مدونات سيدتي /خواطري

الرسائل الورقية


لم تكن الرسائل الورقية يوماً مجرد مجموعة من الأوراق الباردة، سكب عليها أحدهم قطرات من الحبر، في لحظة شعر فيها برغبة البوح للورق بإحساس أو بأسرار عجز عن الاحتفاظ بها في داخله.
فالرسائل الورقية كانت شيئاً أكبر وأعمق من علاقة قد تجمع الحبر بالورق، فهي كانت كالوطن للغرباء، يلجأ إليها غرباء الأوطان، وغرباء الزمان، وغرباء الأحلام، وغرباء المشاعر، وغرباء الحكايات، الذين كانوا يعتبرونها كصناديق أمان يخفون فيها أحداثهم وتفاصيلهم بثقة تامة..
فهي كانت تمثل لهم محطات انتظار، ومحطات لقاء وعتاب، واعتذار ووداع.
فعلى الرسائل الورقية كان ميلاد الكثير من البدايات، والكثير من الحكايات، والكثير من الاعترافات، والكثير من النهايات.
فهي كالصديقة المقربة لأناس لم ينجحوا في البوح أمام أحد كما نجحوا في البوح على صفحاتها...
لكن ومع مرور الوقت، فقدت تلك الصديقة أهميتها ومكانتها الكبرى في تلك القلوب، التي لم يعد الورق كافياً لبث الدفء فيها، منذ أن توفرت لها فرص أسهل للكتابة والبوح، وتوقف أصحابها عن كتابة الرسائل الورقية، وهُجرت صناديق البريد.
وربما وحدهم الكُتاب فقط الذين مازالوا يكتبون الرسائل الورقية، لكنهم لا يضعونها في الصناديق الزرقاء، ولا يحرصون على اقتناء طوابع البريد، ولا على انتقاء المظروف المناسب، ولا على كتابة عنوان المرسل إليه بخط سهل القراءة.
فنحن أصبحنا نصدر رسائلنا الورقية للآخرين على هيئة كتب ورقية، كتب يحرص عشاق الورق على اقتنائها، فمازال هناك من يعرف أهمية الورق، ومازال هناك من يحتفظ برسائل أُرسلت إليه من إنسان ما، رسائل قد تذكره بعلاقة صداقة كانت تعني له الحياة، أو بحكاية كان فيها الفارس المتوج على قلب أنثى تركت له الكثير ومضت، أو بمجموعة من الغرباء تعرف عليهم من خلال هواية المراسلة التي مارسها ذات مرحلة من العمر، فتركوا له على الورق الكثير من الأسرار، والكثير من الأحداث، والكثير من الثقة، وذيلوا الرسائل بأسمائهم التي لا يعلم إن كانت حقيقية أو مستعارة، وبعناوينهم التي تركوها في خانة المرسل، ثم مضوا، فتوقفت بينهم الرسائل بعد أن تغيرت الأعمار والأمنيات والأفكار.. دون أن يعلم على أي محطات الحياة استقرت بهم الحياة، وكأن الرسالة الورقية كانت حكاية زمن جميل، حين انتهت، أسدلت الستائر على كل طقوسها، ومضى أبطالها كل في طريق.
قبل النهاية بقليل:
الرسائل الورقية كانت كمجموعة من حمام الزاجل، تأتي بالاستفسارات، وترحل بالإجابات.

أضف تعليقا

مقالات اخرى للكاتب

X