رحلتنا هذه المرّة أخذتنا إلى مصر، وتحديداً إلى الجونة... تلك المدينة الساحرة التي تعانق زرقة البحر كما لو أنها تحتضن سراً من أسرار الجمال، وتنساب بهدوئها ورقيّها لتستقر دائماً في القلب. غير أن وجهتنا لم تكن شواطئها وحدها، بل تجربة استثنائية لا نظير لها في العالم العربي؛ رحلة تنقلك من حدود المكان إلى آفاق الطهي والفنّ بمعايير عالمية. هناك، حيث تتداخل النكهات مع الإبداع، انفتحت أمامنا رؤى لم نختبرها من قبل، وتكشّفت أبواب لم نكن نعلم بوجودها، لتمنحنا تجربة لا تُنسى تلامس الحواس وتُثري الروح.
إعداد: سارة مرتضى
35 نكهة من الجونة... حين تتحوّل المكونات المحلية إلى حكاية عالمية

في عامها الخامس والثلاثين، اختارت الجونة أن تحتفل بأسلوب مختلف تماماً، فكانت الوجهة نحو إطلاق أولى فعاليات Taste El Gouna، أول منصة مصرية من نوعها متخصصة في فنون الطهي المستدام. وقد جاءت التجربة تحت عنوان 35 نكهة من الجونة 35 Flavors of El Gouna بالتعاون مع Atelier Norbert Niederkofler Temporary بقيادة أحد أبرز روّاد الطهي المستدام في العالم. وعلى مدى أربعة أيام، اجتمع طهاة عالميون حاصلون على نجوم ميشلان للاحتفاء بـ 35 مكوناً محلياً من الجونة والبحر الأحمر ومختلف أنحاء مصر، وسط عروض طهي راقية، ودروس تفاعلية، ونقاشات فنية تُعيد رسم مستقبل الطعام المستدام، ليس بوصفه ممارسة بيئية فحسب، بل تجربة طهوية ترتقي بالمذاق، وتحتفي بالجودة، وتعيد تعريف مفهوم الفخامة الواعية. كانت الأجواء نابضة بالفخامة والإبداع، حيث تحوّل المطبخ إلى منصة فنية تفيض بالشغف والإلهام.
تابعي أيضاً: في اليوم الوطني الإماراتي: "فوالة" تجمع بين طاه فرنسي وإماراتي بنكهات أصيلة في برج العرب
منصة تلاقي الإبداع... لقاء بين العالمية والمواهب المصرية

لم يكن الحدث مجرد استعراض للطهي فحسب، بل كان مساحة للحوار وتبادل الخبرات بين الطهاة العالميين ونظرائهم المصريين الصاعدين. عبر دروس متقدمة وجلسات تعاون مبتكرة، برز التركيز على الطهي الأخلاقي والابتكار المسؤول، مما أسهم في ترسيخ مكانة الجونة كمحرّك رئيسي للنمو المستدام في فنون الطهي داخل مصر، وكمنصة تعليمية رائدة على مستوى المنطقة. وقد تصدّر التجربة الشيف الإيطالي نوربرت نيدركوفلر Norbert Niederkofler، صاحب فلسفة "طهو الجبل" التي قامت على احترام البيئة ودعم المجتمعات، وهي فلسفة صنعت مسيرته وأكسبته ثلاث نجوم ميشلان والنجمة الخضراء. وانضم إليه نخبة من أعلام الطهي العالمي، من بينهم الشيف هيمانشو ساني Himanshu Saini الحاصل على ثلاث نجوم ميشلان، والثنائي دانيال هاديدا Daniel Hadida وإيريك روبرتسون Eric Robertson الحاصلان على نجمتين ونجمة خضراء، إلى جانب الشيف فابريتسيو ميلينو Fabrizio Mellino المتوّج بثلاث نجوم ميشلان.
تجارب ذوّاقة في قلب الجونة... بين "الطعام الأخضر" ونكهات العالم

شاركت أيضاً مجموعة من النجوم الصاعدين في عالم الطهي، مثل الشيف أرييل هاغن Ariel Hagen من توسكانا الحاصل على نجمة ميشلان وأخرى خضراء، والشيف تامارا ريغو Tamara Rigo من جنوب تيرول، والشيف سارة عقيل من عمّان، إضافة إلى الشيف السعودي تركي بن حلّابي. ولتكملة هذه التجربة المترفة، قدّم خبيرا الموكتيلات ماتيا سبيديكانتو Mattia Spedicato وفيديريكو بالزاريني Federico Balzarini توليفة من النكهات الراقية التي رافقت الحدث طوال أيامه. وتوّج الضيوف رحلتهم بعشاء فاخر في مطعم بوتانيكا Botanica، أحد المطاعم الرائدة الهيدروبونيك في الشرق الأوسط والذي يعتمد الزراعة من دون تربة. وسط صوبة خضراء مطلّة على بحيرة فنادير، اكتملت التجربة بإطلالة بحرية آسرة وأجواء تعيد تعريف مفهوم "الطعام الأخضر" بمعناه الحديث، في لحظة ذوّاقة لا تُنسى.
إطلالة زرقاء لا تُنسى... إطلاق La Maison Bleue Residences

وسط هذه الاحتفالات الغنية بفنون الطهي، أعلنت الجونة عن إطلاق أحدث مشاريعها الراقية La Maison Bleue Residences (LMBR)، مشروع سكني فاخر على الواجهة المائية مستوحى من الإرث الفني والمعماري لفندق La Maison Bleue الشهير.
يمثل هذا المشروع إضافة مهمة إلى الوجهات الفاخرة على البحر الأحمر، ويأتي كتحية خاصة في ذكرى مرور 35 عاماً على تأسيس الجونة.
بعماره الأنيق، إطلالاته الفيروزية، وروحه التي تجمع بين الأصالة والفخامة، يقدّم LMBR مفهوماً جديداً للسكن الساحلي الفاخر... سكن يلامس الحسّ الفني قبل أن يلامس البحر.
حوار خاص لـ"سيدتي" مع محمد عامر، الرئيس التنفيذي للجونة والعضو المنتدب لشركة أوراسكوم للتنمية في مصر والشيف الإيطالي العالمي، والطاهي الأخلاقي الحائز على ثلاث نجوم ميشلان والنجمة الخضراء، نوربرت نيدركوفلر Norbert Niederkofler.

لقاء الرئيس التنفيذي للجونة – محمد عامر
ما الهدف من تنظيم فعالية "35 نكهة من الجونة"؟
نهدف إلى تسليط الضوء على جوهر هوية الجونة القائمة على تقديم تجارب متنوعة وغنية. ومع الاحتفال بمرور 35 عاماً على تأسيس المدينة، نواصل البناء على هذا الإرث من خلال منصة Taste El Gouna وقد قمنا بالتعاون مع Atelier Norbert Niederkofler Temporary تقديم فعالية "35 نكهة من الجونة" ارتقاء بفنون الطهي وابرازا لثراء المكونات المصرية، دعماً للإنتاج المحلي.
كيف أسهم الحدث في الجمع بين الطهاة العالميين والمواهب المحلية؟
نجحنا في جمع نخبة من الطهاة الحاصلين على نجوم ميشلان مع مواهب صاعدة في بيئة تشجّع على التعلم وتبادل الخبرات وتعزيز الاستدامة. وقد تحقق ذلك من خلال ورش عمل ودروس متقدمة في فنون الطهي الراقي وصناعة الحلويات، قُدّمت ضمن فعاليات الحدث، وشارك فيها طهاة من المدرسة الفندقية الألمانية في الجونة إلى جانب طهاة محليين، في إطار تجربة تعليمية وتفاعلية مباشرة. هذه الخطوة تمهّد لتشكيل مستقبل قطاع المطاعم والمطابخ في الجونة، وترسخها كوجهة أولى لتجارب الطعام العالمية.
يحمل Taste El Gouna رسالة قد تصبح جزءاً من إرث الجونة ومصر، برأيك، هل سيصبح فعلاً علامة من علامات تاريخ الجونة؟
نعم، أعتقد ذلك، المشهد العالمي لفنون الطهي يتغير، وهدف Taste El Gouna هو الارتقاء بالمشهد الطهوي أو المطبخي في مصر إلى مستوى مختلف، مع الحفاظ على العنصر المحلي.
ما يعجبني في Taste El Gouna هو أن الطهاة لا يأتون لتقديم أطباقهم فقط، بل يأتون لتعليم ونقل الخبرات. هناك تبادل معرفة حقيقي. كما أنهم يستخدمون مكوناتنا المحلية لرفع مستوى الأطباق والمطبخ بشكل عام.
هناك إبتكار، وإستدامة، وإحترام للمجتمعات المحلية، وهذه العناصر تجعلني أرى أن هذا ليس مجرد حدث، بل حركة يمكن أن تمتد إلى مصر كلها.
كيف تمكنتم من الجمع بين التراث المصري وروح الجونة والفخامة والاستدامة في مشروع La Maison Bleue Residences ؟ وهل واجهتم تحديات؟
أكبر تحدٍ واجهناه في مشروع La Maison Bleue Residences كان الحفاظ على الروح الأصلية للمكان. بالنسبة لنا في الجونة، كان من المهم جداً الحفاظ على هوية الفندق القديمة، وعلى فلسفته وطابعه المعماري، لا سيما وأن هذا المشروع يمثّل اتجاهاً مدروساً نحو تطوير مفاهيم سكنية تحمل هوية وعلامة واضحة، وتستند إلى إرث قائم وقصة معمارية متجذّرة من العراقة والتمييز،لهذا السبب أمضينا وقتاً طويلاً في مرحلة التصميم، ولم نتعجل إطلاق المشروع. مررنا بعدة مراحل وتعديلات حتى وصلنا إلى الصيغة المثالية.
والنتيجة النهائية جاءت رائعة، حافظنا على روح La Maison Bleue الأصلية، وفي الوقت نفسه أضفنا لمسة من الابتكار، وهذا كان التحدي الحقيقي.
لقاء مع الشيف الإيطالي العالمي والطاهي الأخلاقي الحائز على ثلاث نجوم ميشلان والنجمة الخضراء Norbert Niederkofler

ما الفلسفة التي ينطلق منها Atelier Norbert Niederkofler Temporary؟
ما أنشأناه يتجاوز حدود الطبق، فهو تبادل ثقافي بين أجيال من الطهاة حول العالم. يجمعنا احترام الطبيعة والمكونات المحلية وأولئك الذين يعتنون بها. وهذا هو جوهر المحترف الذي جئت لأقدّمه هنا في الجونة على شاطئ البحر الأحمر.
ما هي ركائز Taste El Gouna؟
تركّز المنصة على ثلاثة محاور أساسية:
• التميز في فنون الطهي
• الاستدامة
• تبادل المعرفة
وهي محاور تجسدت من خلال التعاون مع طهاة حاصلين على نجوم ميشلان، والاحتفاء بالأكلات الموسمية، ودعم المزارعين والصيادين عبر ممارسات تقلل الهدر وتبرز التنوع البيولوجي المصري.
كيف تتحول الجونة إلى مساحة تعليمية للطهاة؟
المدينة أصبحت منصة تفاعل وتبادل ثقافي بين الطهاة العالميين والطهاة المصريين الصاعدين من خلال ورش متخصصة وزيارات تعاون تشجع على الطهي الأخلاقي والابتكار المسؤول، مما يعزز مكانتها كوجهة رائدة لتعليم فنون الطهي في مصر.
كيف تُعرّف الاستدامة في عالم فنون الطهو، خاصة أنها مفهوم جديد نسبياً في العالم العربي؟
عندما كتبت عن مفهوم الاستدامة عام 2008، كان الموضوع أساسياً. اليوم لم أعد أستخدم كلمة "إستدامة" لأنها أصبحت مرتبطة أحياناً بالمبالغة أو ألـ Green Washing.
أصبحت أركز على كلمة الاحترام، احترام الناس، المنتجات، الطبيعة، والبيئة. الاحترام يذهب بنا أبعد ويجعلنا نفكر في المستقبل بشكل مختلف. فنحن نتجه إلى عالم يضم 10 مليارات شخص بحلول 2050، والإنتاج الغذائي السنوي ينفد في مايو أو يونيو. لدينا فقط حوالي 40 موسم حصاد قبل أن نفقد التربة وفقاً للدراسات العلمية. لذلك نعمل كفريق على مشاركة المعرفة وتدريب الجيل الجديد.
هل يُعد Taste El Gouna مشروعاً يعتمد على سرد القصص؟
بالتأكيد، كل منتج له وجه، وله عائلة. وكل مطبخ له "لماذا": لماذا الطعام الهندي حار؟ لماذا التايلندي حار؟ لماذا المطبخ البيروفي متنوع؟ الناس يحبون القصص الحقيقية، فهي تمنح المكان هويته. وهذا ما يجعل شخصاً يختار الجونة بدل مدينة مليئة بسلاسل المطاعم العالمية الموجودة في كل مكان.
هل سيكون Taste El Gouna مؤثراً عربياً ودولياً؟
طبعاً، سيكون تأثيره عربياً ودولياً. فالطهاة الذين شاركوا يمتلكون نجوم ميشلان ونجمتين ميشلان خضراوين. حضر طهاة من الهند، إيطاليا، كندا، الأردن، السعودية وغيرها، كل منهم يعمل من خلال مكونات الطبيعة المحلية في بلده. نحن لا نقدّم مشاريع تجارية ضخمة، بل مفاهيم فردية.
ما تأثير Taste El Gouna على أسلوب الطهي في مصر؟
الأمر يحتاج وقتاً، لكن الناس ستبدأ بالتفكير بطريقة مختلفة، وتجربة أشياء جديدة، وزيارة المطاعم التي شاركت هنا.
المهم هو البداية، إن لم نبدأ فلن يحدث شيء.
ما هو طبقك المفضل من المطبخ المصري؟
لم تتح لي الفرصة لتجربة الطعام المحلي، لكنني أعرف أن هذا البلد الجميل يضم منتجات ممتازة. كنت سأزور القاهرة في مهرجان الطعام، وسأفعل ذلك قريباً لأنني أحب اكتشاف الطعام المحلي برفقة أهل البلد.
وهكذا، غادرنا الجونة مع أثر لا يُنسى، أثراً يشبه نسيمها المسافر بين البحر والسماء. لم تكن رحلتنا مجرّد زيارة لمدينة ساحلية، بل كانت تجربة تعيد تشكيل علاقتنا بالطعام، بالجمال، وبالإبداع الإنساني في أصفى صوره. بين الطهاة العالميين والمواهب المصرية، بين المكونات المحلية التي تحوّلت إلى قصة، وبين الشغف الذي انعكس في كل طبق، أدركنا أن الجونة لا تقدّم حدثاً عابراً، بل تبني مستقبلاً جديداً لفنون الطهي في مصر والمنطقة.
قد يهمك أيضاً: مذاقات تقليدية مع لمسة عصرية في مطاعم ومقاهي جدة البلد






