يُحتفل بيوم الصحة العالمي 2026 في 7 أبريل تحت شعار "معاً من أجل الصحة. ادعموا العلم" لتعزيز دور البحث العلمي والتعاون الدولي في حماية صحة الإنسان، الحيوان، والبيئة عبر نهج "الصحة الواحدة". تطلق منظمة الصحة العالمية حملة تمتد لعام كامل للاحتفاء بالابتكارات العلمية وإعادة بناء الثقة في العلوم الصحية، ومن المواضيع التي تستحق الوقوف عندها في هذا اليوم هي السمنة لدى الأطفال.. هذا التحدي الصحي المتصاعد في مجتمعاتنا الحديثة.
د. نجيب صلاح عبدالرحمن، أخصائي أمراض الجهاز الهضمي، وسوابنا ماري جون، أخصائية التغذية السريرية، في المستشفى الدولي الحديث بدبي، يسلطان الضوء في هذه المناسبة، على مضاعفات السمنة لدى الأطفال، وأهم ما توصل إليه الطب الحديث للوقاية من من هذا المرض الصامت.

تشهد مجتمعاتنا تحولاً جذرياً في الأنماط المعيشية ألقى بظلاله على صحة الأجيال الناشئة. لم تعد السمنة لدى الأطفال مجرد ملاحظة عابرة تتعلق بزيادة الوزن، بل تحولت إلى "وباء صامت" وتحدٍ صحي وجودي يهدد استدامة الصحة العامة. من هنا تبرز الحاجة الملحة لمواجهة هذا التحدي عبر فهم أعمق لجذوره الحيوية والسلوكية، بهدف حماية مستقبل أطفالنا وضمان حياة مديدة وصحية لهم.
فالسمنة في الطفولة هي حالة معقدة لا يمكن اختزالها في "الإفراط في الأكل" فقط؛ فهي تقاطع معقد بين الجينات، والبيئة المحيطة، والتغيرات الهرمونية، والضغوط النفسية على الطفل. إنها مسار يبدأ بزيادة في كتلة الدهون، وينتهي – إذا لم يُعالج – بسلسلة من التعقيدات الطبية التي قد ترافق الفرد طيلة حياته، مما يجعل التدخل المبكر ليس مجرد خيار، بل ضرورة قصوى.
أولاً: كيف يمكن تعريف السمنة

من الناحية السريرية، تُعرف السمنة بأنها تراكم مفرط وغير طبيعي للدهون يؤدي إلى الإضرار بالصحة العامة. الأدوات التشخيصية المعتمدة تعتمد بشكل أساسي على مؤشر كتلة الجسم (BMI)، ولكن مع مراعاة خصوصية نمو الطفل عبر مقارنة نتائجه بمخططات النمو المحددة للعمر والنوع.
عندما يتجاوز الطفل النسبة المئوية الـ95، يُصنف طبياً ضمن فئة السمنة. ومع ذلك، يؤكد د. نجيب صلاح عبدالرحمن أن الأرقام هي مجرد قمة جبل الجليد. فالسمنة ليست مجرد مظهر خارجي، بل هي اضطراب في العمليات الحيوية داخل الجسم. يبدأ الخطر عندما تبدأ هذه الخلايا الدهنية في العمل كغدة صماء نشطة، حيث تفرز مواد كيميائية تسمى "أديبوكاينز" تسبب التهابات مزمنة منخفضة الدرجة في أعضاء الجسم المختلفة، مما يضع أجهزة الطفل الحيوية تحت ضغط مستمر في مرحلة من المفترض أن تكون مرحلة بناء ونمو وتطور ذهني وجسدي.
ثانياً: علاقة الجهاز الهضمي بالسمنة
يشير د. نجيب إلى أن مفتاح فهم السمنة يكمن في "الحوار الكيميائي" المعقد الذي يجريه الجهاز الهضمي مع الدماغ. الجهاز الهضمي ليس مجرد أنبوب لتمرير وهضم الطعام، بل هو أكبر جهاز غدي في الجسم ينظم مستويات الطاقة من خلال هرمونات دقيقة تتحكم في السلوك الغذائي:
1. هرمون الغريلين: يُعرف بـ"هرمون الجوع"، ويُفرز بشكل أساسي من المعدة ليرسل إشارات عاجلة إلى الدماغ (وتحديداً منطقة تحت المهاد) تطلب الغذاء. في حالات السمنة، قد يضطرب إفراز هذا الهرمون، مما يجعل الطفل يشعر بالجوع حتى بعد وقت قصير من تناول الوجبة.
2.هرمون اللبتين: هو "هرمون الشبع" الذي تفرزه الخلايا الدهنية لإبلاغ الدماغ بأن الجسم لديه كفاية من مخزون الطاقة. المفارقة هي أنه في حالات السمنة المفرطة، يفرز الجسم كميات هائلة من اللبتين، ولكن الدماغ يطور ما يسمى "مقاومة اللبتين"، فلا تصله إشارة الشبع، مما يدخل الطفل في حلقة مفرغة من الأكل المستمر دون شعور بالرضا.
ثالثاً: نمط الحياة في عصر السرعة

من جانبها، ترى سوابنا ماري جون، أخصائية التغذية السريرية، أن الجانب السلوكي والبيئي هو المحرك الأكبر لهذه الأزمة، تتابع قائلة: "لقد انتقلنا بسرعة فائقة من الوجبات المنزلية المتوازنة التي تعتمد على المكونات الطبيعية إلى عصر "الوجبات فائقة المعالجة"، وهذه الأطعمة ليست مجرد طعام سريع، بل هي تركيبات كيميائية مصممة لتكون "مفرطة في اللذة"، مما يحفز مراكز المكافأة في دماغ الطفل (نظام الدوبامين) بشكل يشبه الإدمان السلوكي. هي غنية بالدهون المهدرجة، والصوديوم، والسكريات المضافة مثل "شراب الذرة عالي الفركتوز"، لكنها تفتقر تماماً للألياف والمعادن والفيتامينات الضرورية لنمو الدماغ والعظام وتطور المناعة.
رابعاً: ما هي البكتيريا الصديقة؟
من الجوانب العلمية الحديثة والمثيرة التي يسلط د. نجيب الضوء عليها هي "الميكروبيوم المعوي" حيث يعيش في أمعاء الطفل تريليونات من الكائنات الحية الدقيقة التي تلعب دوراً حاسماً في عملية التمثيل الغذائي. تشير الدراسات الجينية الحديثة إلى أن الأطفال الذين يعانون من السمنة يمتلكون تنوعاً بكتيرياً يختلف جذرياً عن أقرانهم ذوي الوزن الصحي.
توجد فئات من البكتيريا (مثل Firmicutes) تكون "أكثر كفاءة" في استخلاص السعرات الحرارية من الألياف والكربوهيدرات وتحويلها إلى دهون مخزنة. هذا يعني أن طفلين قد يتناولان نفس التفاحة، ولكن أحدهما يمتص منها طاقة أكثر من الآخر بسبب نوع البكتيريا في أمعاء الطفل. كما أن اختلال هذا التوازن نتيجة كثرة المضادات الحيوية أو الغذاء الفقير بالألياف قد يكون سبباً خفياً وراء صعوبة فقدان الوزن لدى الكثير من الأطفال.
خامساً: السكر المضاف
كما تؤكد سوابنا أن السكر المضاف هو العدو الأول في معركتنا ضد سمنة الأطفال. المشروبات الغازية، وعصائر الفاكهة المصنعة، ومشروبات الطاقة تحتوي على كميات هائلة من السكريات البسيطة التي ترفع مستوى الإنسولين في الدم بشكل حاد، تستطرد قائلة: "عندما يرتفع الإنسولين بشكل مستمر، يبدأ الجسم في تخزين الدهون بشكل مكثف ويمنع عملية حرق الدهون مع مرور الوقت، يطور الأطفال "مقاومة الإنسولين"، وهي الحالة التي تسبق الإصابة بمرض السكري من النوع الثاني. إن استهلاك مشروب سكري واحد يومياً قد يزيد من احتمالية إصابة الطفل بالسمنة بنسبة تصل إلى 60% وفقاً لبعض الدراسات الإحصائية.
السمنة لدى الأطفال.. أسبابها ومخاطرها وطرق علاجها
سادساً: ضريبة التطور التكنولوجي

لا يمكن الحديث عن السمنة دون التطرق إلى "الخمول الرقمي". يوضح الخبراء أن التطور التكنولوجي أدى إلى ظاهرتين خطيرتين:
1. انخفاض النشاط الحركي التلقائي: حلّت الأجهزة اللوحية وألعاب الفيديو محل اللعب الحركي في الحدائق، مما قلل من معدل الحرق الأساسي والنشاط البدني غير الرياضي.
2. الأكل اللاواعي: عندما يأكل الطفل أمام الشاشة، ينشغل الدماغ بالمحتوى البصري ويتجاهل إشارات الشبع القادمة من المعدة، مما يؤدي إلى استهلاك كميات تفوق حاجة الجسم بنسبة 20-30%.
سابعاً: العواقب الصحية – عندما يشيخ جسد الطفل مبكراً
يحذر د. نجيب من أن السمنة تفتح الباب لأمراض كانت تُعتبر "أمراض شيخوخة":
•مرض الكبد الدهني المرتبط بالخلل الأيضي: تراكم الدهون في خلايا الكبد قد يؤدي إلى التهاب الكبد الدهني، والذي قد يتطور بصمت إلى تليف كبدي في سن الشباب.
•اضطرابات التنفس: تسبب السمنة تضيقاً في المجاري التنفسية، مما يؤدي إلى "شخير الأطفال" وانقطاع النفس الانسدادي أثناء النوم، وهو ما يحرم الدماغ من الأكسجين الكافي ويؤثر على التحصيل الدراسي.
• البلوغ المبكر: السمنة تؤثر على التوازن الهرموني، مما قد يؤدي إلى بلوغ مبكر لدى الفتيات، وهو ما له تبعات نفسية وجسدية طويلة الأمد.
• ارتفاع ضغط الدم: لم يعد غريباً رؤية أطفال في العاشرة من عمرهم يعانون من ارتفاع ضغط الدم نتيجة تصلب الشرايين المبكر وضغط الدهون على الأوعية الدموية.
ثامناً: الندوب النفسية – التنمر والعزلة الاجتماعية

توضح سوابنا أن الأثر النفسي قد يكون أعمق من الأثر الجسدي. يعاني الأطفال المصابون بالسمنة من وصمة عار اجتماعية وتهميش من الأقران، مما يؤدي إلى:
• انخفاض تقدير الذات: يشعر الطفل بأنه "مختلف" أو "أقل كفاءة" من زملائه.
• دورة الأكل العاطفي: يلجأ الطفل للطعام كوسيلة دفاعية للتعامل مع مشاعر الحزن أو التنمر عند الأطفال، مما يزيد وزنه، فيتعرض لمزيد من التنمر، وهكذا تستمر الدائرة.
• القلق والاكتئاب: تزداد معدلات الإصابة باضطرابات المزاج لدى هؤلاء الأطفال، مما يتطلب تدخلاً من أخصائيين نفسيين بجانب الفريق الطبي.
عاشراً: دور الأسرة – القدوة هي الحل
تؤكد سوابنا أن الأسرة هي "خط الدفاع الأول". لا يمكن إجبار الطفل على أكل البروكلي بينما يتناول الأب البيتزا، فلا بد من اتباع الآتي:
سياسة المطبخ النظيف: يجب ألا تتوفر الأطعمة غير الصحية في المنزل بشكل سهل المنال.
المشاركة في الطهي: إشراك الطفل في تحضير الوجبات الصحية يجعله أكثر تقبلاً لتجربة مذاقات جديدة.
النشاط العائلي: استبدال "المول" بالذهاب إلى الشاطئ أو ركوب الدراجات في مضامير دبي المتعددة.
الحادي عشر: دور المدرسة والمجتمع – مسؤولية مشتركة

المدرسة هي المكان الذي يقضي فيه الطفل نصف يومه. لذلك، نقترح في هذا المقال تفعيل المبادرات التالية:
الرقابة على المقاصف: منع بيع المشروبات الغازية والحلويات السكرية واستبدالها بخيارات طازجة.
التعليم الغذائي: إدراج حصص تعلم الأطفال "ثقافة الطعام" وكيفية قراءة السعرات الحرارية بشكل مبسط.
تشجيع الرياضة المدرسية: جعل الرياضة جزءاً ممتعاً وليس مجرد حصة روتينية، مع التركيز على الألعاب الجماعية التي تدمج الأطفال من كافة الأوزان.
الثاني عشر: الوقاية منذ البداية – الألف يوم الأولى
تبدأ الوقاية من السمنة قبل الولادة. تغذية الأم أثناء الحمل تؤثر على جينات الجنين (علم الإبيجينتكس). كما أن الرضاعة الطبيعية لمدة 6 أشهر على الأقل توفر حماية طبيعية ضد السمنة بفضل الهرمونات الموجودة في حليب الأم والتي تنظم مراكز الشبع لدى الرضيع. فالسمنة لدى الأطفال ليست قدراً محتوماً، وليست مجرد نتيجة لضعف الإرادة. إنها نتاج معقد لبيئة حديثة تتسم بوفرة السعرات وقلة الحركة. ولكن، من خلال المعرفة والوعي والتعاون بين الأطباء وأخصائيي التغذية والأهالي، يمكننا تغيير هذا المسار.
كل خطوة صغيرة نقوم بها اليوم – سواء كانت إضافة طبق سلطة للمائدة، أو تقليل ساعة من وقت الشاشة، أو تشجيع الطفل على رياضة يحبها – هي استثمار حقيقي في مستقبل مجتمعنا. نحن في المستشفى الدولي الحديث دبي نلتزم بتقديم الدعم العلمي والعملي لكل أسرة تسعى لتأمين حياة صحية لأطفالها.

