، أو بناء برج منها، ثم حساب عدد الأكواب المستخدمة. وهنا يتعلم الطفل مفاهيم الحجم والتوازن والترتيب بطريقة عملية.
قائمة بأدوات منزلية بسيطة يمكنك إعادة استخدامها مع طفلك في الرسم والتلوين
لماذا تُعتبر إعادة استخدام الأشياء القديمة تعليماً بحد ذاته؟
الفائدة الحقيقية لهذه الأنشطة لا تكمن فقط في إعادة تدوير ألعاب الأطفال؛ بل في الرسالة التي تصل إلى الطفل من خلالها، وهي أن التعلم يمكن أن يحدث في أيّ مكان، وأن الأدوات البسيطة قد تكون كافية لصنع تجرِبة ممتعة ومفيدة.
فعندما يرى الطفل والدته تبحث في المنزل عن علبة أو ساعة أو مجموعة أزرار لتبتكر منها نشاطاً؛ فإنه يتعلم بطريقة غير مباشرة أن الإبداع لا يحتاج دائماً إلى أدوات باهظة الثمن، وأن المشكلة يمكن النظر إليها من أكثر من زاوية، وأن الشيء الذي انتهى استخدامه الأصلي قد يجد وظيفة جديدة.
كما أن إشراك الطفل في إعداد النشاط يَزيد حماسه. لذلك لا تجعلي كل شيء جاهزاً أمامه. اسأليه: "ماذا يمكن أن نصنع بهذه العلبة؟"، أو "كيف نستطيع استخدام هذه الأزرار في لعبة؟"، أو "ما الطريقة التي يمكننا بها تحويل هذه الأكواب إلى نشاط رياضي؟". وقد تفاجأين بأفكار أكثر ابتكاراً مما توقعتِ.
ومن المهم أيضاً اختيار النشاط بما يناسب سن الطفل، والتأكد من سلامة الأدوات قبل استخدامها؛ خصوصاً القطع الصغيرة التي قد تشكل خطراً على الأطفال الأصغر سناً. كما يفضل أن تكون الأنشطة تحت إشراف شخص بالغ عندما تتضمن قص الورق أو استخدام أدوات قد تسبب الإصابة.
لا يحتاج الطفل دائماً إلى لعبة تعليمية جاهزة تحمل اسماً تربوياً جذاباً حتى يتعلم؛ فقد تكون علبة الأحذية القديمة درساً في الرياضيات، والساعة المهملة درساً في الوقت، والأزرار درساً في التصنيف والأنماط، والمجلات القديمة تمريناً في اللغة، والأكواب البسيطة مدخلاً إلى العلوم.


Google News