mena-gmtdmp

هل يرث الأطفال أمراض الآباء فعلاً؟.. وهل من طرق واضحة للوقاية؟

طفل يعاني من ضيق التنفس
نعم الأطفال يرثون الأمراض من والديهما

كثيراً ما نسمع الطبيب يقول: القلق قد يكون وراثياً، وهذه العصبية أخذتها من والدك أو والدتك؟ وهنا يطل سؤال: هل يرث الأطفال أمراض الآباء من قلق وتوتر أو عصبية أو أمراض جسدية، وحتى طريقة تفاعلهم مع الحياة؟ وهل هي امتداد لسلسلة بدأت منذ أجيال حتى وصلت للابن؟
في هذا التقرير نغوص معاً في أعماق الجينات والوراثة، لنفهمها وبالتالي نستطيع أو نحاول وقاية أطفالنا من الأمراض النفسية والجسدية المتوارثة. اللقاء والدكتور إبراهيم شكري استشاري طب الأطفال الذي يؤكد أن وعي وإدراك الوالدين مفتاح للوقاية.

كيف تنتقل الأمراض الوراثية؟

ضيق التنفس بسبب الربو.. الوراثي

نعم يرث الأطفال أمراض آبائهم وأمهاتهم؛ لأنهم يحصلون على نصف المادة الوراثية من كل منهما، وتنتقل هذه الأمراض عبر الجينات، وقد تظهر إذا حمل كلا الوالدين الجين المعيب (وراثة متنحية).
أو إذا كان أحد الأبوين يحمل الجين السائد، ويشمل ذلك أمراض الدم، والسكري، وبعض أنواع الصداع (مثل الشقيقة)، واضطرابات أخرى، من هنا كانت أهمية الفحص الجيني لتقييم المخاطر.
يتلقى الطفل نصف جيناته من الأب والنصف الآخر من الأم، مما يعني أن أي خلل جيني يمكن أن ينتقل بالوراثة السائدة، حيث يظهر المرض إذا ورث الطفل الجين المعيب من أحد الوالدين فقط.
أو بالوراثة المتنحية، وتظهر الأعراض إذا ورث الطفل الجين المعيب من كلا الوالدين، حتى لو لم يكن الأبوان مصابين بالمرض (مثل التليف الكيسي، فقر الدم المنجلي، التلاسيميا).

أهمية الفحص الجيني

يساعد الفحص الجيني للوالدين على معرفة ما إذا كانا يحملان جينات أمراض وراثية، وتحديد نسبة خطر إصابة أطفالهما، كما تساعد الاستشارة الوراثية في فهم نتائج الفحوصات، وتحديد أفضل مسار للوقاية أو التعامل مع الأمراض المحتملة.

الوراثة بين العلم والحياة

الابنة ترث صوت وابتسامة أمها

في دراسة نُشرت في“Journal of Child Psychology and Psychiatry”، تبين أن الأطفال الذين عاشوا في بيئة أسرية مضطربة عاطفياً، كانوا أكثر عرضة بمقدار 2.5 مرة للإصابة باضطرابات نفسية قبل بلوغ سن الـ18.
الوراثة ليست معلومة طبية، إنها محفورة في كل خلية من خلايا الجسد؛ فالآباء يرثون من والديهم الكثير: لون الشعر، نغمة الصوت، وربما الابتسامة ذاتها، وكذلك الاستعداد لأمراض القلب أو الاكتئاب، وقد يكون الأثقل أثراً.
ويتابع الدكتور شكري:
قدّر العلماء أن نحو 60% من مخاطر الإصابة ببعض الأمراض تعود إلى عوامل وراثية، لكنهم يؤكدون أيضاً أن هناك مساحات واسعة بين الجين الوراثي وضرورة المرض، يمكن أن تملأها الأم بالوعي، وبالتغذية الجيدة، وتوفير الاستقرار النفسي لأطفالها.
ويثبت العلم أن الجينات تتأثر بما نعيشه، وبمعنى آخر أن الضغوط، والحب، والنظام الغذائي، والنوم الكافي، وحتى عناق الآباء لأطفالهم، كلها عوامل تحدد إن كانت الجينات "ستُفّعل" أم لا؟، إذن نحن لا نحمل فقط ما ورثناه بل نُعيد تشكيله.

الأمراض الجسدية الوراثية

طفل يقيس السكري

من أبرز الأمراض الوراثية الشائعة:

  1. السكري النوع الثاني، ترتفع فرص إصابة الطفل به بنسبة تصل إلى 40% في حال إصابة أحد الوالدين.
  2. ارتفاع ضغط الدم، الجينات تلعب دوراً واضحاً، لكن نمط الحياة يبقى العامل الأقوى.
  3. أمراض الشرايين؛ مثل الجلطات وتصلب الشرايين، خاصة إذا تكررت في سن مبكرة بالعائلة.
  4. الحساسية والربو والإكزيما، يظهر هذا الثلاثي بشكل لافت في أسر معينة، ويصيب الأطفال غالباً منذ السنوات الأولى.

العادات الصحية أقوى من الجينات

الآباء لا يستطيعون تغيير جيناتهم، لكنهم يملكون السلطة على عاداتهم اليومية، لذلك:
المحافظة على وزن صحي، هو أحد أهم المؤشرات الوقائية، وجعل الرياضة جزءاً من روتين يومي للحياة، حتى المشي اليومي يُحدث فرقاً، مع اختيار نظام غذائي متوازن، والتقليل من السكريات والدهون المشبعة.
الأمراض النفسية أو الألم النفسي ذلك الإرث الصامت، وربما أكثر ما نرثه ولا ننتبه له.
بينما نتحدث بسهولة عن السكر أو الضغط، تجدنا نهمس بخجل حين يتعلق الأمر بالاكتئاب أو القلق.
الأبحاث الحديثة تكشف أن كثيراً من هذه الحالات ليست مجرد تفاعلات مؤقتة، بل قد تكون ذات جذور أعمق.

أكثر الاضطرابات النفسية الوراثية

الاكتئاب: تزداد احتمالية إصابة الطفل بنسبة تصل إلى 3 أضعاف إذا عانى أحد الوالدين من اضطراب اكتئابي مزمن.
اضطراب القلق العام: يظهر على الأبناء بشكل أكثر تكراراً في الأسر التي عاشت فترات طويلة من التوتر.
الفصام والاضطراب ثنائي القطب: ترتبط ارتباطاً مباشراً بجينات معينة؛ حيث وُجد أن له خلفية جينية قوية، خاصة إذا كان موجوداً لدى أحد الوالدين أو الأقارب من الدرجة الأولى.
لكن حتى لو وُجد الاستعداد الوراثي، فإن غياب المحفزات البيئية قد تمنع ظهور هذا الاضطراب.

خطوات تصنع الفارق:

الاحتواء العاطفي حماية للطفل من الأمراض
  • الاحتواء العاطفي: الطفل الذي يشعر بالأمان، يتعلم كيف يثق بنفسه وبالآخرين.
  • الحوار المفتوح: بيئة تسمح بالتعبير، تحمي من الكبت والقلق المزمن.
  • الاستقرار الأسري: يقلل من فرص الإصابة بالاكتئاب والعدوانية لاحقاً.

بالوعي يمكن كسر الحلقة الوراثية

  • راجعي التاريخ العائلي، و اكتبي كل الأمراض التي تكررت في أسرتكِ، النفسية منها والجسدية.
  • استشيري مختصين؛ طبيب الأسرة، وأحياناً الطبيب النفسي، يمكن أن يقدّم لكِ رؤية وقائية.
  • غيّري النمط؛ فإن كنتِ تحملين جينات السكري مثلاً، فالحركة اليومية وتجنّب السكريات قادرة على تأخير ظهوره لعقود.
  • وفّري لأطفالك ما افتقدتِه من استقرار؛ حنان، استماع، وبيئة تحتضن مشاعرهم لا تهاجمها.
  • الجينات لا تصنع الأم المثالية، ولكن بالوعي والحب والرغبة في التطور، حتى لو كان طفلك يحمل اضطراباً نفسياً أو مرضاً موروثاً.
  • ما يهم هو ما تفعلينه معه اليوم؛ حضنكِ لطفلكِ، اهتمامكِ بصحته، حديثكِ معه قبل النوم، هذه هي الجينات العاطفية التي سترسم ملامح مستقبله.
  • امنحي نفسكِ بعض الرحمة، وامنحيه الكثير من الأمان، فما نورّثه لا يقتصر على ما يسري في الدم.. بل ما نزرعه في الروح.

*ملاحظة من "سيدتي": قبل تطبيق هذه الوصفة أو هذا العلاج، عليكِ استشارة طبيب متخصص.