mena-gmtdmp

جولة ملهمة في الأروقة الفنية لمدينة برشلونة الإسبانية

زخرفات على أسطح كازا باتيو من تصميم أنطوني غاودي
جانب من الزخرفات على أسطح كازا باتيو Casa Batllo من تصميم Antonio Gaudi (المصدر: Manaure Quintero / AFP)

لبرشلونة، المدينة الكاتالونيَّة التي تُعانق البحر، وجهٌ فنِّي جميلٌ، يستقطبُ نخبةَ السيَّاحِ، إذ يتوافدون إليها من كلِّ أنحاءِ العالمِ شغفاً بالتعرُّفِ على إرثها العريقِ، وحاضرها الزاهرِ، فهناك تتدفَّقُ الجماليَّاتُ من كلِّ حجرٍ، وكلِّ مكانٍ: من معارضها، ومتاحفها، وفنَّانيها.

محطات فنية في رحلة السائح إلى برشلونة

جسر بون دي بيسبي الخاص بالمشاة في الحي القوطي ببرشلونة

بين العمارةِ المميَّزةِ التي لا تُشبه سواها في أي جغرافيا أخرى، والمتاحفِ، والجاليريهات، وفنِّ الشارع، والمنحوتات، يحتارُ السائحُ أين يذهبُ في برشلونة، ويكفي أن الروائي الأمريكي أندرو بارجر وصفها يوماً قائلاً: «حتى القمرُ يشعرُ بالحرجِ من جمالِ برشلونة».
ومهما حاولنا، يصعبُ علينا اختصارُ الروحِ الفنيَّةِ الجماليَّةِ للجوهرةِ الإسبانيَّةِ ببضعِ كلماتٍ، لكنْ للإحاطةِ بها، يمكن القولُ: إن هناك محطَّاتٍ رئيسةً لاستكشافها، في مقدِّمتها الفنُّ الرومانسكي الذي سادَ في أوروبا قبل العصرِ القوطي (من القرنِ الـ 11 حتى الـ 13). وتُعبِّر عن هذه الحقبةِ معروضاتٌ، نجدها بالمتحفِ الوطني للفنون في كاتالونيا، وتتمثَّلُ في جداريَّاتٍ استثنائيَّةٍ، ومجموعةٍ غنيَّةٍ من اللوحاتِ على الألواح. في الواقع، تُعدُّ هذه المجموعةُ الأكبرَ والأقدمَ في أوروبا.

قد يهمك الاطلاع ايضاً على قائمة مختارة لأفضل فنادق البوتيك في برشلونة

إرث أنطوني غاودي في برشلونة

كنيسة ساغرادا فاميليا في برشلونة

على بُعد خطواتٍ من عبقِ التاريخ، تبرزُ ملامحُ الحداثةِ في أعمالِ أنطوني غاودي Antoni Gaudí، وهو أيقونةُ برشلونة، فالمعماري المولودُ في 25 يونيو 1852 بريوس في كاتالونيا، عُرِفَ بأسلوبه الفريدِ والمبتكر. لقد كانت الطبيعةُ تشغلُ مكانةً مركزيَّةً في أعمالِ المهندس الذي سعى إلى إعادةِ تجسيدِ عناصرها بموادَّ صلبةٍ وليِّنةٍ ملوَّنةٍ، لا يمكن المرورُ بعجلةٍ أمامها، إذ سرعان ما تحطُّ العيون على المنحنياتِ، والألوانِ الزاهية، والموادِّ مثل السيراميك، والزجاجِ، والحديدِ المطاوع، وهي عناصرُ أساسيَّةٌ في الحداثةِ الكاتالونيَّة.
ولعل أبرزَ المعالمِ التي هندسها غاودي، ويقصدُ بعض السيَّاحِ برشلونة من أجل زيارتها، كنيسةُ ساغرادا فاميليا التي بدأ بناؤها عامَ 1882، ولم ينتهِ حتى الساعة. ويُسمَّى الصرحُ بـ «تحفة غاودي»، ويشتهرُ بأبراجه الشاهقة، وواجهاته المزيَّنةِ بتفاصيلَ رمزيَّةٍ. أيضاً هناك حديقةُ جويل الأخَّاذةُ بفسيفسائها الملوَّنة، وخطوطها الانسيابيَّة، وكازا باتيو، وهو منزلٌ، يقعُ في باسيو دي غراسيا، ويتميَّزُ بواجهاته ونوافذه على هيئةِ قناعٍ، ما يعكسُ أسلوبَ غاودي العضوي والملوَّن. هذا إضافةً إلى كازا ميلا «لا بيدريرا» المبنى السكني الذي ارتفعَ بين عامَي 1906 و1912، ويشتهرُ بأشكالِ أسطحه الخياليَّة، وشرفاته المصنوعةِ من الحديدِ المطاوع، وقصرِ جويل حيث لعبةُ المساحةِ والضوء، وكازا فيسينس، وهو أوَّلُ مشروعٍ رئيسٍ للمهندس المعماري، وعبارةٌ عن منزلٍ، تمزجُ عمارته بين الطرازَين الشرقي والمدجَّن الجديد مع واجهاتٍ مزخرفةٍ ببلاطِ السيراميك.

كازا فيسينس، مشروع سكني صممه المهندس المعماري أنطوني غاودي


والعام الجاري (2026)، هو «عام غاودي» حيث يُصادف الذكرى المئويَّةَ لوفاته، إذ رحلَ في 10 يونيو 1926. وفي المناسبةِ، المُعلَنِ عنها رسمياً، يُنظَّم برنامجٌ استثنائي من الفعاليَّاتِ الثقافيَّةِ، والدينيَّةِ، والمعماريَّة احتفاءً بإرثه في برشلونة، وكاتالونيا.

قد يهمك الاطلاع أيضاً على دليل للسياحة في إسبانيا حيث تلتقي الحضارات وتزدهر الفنون

متحف بيكاسو في برشلونة

يُعدُّ متحفُ بيكاسو Picasso أشهرَ متحفٍ فنِّي في برشلونة. كان بيكاسو، المولودُ في ملقة 25 أكتوبر 1881، مُغرَماً ببرشلونة التي عانقت مراحلَ مبكِّرةٍ من نتاجه الفنِّي، أو أعوامِ تكوينه، من بينها بورتريهاتٌ لأفرادِ عائلته.

متحف خوان ميرو في برشلونة

منحوتة «امرأة وعصفور» للفنان خوان ميرو في حديقة تحمل اسمه ببرشلونة

لا تفوِّت زيارةَ متحفِ خوان ميرو Joan Miró الموزَّعِ على مبانٍ عدة. خوان ميرو تشكيلي ونحَّاتٌ وخزَّافٌ، قدَّم إسهاماتٍ بارزةً في طيفٍ واسعٍ من الأساليبِ والأنواعِ الفنيَّة. عبر مزجه الحرِّ بين الوسائطِ، والأساليب، لم يُعر الفنَّانُ اهتماماً يُذكر للأفكارِ التقليديَّةِ حول الفنونِ، أو الاتِّجاهاتِ السائدة، فهو غالباً ما كسرَ التقاليدَ الفنيَّةَ بطرقٍ مذهلةٍ.

فن الشارع في برشلونة

إضافةً إلى الإرثِ، والذاكرةِ، والحداثة، تشتهرُ برشلونة بظاهرةِ «فنِّ الغرافيتي» حيث تُلوِّن طبقاتٌ من الطلاءِ النوافذَ والجدران، وتُحوِّلها من صمَّاءَ إلى ناطقةٍ. كلُّ ما يُعبِّر عنه هذا الفنُّ من تمرُّدٍ، وحريَّةٍ، وابتعادٍ عن القواعد يمكن معاينته عند السيرِ في برشلونة، لا سيما في بوبلينو فهناك وفرةٌ من المصانعِ المهجورة، والمباني المتروكةِ التي أعادَ الفنَّانون إحياءَها بألوانهم الجميلة. واللافتُ أن الشركةَ الرائدةَ والأشهرَ عالمياً في إنتاجِ طلاء «البخَّاخ» المخصَّصِ للغرافيتي مركزها برشلونة، ما يُفسِّر انتشارَ هذا الفن.

قد يهمك قراءةهذا التقرير السياحي في عدد أبريل من سيدتي ديجيتال

متاحف ومعارض

تتعدَّدُ في برشلونة المتاحفُ المتخصِّصةُ للفنِّ، منها على سبيلِ المثال متحفُ الفنِّ المعاصر حيث كثرةُ المقتنياتِ والروائع، والمعارضُ المؤقَّتةُ التي تُنظَّم في هذا الفضاءِ باستمرارٍ. وهناك أيضاً متحفُ فريدريك ماريس في الحي القوطي، ويضمُّ منحوتاتِ هذا الفنَّان، فضلاً عن مجموعته الخاصَّةِ من التحفِ والقطعِ الأثريَّة التي جمعها من أنحاءِ كاتالونيا، وهي تعدُّ بالآلاف.
قد لا يفي هذا الإيجازُ السريع برشلونة الفنيَّةَ حقَّها، لكنَّها محاولةٌ للإمساك بعراقةِ المدينة، وتجذُّرها في التاريخ، وتطلُّعاتها للحداثةِ والمعاصرة.