بكاء الطفل من أكثر المواقف التي تربك الأم، خصوصاً عندما يحدث في وقت غير مناسب، أو يستمر لفترة طويلة، أو يبدو سببه بالنسبة إليها بسيطاً ولا يستحق كل هذه الدموع، فقد تميل الأم، بدافع الحب والرغبة في إنهاء الموقف سريعاً، إلى إطلاق عبارات تبدو في ظاهرها مطمئنة أو حازمة، لكنها قد تجعل الطفل يشعر بأن مشاعره غير مقبولة أو أن عليه إخفاء حزنه حتى يحصل على رضا من حوله. والحقيقة أن الطفل عندما يبكي لا يحتاج دائماً إلى إيقاف دموعه، بقدر ما يحتاج إلى الشعور بأن هناك شخصاً يفهم ما يحدث داخله ويساعده على تنظيم مشاعره بطريقة آمنة.
ولا يعني ذلك أن تستجيب الأم لكل طلب يسبق البكاء أو أن تسمح للطفل بالحصول على ما يريد لمجرد أنه يبكي، فالاحتواء شيء، والاستسلام للسلوك غير المناسب شيء آخر تماماً. تستطيع الأم أن تضع الحدود وفي الوقت نفسه تعترف بمشاعر طفلها، وأن تقول له إن البكاء مسموح، بينما بعض التصرفات التي تحدث أثناء الغضب ليست مسموحة. ومن هنا تأتي أهمية اختيار الكلمات، لأن العبارة التي تقولها الأم في لحظة انفعال قد تبقى في ذاكرة الطفل طويلاً، بينما يمكن لعبارة بسيطة ودافئة أن تمنحه شعوراً بالأمان وتعلمه كيف يتعامل مع مشاعره مستقبلاً.
«توقف عن البكاء فوراً»

قد تبدو هذه الجملة حلاً سريعاً، لكنها لا تعلم الطفل كيف يتعامل مع مشاعره، وإنما توصله إلى أن المطلوب منه إخفاؤها. فالطفل لا يملك دائماً القدرة على إيقاف البكاء بمجرد أن يسمع أمراً بذلك، خصوصاً عندما يكون غاضباً أو خائفاً أو متألماً أو محبطاً.
البديل: «أعرف أنك حزين، خذ وقتك، وأنا بجانبك».
بهذه العبارة تعطي الأم الطفل مساحة للهدوء، من دون أن تشجعه على الاستمرار في نوبة الغضب أو تمنحه ما يطلبه بالضرورة.
«عيب عليك، أنت ولد كبير»
ربط البكاء بالعمر قد يجعل الطفل يعتقد أن النضج يعني عدم التعبير عن مشاعره، بينما النضج الحقيقي هو تعلم التعبير عن المشاعر بطريقة مناسبة. وقد يكبر الطفل وهو يخجل من دموعه أو يحاول إخفاء حزنه بدلاً من فهمه.
البديل: «حتى الكبار يشعرون بالحزن ويبكون أحياناً، والمهم أن نتعلم كيف نعبر عن مشاعرنا بطريقة جيدة».
وهنا تستطيع الأم أن تضيف: «يمكنك أن تبكي، لكن لا يمكنك ضرب أحد أو إيذاء نفسك أو تكسير الأشياء».
«إذا واصلت البكاء فسأتركك وحدك»

قد تتصور الأم أن هذه الجملة ستجعل الطفل يتوقف عن البكاء، لكنها قد تزيد خوفه، لأن الطفل يحتاج في لحظة الغضب إلى الشعور بأن علاقته بأمه آمنة ومستقرة، حتى عندما يخطئ أو يغضب.
البديل: «أنا هنا معك، وعندما تهدأ سنجلس ونتحدث عما أزعجك».
بهذا الأسلوب تحافظ الأم على وجودها واحتوائها، مع تأجيل النقاش إلى الوقت الذي يصبح فيه الطفل أكثر قدرة على الاستماع والتفكير.
«أنت تبكي دائماً على كل شيء»
التعميم يجعل الطفل يشعر بأن الأم لا ترى الموقف الحالي فقط، بل تضع عليه حكماً دائماً، وقد يبدأ في رؤية نفسه باعتباره «طفلاً كثير البكاء» بدلاً من طفل يمر بمشاعر مختلفة.
البديل: «ألاحظ أنك متضايق الآن، دعنا نفهم ما الذي أزعجك».
التركيز على اللحظة الحالية يساعد الطفل على التعامل مع المشكلة بدلاً من الدفاع عن نفسه أمام وصف عام لشخصيته.
«لا تبكِ أمام الناس فأنت تحرجني»

قد تقول الأم هذه الجملة خوفاً من نظرات الآخرين أو رغبة في حماية طفلها من الإحراج، لكنها قد تعلمه أن مشاعره مقبولة في المنزل فقط، بينما يجب إخفاؤها في الخارج. فقد يبدأ في كبت البكاء خوفاً من إزعاج الآخرين بدلاً من تعلم التعامل معه.
البديل: «إذا شعرت بالحزن يمكنك أن تعبر عن ذلك، وسنبحث عن مكان هادئ إذا كنت تحتاج إلى بعض الخصوصية». أو «أعرف أنك منزعج، لكننا في هذا المكان نحتاج إلى الهدوء. تعال معي إلى مكان أهدأ وسأساعدك
بهذه الطريقة يتعلم الطفل أن مشاعره ليست عيباً، وفي الوقت نفسه يتعلم مراعاة المكان والظروف.
«ماذا تريد الآن؟ سأشتريه لك، فقط توقف عن البكاء»
هذه العبارة قد تنجح بالفعل في تهدئة الطفل مؤقتاً، لكنها قد تربط بين البكاء والحصول على المكافأة، فيتعلم الطفل بصورة غير مباشرة أن التصعيد العاطفي وسيلة فعالة لتحقيق طلباته.
البديل: «أعرف أنك تريد هذا الشيء، لكن إجابتي لن تتغير بسبب البكاء. عندما تهدأ يمكننا أن نتحدث عن الخيارات المتاحة».
وهذه من أهم المهارات التي يمكن أن تتعلمها الأم: احتواء المشاعر من دون تغيير الحدود.
«انظر إلى الأطفال الآخرين، لا أحد منهم يبكي»

المقارنة لا تهدئ الطفل غالباً، بل تضيف شعوراً آخر إلى حزنه، وهو الشعور بأنه أقل قدرة من الآخرين. كما أنها قد تدفعه إلى التركيز على صورة نفسه أمام الناس بدلاً من فهم سبب انزعاجه.
البديل: «كل شخص يعبر عن حزنه بطريقة مختلفة، وأنا سأساعدك حتى تعرف كيف تهدأ».
الأفضل أن تقارن الأم الطفل بنفسه، فتقول مثلاً: «في المرة السابقة كنت غاضباً جداً، لكنك استطعت أن تهدأ عندما أخذت نفساً عميقاً».
«اسكت، لا أريد أن أسمع هذا الكلام»
عندما يكون الطفل غاضباً قد يقول كلمات غير مرتبة أو يعبر عن رفضه بطريقة حادة، ومن الطبيعي ألا تسمح الأم بالإهانة أو الصراخ في وجه الآخرين، لكن رفض الأسلوب لا يعني رفض المشاعر.
البديل: «أريد أن أسمعك، لكن تحدث معي بصوت هادئ ومن دون إهانة، وسأفهم ما الذي أزعجك». بهذا يتعلم الطفل أن لديه الحق في التعبير، لكن ليس بأي طريقة.
عبارات تهدئ الطفل الغاضب
«البكاء لن يغير شيئاً»

هذه العبارة صحيحة جزئياً، لكنها قد تبدو للطفل وكأن مشاعره بلا قيمة. يمكن للأم أن توضح أن البكاء ليس وسيلة للحصول على كل ما يريد، وفي الوقت نفسه تؤكد أن التعبير عن المشاعر مفيد.
البديل: «البكاء يساعدك على إخراج حزنك، لكننا بعد أن تهدأ سنفكر معاً في الحل». وهنا ينتقل الطفل من مرحلة التعبير عن الانفعال إلى مرحلة حل المشكلة.
«لا تكن حساساً»
وصف الطفل بأنه حساس قد يبدو عابراً، لكنه قد يتحول مع الوقت إلى صورة ثابتة عن شخصيته، فيبدأ الطفل في الشك في مشاعره، ويعتقد أن المشكلة فيه لأنه يتأثر بالأحداث.
البديل: «يبدو أن هذا الموقف أثر فيك كثيراً، دعنا نرى ما الذي يمكن أن يساعدك».
فالهدف ليس إقناع الطفل بأن حساسيته سيئة، بل مساعدته على تطوير مهارات التعامل مع المشاعر القوية.
«توقف عن البكاء وإلا غضبت منك»

من المهم أن تعرف الأم أن التهديد بالغضب أو سحب الحب ليس وسيلة صحية لتعليم الطفل تنظيم مشاعره. يمكنها أن تكون حازمة من دون أن تجعل الطفل يشعر بأن حبها مرتبط بقدرته على الهدوء.
البديل: «أنا أحبك حتى عندما تكون غاضباً، لكنني لن أسمح بالضرب أو الصراخ في وجه الآخرين. سأبقى معك حتى تهدأ». فهذه الرسالة تجمع بين الأمان والحدود في جملة واحدة.
«لا يوجد سبب يجعلك تبكي»
قد ترى الأم أن السبب بسيط، مثل لعبة انكسرت أو قطعة حلوى لم يحصل عليها الطفل، لكن أهمية السبب بالنسبة إلى الطفل لا تقاس بحجمه في نظر الكبار. وربما يكون الحدث الصغير مجرد نقطة أخيرة بعد يوم مليء بالتعب أو الضغوط.
البديل: «ربما يبدو الأمر بسيطاً بالنسبة لي، لكنني أرى أنه أزعجك كثيراً، هل تريد أن تخبرني ماذا حدث؟».
هذه العبارة تعلم الطفل أن مشاعره تستحق الاستماع حتى عندما يكون السبب غير مهم بالنسبة إلى الآخرين.
ماذا تفعلين عندما يبدأ طفلك بالبكاء؟
بدلاً من البحث عن العبارة التي توقف الدموع بأسرع وقت، حاولي:
أولاً: خفضي نبرة صوتك، وأن تمنحي الطفل بضع لحظات من الهدوء، ثم سمي الشعور الذي يبدو واضحاً أمامك، مثل «أنت غاضب» أو «يبدو أنك خائف» أو «أظن أنك شعرت بالحزن لأن اللعبة انتهت». تسمية المشاعر تساعد الطفل تدريجياً على بناء مفردات يستطيع استخدامها لاحقاً بدلاً من الاعتماد على البكاء وحده.
ثانياً: اسألي طفلك سؤالاً بسيطاً يناسب عمره، مثل «هل تريد أن تخبرني ماذا حدث؟»، وإذا لم يكن مستعداً للكلام فلا تضغطي عليه، ويمكنك الاكتفاء بقول «عندما تكون جاهزاً سأستمع إليك». وبعد أن يهدأ، ناقشي معه السلوك الذي يحتاج إلى تعديل، لأن الطفل في ذروة الانفعال قد لا يكون مستعداً لاستقبال محاضرة طويلة أو مجموعة من التعليمات.
ثالثاً: فرقي دائماً بين المشاعر والسلوك؛ فالغضب مسموح، لكن الضرب ليس مسموحاً، والحزن مسموح، لكن تكسير الأشياء ليس مسموحاً، والشعور بالإحباط طبيعي، لكن إيذاء الآخرين ليس حلاً. عندما يفهم الطفل هذا الفرق، يتعلم أن مشاعره ليست عدواً يجب التخلص منه، وإنما إشارات يمكن فهمها والتعامل معها.
رابعاً: اصمتي للحظات، واجلسي بالقرب من الطفل، وأعطيه حضناً إذا كان الطفل يرغب فيه، أو إعطاؤه مساحة إذا كان يفضل الابتعاد قليلاً، لأن كثرة الكلام أثناء البكاء قد تزيد التوتر بدلاً من تخفيفه. وبعد أن يستعيد هدوءه، يصبح الحوار أكثر فائدة، ويمكن للأم أن تساعده على التفكير في حلول للموقف الذي أزعجه.
خامساً: إذا شعرت بأنك انفعلت فيمكنك ببساطة أن تعتذري وتقولي: «كنت غاضبة عندما قلت ذلك، ولم يكن من الصحيح أن أطلب منك التوقف عن الشعور بالحزن، لكننا نستطيع أن نتحدث بهدوء عما حدث». فالأطفال لا يتعلمون فقط من العبارات التي نقولها لهم، وإنما من الطريقة التي نصلح بها أخطاءنا أيضاً. وعندما يرى الطفل أمه تعترف بخطئها وتعيد صياغة كلامها، يتعلم أن الاعتذار ليس ضعفاً، وأن الخلاف لا يعني فقدان الحب.
بدون بكاء.. إليكِ كيف تهيئين طفلكِ لأسبوعه الأول في الروضة؟


Google News