وصلتك رسالة


قلة من الناس مازالت تستعمل البريد العادي للتواصل، المسجات الإلكترونية والإيميلات حلت محل الرسائل التي كان يأتي لنا بها ساعي البريد، فقدنا لهفة انتظار المظروف، ولذة تفحصه، ودهشة فتحه، ونشوة قراءة المكتوب التي لا تعادلها نشوة، إيميلاتنا ومسجاتنا باردة، حتى وإن كانت مضامينها ملتهبة، ثمة أشياء مفقودة في هذه الوسائط التي لا نشم فيها رائحة الحبيب، ولا نشعر فيها بحضوره الطاغي في انعراجات خطه، وخربشاته التي كتبها، وشطب فوقها، وسطوره التي أمالها أكثر مما يلزم، ونقاط حبر قلمه التي تكشف أنه ضغط على القلم في هذا المقطع أو ذاك أكثر مما يجب، في رسوماته البدائية أحيانا، وفي القلوب التي نثرها على الورقة، والخطوط التي سطرها تحت الكلمات التي تعني له الكثير، في نوعية الورق الذي اختاره، وشكل المظروف ولونه، ورسم طابع البريد، وما إلى ذلك من التفاصيل الصغيرة والحميمة التي لا تقدر الوسائط الإلكترونية على تعويضها.

كثيرا ما يثار هذا الموضوع أمامي، لم يعد الناس يجدون وقتا لكتابة الرسائل التقليدية، لم تعد لديهم رغبة في ذلك أيضا، لماذا يتجشمون عناء أخذ الورق والقلم وانتقاء العبارات التي لا تأتي إلا بصعوبة؟ لِم َ شراء المظروف والطابع البريدي والتنقل إلى صندوق البريد لإرسال رسالة قد تأخذ أياما وربما أسابيع لتصل، أو لا تصل؟ لم كلّ هذا التعب، بينما يكفي أن يكبس المرء بضعة أزرار ليصل مراده إلى صاحبه في التو ّ واللحظة؟

إحدى الصديقات المتحمسات لاستعادة شغف التراسل بالبريد العادي أعارتني ألبوم قصص مصورة، قالت إنه يلقى رواجا في المنتديات الإلكترونية المعنية بهذا الموضوع، صديقتي قالت إن الألبوم قوّى رغبتها في الكتابة للأحباب للسؤال عنهم واستطلاع أخبارهم، ولا يهم إن ردوا على الرسائل أم لا، لأن ما يعنيها هو أن تُشعرهم بأنها تفكر فيهم، وتحبهم، وتتمنى لهم كل خير.

الألبوم عبارة عن مجموعة من القصص المرسومة بقلم انسيابي رقيق،عنوانه «الدراجة الحمراء»، وهو من فكرة وتنفيد الفنان الكوري «كيم دونغ هوا»، ويحكي يوميات ساعي بريد شاب يجوب كل يوم طرقات قرية «ياهواري» في كوريا الجنوبية على مدار العام، البطل رجل مرهف الحس، رقيق الطبع، شاعري الإحساس، يمتطي دراجته الحمراء ليوزع البريد في القرية الريفية النائية التي يسكنها فلاحون بسطاء وسكان مدن عجزة ومتقاعدون أتوا ينشدون فيها الراحة والسكينة والهدوء، البريد هو وسيلة اتصالهم الوحيدة بالعالم الخارجي، ومربعات الورق المطوية التي يترقبون وصولها كل يوم بلهفة تعني لهم أكثر مما يمكن أن يتخيله شخص لا يعيش ظروفهم: فهي تنبض بدقات قلوب الأحبة الذين يعيشون بعيدا عنهم، وترتجف بزخم أنفاسهم، وتثقل بدموع أعينهم، وتضيء بإشراقات ابتساماتهم، وهي تحمل أخبار الدنيا، وأحوال الناس، وجديد الوطن والعالم.

ثلاثون قصة مصورة ترسم دفء الحياة وسكينتها في تلك القرية النائية، وتقتنص كل يوم لحظة من الزمن المار، لتصور حياة الناس، وتداخل تقلبات مصائرهم مع الطبيعة المحيطة، ومع ما يأتي من أخبار العالم الخارجي، أحببت لوحة المزارع العجوز الذي فقد آخر أصدقائه بالمراسلة، وأصبح كاليتيم لا يدري كيف يجابه وحدته، وقصة الريفي الشاعر الذي يترك دائما قصيدة رقيقة في صندوق بريده، مهداة إلى الساعي الذي يأتيه بالبريد، وحكاية المرأة التي تتأخر رسائلها ويضع ساعي البريد باقة أزهار في صندوق بريدها مكان الخطاب الذي لم يصل.

حكايات شاعرية، لا أحداث متتالية فيها دائما لكنها تفيض بطيبة ورقة وإنسانية الأشخاص العاديين الذين يؤثثونها، أشخاص تشعر بأنك يمكن أن تصادفهم في كل مكان في هذا العالم، الفقير الذي يرغب أن يمنح غيره كل ما يملكه، على قلته، والعجوز الذي اختبر الحياة، وصارت كلماته حكما مختصرة، والسعيد الذي يريد أن يشاطره العالم سعادته، والحزين الذي يرضى بقسمته، والمريض الذي يحلم، والبئيس الذي يقنع بما كُتب له...

جولة ساعي البريد فرصة لتبادل أخبار القرية، والابتسام، وشمّ الهواء، وعناق الطبيعة، المنازل في تلك المنطقة القصيّة من العالم تحمل أسماء شاعرية: المنزل المحاط بالأزهار البرية، المنزل الأصفر وسط الخضرة، المنزل الأبيض في طريق أشجار الصفصاف، الفتاة ذات البشرة الشاحبة..

وصناديق البريد في الريف الكوري حمراء، مثل دراجة ساعي البريد.

صديقتي محقة.. رسائل البريد التقليدية ليست ورقا وحبرا فقط.. إنها أكثر من ذلك، باقة من المشاعر والحضور البشري الحقيقي والدفء.