mena-gmtdmp

زوجان

الشاطئ مقفر. الجو محمل بالمطر، والغيوم السوداء التي تغطي السماء توحي بأن الظلام سيحل قريبًا. أحكم سد ياقة معطفه الجلدي وحرك أصابعه التي تيبست حول عصا قصبة الصيد. مجنون من يفكر في العثور على سمك في هذا الجو. لكن من يهتم؟ لم يأت للصيد. جاء من أجل أشياء أخرى. أشياء يصعب أن يتحدث عنها. أمور لا يمكن للكلمات أن تشرحها. ولن تستطيع سعاد أبدًا أن تفهمها.

سعاد، معذبته التي لا تفقه شيئًا في ما يعتمل داخله. زوجته.

تنهد...

لو تستطيع فقط أن تشعر بحاجته الماسة لهذا السكون، هذا الهواء، هذا الامتداد!.

ستة أيام وهو يشتغل كالثور في الورشة. يحمل أكياس الإسمنت، ينقل قضبان الحديد وألواح الخشب. يجري حيثما أرسلوه، ينفذ أوامر أولاد لم يكونوا قد رأوا النور بعد عندما بدأ هو مشوار السخرة والشقاء.

كيف تحاسبه على الساعات التي يختلي فيها بنفسه؟، ويحاول أن يقنع روحه بأن لحياته معنى وأن ثمة جمالاً ما في هذه الدنيا التي ترفض أن تأخذه في أحضانها، وتيسر سبل عيشه ومتطلبات النفوس المعلقة في رقبته؟

هواء الصبيحة البارد يلفح وجهه، وملوحة الرذاذ الآتي من البحر تحرق بشرته.

استدار يمينًا، ولمحهما. نقطتان قادمتان من خلف الصخور. امرأة ورجل.

«يبحثان عن شيء آخر غير السمك» قال لنفسه ساخرًا وهو يتابع تقدمهما.

قررت أن تقوم بجولة في الشاطيء عند بزوغ الفجر. مجيئها للشاليه لا معنى له. يرفض أن يتحدث. ولا يمكنها أن تفعل أي شيء مكانه. الكرة في ملعبه الآن. وعليه هو أن يقرر إن كان يريد أن يستمرا معًا، أو يفترقا.

خطفت دفتر رسمها وهي تخرج. لن تجلس أمام البحر وتلوك نفس الأفكار السوداء. تريد أن... تتنفس.

لم تطل عليه في الغرفة الثانية. لم يدر بخلدها أن نفس الفكرة عنت له، وخرج قبلها بزمن.

أدار ظهره للشاليه وابتعد. تمشى طويلاً، دون أن يفلح في بلع غصته. ما معنى كل هذا؟ عطلة في شاليه لا يعرف أصحابه؟ زوجة لا تحس به، ولا تكترث بما يحدث له؟

دس يديه بحنق في جيبي معطفه. لم يكن عليه أن يرافقها. هي من يجب أن يختار. هي من قلب عيشتهما رأسًا على عقب.

لمست أصابعه طرف مفكرته في عمق جيبه. لم لا يتخلص منها؟ لم يكتب شيئًا منذ زمن. ولن يكتب.

رفع رأسه، ولمح زوجته تقترب، ودفترها في حضنها. دفترها اللعين.

نظرا لبعضهما لأول مرة منذ أن حلا بالشاطئ.

لا فائدة.

نجاح معارضها الأخيرة نقلها إلى عالم آخر. دنيا لن يبلغها أبدًا.

 لا يقرأ شعره أحد.

لا يمكن أن يعيش في ظلها.

نظر الصياد إليهما من صخرته البعيدة، وتمنى لو كان وزوجته مكانهما.

لو كان يعرف...!