فرح الديباني في حوار خاص لـ سيدتي: داليدا كانت أمنية الطفولة وعايدة على قائمة أحلامي/%D9%85%D8%B4%D8%A7%D9%87%D9%8A%D8%B1/%D9%85%D8%B4%D8%A7%D9%87%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8/1837564-%D9%81%D8%B1%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D8%A8%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%AD%D9%88%D8%A7%D8%B1-%D8%AE%D8%A7%D8%B5-%D9%84%D9%80-%D8%B3%D9%8A%D8%AF%D8%AA%D9%8A
فرح الديباني- صورة أرشيفية
قبل انطلاق عرض المسرحية الغنائية "داليدا: قصة حب"، تتحدث السوبرانو المصرية العالمية فرح الديباني في حوار خاص لـ«سيّدتي» عن كواليس استعدادها لتجسيد واحدة من أشهر أيقونات الغناء في العالم، وتكشف أوجه التشابه التي اكتشفتها بينها وبين داليدا، ورؤيتها لمستقبل الأوبرا في العالم العربي، وشروطها لخوض تجرِبة التمثيل. كما تتحدث عن أحلامها الفنية المقبلة، وعلى رأسها تقديم شخصية "عايدة" في أحد المواقع الأثرية المصرية.
"فرح الديباني وداليدا: حالة حب لا تنتهي"
داليدا كانت تعيش دائماً بين النجاح الكبير والصراعات الداخلية. كيف ستنجحين في نقل هذا الجانب الإنساني إلى الجمهور من دون أن يطغى على صورتها الفنية؟
داليدا نجحت في أن تقدّم صورة فنية قوية ومبهرة، رغم المعاناة الإنسانية الكبيرة التي عاشتها في حياتها الشخصية. لذلك حاولتُ أن استند في أدائي إلى بعض التجارِب التي مررت بها في حياتي أيضاً؛ فكل إنسان يمر بظروف صعبة وأوقات مؤلمة قد تؤثّر عليه نفسياً، لكن الفنان مطالَب، رغم كل ذلك، بأن يقف على المسرح ويقدّم أفضل ما لديه، ويُسعد جمهوره. أنا، مثل أيّ فنان وأيّ إنسان، مررت بمواقف كثيرة من هذا النوع، وأصبحتْ لديّ الخبرة التي تمكنني من الفصل بين حياتي الشخصية ووقوفي على المسرح. فقد حدث أن قدّمت حفلات وأنا مريضة جداً، أو أعاني من ارتفاع في درجة الحرارة أو نزلة برد، من دون أن يشعر الجمهور بأيّ شيء. وأتذكر على سبيل المثال، حفلي عند أهرامات الجيزة قبل نحو عام ونصف، حين كنتُ في بداية الحمل، ولم يكن أحدٌ يعلم بذلك بعدُ، كانت تلك الفترة من أصعب مراحل الحمل، وكنتُ أعاني أيضاً من نزلة برد شديدة، ومع ذلك وقفتُ على المسرح وغنيتُ أمام الجمهور، في أجواء شديدة البرودة، بينما كنتُ أرتدي فستان سهرة، ولم يلحظ أحدٌ أنني حامل أو مريضة. مع مرور الوقت يكتسب الفنان خبرة في التعامل مع مثل هذه الظروف، ويعرف كيف يفصل بين حياته الخاصة ورسالة الفن التي يقدّمها. وهذا ما حاولتُ أن أنقله في تجسيدي لشخصية داليدا.
المسرحية ستُعرض أمام جمهور يعرف داليدا جيداً في فرنسا، وآخر ربما يكتشفها للمرة الأولى في مصر، هل سيختلف أسلوب تقديم الشخصية بحسب طبيعة الجمهور؟
لا، لن يختلف أسلوب تقديم الشخصية؛ لأن داليدا واحدة، وقصتها واحدة، ونحن نقدّمها كما هي، لكن ما قد يختلف هو استقبال الجمهور. فهناك جوانب من حياتها قد تكون غيرَ معروفة للجمهور الفرنسي، وأخرى قد تكون جديدة على الجمهور المصري، وبالتالي ستكون المسرحية فرصةً ليكتشف كلّ جمهور جوانبَ مختلفة من شخصيتها.
فرح الديباني- الصورة من صفحتها على فيسبوك
بعد سنوات من تقديم الأوبرا على أشهر المسارح العالمية، هل ترَين أن هذه المسرحية قد تفتح أمامكِ باباً جديداً في مجال التمثيل المسرحي والغنائي؟
بالتأكيد، ولِم لا؟ لكن في الحقيقة، الأوبرا في حد ذاتها هي مسرح غنائي، وهذا هو تعريفها الأساسي. لذلك فأنا أمارس التمثيل والغناء على المسرح منذ سنوات. أما إذا كان المقصود هو المسرح الغنائي الاستعراضي، على غرار عروض برودواي أو "وست إند" في لندن؛ فأعتقد أن تجرِبة "داليدا" قد تفتح أمامي هذا الباب بالفعل.
إذا كان بإمكانكِ اختيار أغنية واحدة من أعمال داليدا لتكون الرسالة الأساسية التي يخرج بها الجمهور من العرض؛ فأيّة أغنية ستختارين؟ ولماذا؟
هذا سؤال صعب، لكنني سأختار أغنية "قصة حب" (Histoire d'un Amour)؛ فهي الأغنية التي استوحينا منها عنوان المسرحية. بالنسبة لي، هذه الأغنية تختصر شخصية داليدا، ولذلك اخترناها لتكون عنواناً ورُوحاً للعمل. كما أنها من أكثر الأغنيات التي أقدّمها في حفلاتي، وقد غنيتها بعدة لغات، منها الفرنسية والأسبانية، بالإضافة إلى النسخة العربية التي كُتبت خصيصاً لي، بينما داليدا نفسها لم تغنِّها بالعربية. لذلك أشعر بأن هذه الأغنية تمثل داليدا في أكثر من جانب، وتعبّر عن رُوحها ومسيرتها الفنية.
برأيك، ما الذي يجعل قصة داليدا لاتزال قادرة على التأثير في الأجيال الجديدة رغم مرور عقود، على رحيلها؟
أعتقد أن السبب الأول هو أن أغاني داليدا خالدة؛ فهي لا ترتبط بزمن معيّن. أعمالها أُعيد تقديمها بأشكال موسيقية مختلفة، مثل الديسكو، والتكنو، والإيقاعات الشرقية، واللاتينية، والأسبانية، ونجحت في كل مرة، وهو ما يؤكد أنها أعمال تتجاوز حدود الزمن. إلى جانب ذلك، كانت داليدا نفسها فنانة قادرة على التطور مع كل مرحلة زمنية. فقد بدأت في خمسينيات القرن الماضي بأسلوب يناسب تلك الفترة، ثم واكبت تغيّرات الموسيقى في الستينيات والسبعينيات، وتأثرت بموجة الهيبز، ثم انتقلت إلى موسيقى الديسكو في الثمانينيات، وكانت دائماً تجدد نفسها، سواء في اختياراتها أو في التوزيعات الموسيقية لأغانيها. لهذا السبب، أرى أن داليدا لاتزال حاضرة حتى اليوم، وأنها ستظل فنانة خالدة قادرة على الوصول إلى مختلف الأجيال.
داليدا (Dalida in Paris, France). مصدر الصورة: AFP
أثناء التحضير لتجسيد شخصية داليدا، هل اكتشفتِ جانباً في شخصيتها شعرتِ بأنه يشبه فرح الديباني أكثر مما كنتِ تتوقعين؟
بالتأكيد. كنتُ قد أشرت سابقاً إلى أن داليدا تمتلك قدراً كبيراً من المثالية، واكتشفت أن لديّ هذا الجانب أيضاً، تعلمتُ كيف أكون على المسرح أمام الجمهور، وأمنحه الفرح وأقدّم أفضل ما لديّ؛ حتى وإن كنتُ أمُر بظروف صعبة أو أشعر بالتعب أو المرض. لا أحب أن أنقل للجمهور أيّة مشاعر سلبية، وأحرص دائماً على أن يراني في أفضل صورة. أعتقد أن هذا جزءٌ من شخصيتي، وهو أيضاً من أبرز الصفات التي كانت تتمتع بها داليدا. هناك جانب آخر يجمعني بداليدا، وهو حبها الكبير للمسرح. فهي لم تكن مجرد مطربة صاحبة صوت قوي؛ بل كانت عاشقة للتمثيل والمسرح، وكان ذلك واضحاً في أدائها.
"فرح الديباني: طموحات وأحلام"
هل فكرتي في خوض تجرِبة التمثيل في عمل درامي أو سينمائي؟ ولو حدث، هل هناك شروط لدى "فرح" في هذا الأمر؟
أما عن التمثيل؛ فقد فكرتُ في الأمر بالطبع، لكنني لم أركز عليه بشكل كبير. أنا بطبيعتي أحب أن أسير خطوة بخطوة، وأترك الأمور تأتي في وقتها المناسب. وإذا جاءت فرصة للتمثيل؛ فلن أقبلها لمجرد خوض التجرِبة؛ بل سأكون حريصة على اختيار دور أشعر بأنني سأضيف إليه شيئاً، وأن لديّ ما أقدّمه من خلاله. لذلك لن أوافق على أيّ دور لمجرد الظهور، وإنما إذا وجدتُ تجرِبة تشبه تجرِبة "داليدا" وتُشعرني بالحماس الحقيقي؛ فسأكون مستعدة لها.
حققتي نجاحات لافتة على أهم مسارح الأوبرا العالمية، بعد كل هذه الإنجازات، هل مازالت فرح الديباني تشعر بأنها بحاجة إلى دعم ومساندة؟ وما شكل هذا الدعم اليوم؟
بالتأكيد، سأظل دائماً بحاجة إلى الدعم والمساندة. وأهم مصدر لهذا الدعم هو عائلتي؛ فهم يمثلون الأساس بالنسبة لي. ولا يقتصر دعمهم على الجانب المعنوي فقط؛ بل يمتد إلى الدعم الفكري والثقافي والإنساني. ولذلك لا أتصور أن استغني عنهم أو عن مساندتهم في أيّة مرحلة من حياتي.
برأيك، هل يحظى الفن الأوبرالي اليوم بالاهتمام والدعم الكافيين في العالم العربي؟ وما الذي يحتاجه ليصل إلى شريحة أوسع من الجمهور؟
أشعر بأن الاهتمام بـ فن الأوبرا في العالم العربي أصبح أكبر بكثير خلال السنوات الأخيرة. وأعتقد أن ذلك بدأ منذ عام 2019، عندما حصلتُ على جائزة أوبرا باريس. منذ ذلك الوقت، بدأتُ أظهر بشكل أكبر في مصر، ولفت الإعلام انتباهه إلى أن هناك فنانة مصرية تحقق نجاحات في أكبر دُور الأوبرا العالمية، وهو ما أدّى بدوره إلى زيادة اهتمام الدولة بهذا الفن. يكفي أن نشير إلى افتتاح دار أوبرا جديدة في العاصمة الإدارية الجديدة، وهو دليلٌ على وجود اهتمام حقيقي. كما أنني ألمس هذا التغيير من خلال حفلاتي؛ حيث أصبح هناك إقبالٌ أكبر، واكتشف الجمهور الأوبرا بصورة مختلفة. فالأوبرا موجودة منذ سنوات طويلة في مصر وفي عدد من الدول العربية، لكن الناس بدأوا ينظرون إليها من زاوية جديدة، وشعروا بأنها ليست فناً بعيداً عنهم أو حكراً على فئة معيّنة؛ بل يمكن أن يقدّمها شباب يشبهونهم ويتحدثون بلغتهم ويعيشون عصرهم. وأرى أن ما يحتاجه هذا الفن للوصول إلى جمهور أوسع، هو أن يشعر الناس بأنه قريب منهم، ومتجدد، ومواكب للعصر، وليس فناً قديماً أو جامداً. وهذا ما أحاول تقديمه دائماً، سواء من خلال اختياراتي الفنية، أو أسلوبي، أو أزيائي، أو طريقة تفاعلي مع الجمهور؛ حتى يشعروا بأن الأوبرا فنٌ معاصر يمكنهم الاستمتاع به.
بعد كل ما حققتِه حتى الآن، هل لاتزال هناك أحلام أو محطات فنية تتمنَين الوصول إليها؟ وهل هناك مشروع بعينه يشغل تفكيركِ؟
لا بد أن يضع الإنسان لنفسه أهدافاً جديدة باستمرار؛ فالأحلام هي التي تدفعنا إلى التقدم. ومسرحية "داليدا" كانت حُلماً يراودني منذ الطفولة، وكنتُ دائماً أتمنى أن أقدّم عملاً مسرحياً غنائياً يروي قصتها. والحمد لله، بدأ هذا الحُلم يتحقق. ولاتزال لديّ أحلام أخرى كثيرة، من بينها أن أقدّم دور "عايدة" في الأوبرا، وأتمنى أن أؤديه في أحد المواقع الأثرية المصرية؛ لأن ذلك سيكون تجرِبة استثنائية بالنسبة لي. وفي النهاية، أؤمن بأن الإنسان يجب ألّا يتوقف عن الحُلم؛ لأن توقُّف الأحلام يعني توقُّف الحياة، وتوقُّف التطور، وتوقُّف المسيرة المهنية. فالخيال والطموح هما الوقود الحقيقي الذي يدفع الإنسان إلى الاستمرار وتحقيق المزيد من الإنجازات.