حكاية بكْماء..

شهرزاد

أنت الحكاية المُثْقلة بالوجع، والتي كنت أسْكبها في جسدِ البحر ثم أمضي متخفِّفة من الكثيرِ.. فالبحر هو الصديق الأقْرب للأرواح الممتلئة بالكلماتِ.

إنه الصديق الذي عقدت معه علاقة خفيّة كانت تدفعني نحوه كلما شعرت باخْتِناقٍ ما، أو كلما راودتني رغبة الثرثرة أمام صديق وفيّ..

فالبحر هو الصديق الذي لا يعبس في وجوهنا أبداً، ويتْقن الصمت كي يعلمنا البوْح..

لكنه لا يتْقن الحديث معنا، وكأنه صديق أبْكم يجيد الإنْصات ويعجز عن النُطْقِ، فكلِّ الاسْتِفْساراتِ أمام البحر تبقى بِلا إجابةٍ، وكل الحِكايات أمامه تخلو من المناقشاتِ، فهو يأخذ أصواتنا دون أن يمنحنا صوته، وكل ما يصلنا منه هو ضجيج الأمْواج فقط..

لكن هذه الحقيقة لم تمنعني من التمسُّك به كصديقٍ مقرَّب، ولا من قذْفِ همومي في فمِ أمواجه، فالصديقِ الصامت هو الأكثر قُدْرة على حفظ أسْرارنا..

فكان إيماني هذا يدفعني للثرثرةِ أمامه بِلا انْقِطاعٍ، وكأن صمته كان دعوة للبدءِ ببوح لانِهاية له.. أو كأنه الذِراع الحقيقيّة التي امتدت إليَّ وأنا في قِمّة غرقي، ومُقاومتي للموتِ!

لكنني اكتشفت هذا المساء أنني أحملك في داخلي كحكاية بكْماء لاصوت لها، فحين هممت بالحديثِ عنك شعرت بفقدان شهيّتي لسَرْدِ حكايتي معك، وكأنني قد سقطت في قاعِ اليَأْسِ، فحين أُتيحَتْ لي فُرْصة الكلامِ

آثرت الصمت، وكأنَّ تلك الذِراع المُنْقِذة قد أمْسكت بي بعد أن اسْتسلمتُ للغرقِ، وبعد أن جرفتني الأمْواج بعيداً، وبدأت بِلفظِّ أنفاسي الأخيرة، فما نَفْع انْتِشالي من البحرِ الذي ألْقيت فيه بعد أن فقدت جزري وسفني؟

وبماذا سيُجْدي الحديث بعد أن ضاع صوتي في فمي؟ وماذا سيضيف لي إعادة سرْد الحِكاية التي كرَّرتها، حتى خُيل إليَّ أنها الْتصقت بلساني، دون أن يتوقَّف أحدهم ليمنحني أُذُنيه كي أسْكب صوتي فيهما؟ وما نفْع أن أشْعل مصابيح المحطات بعد أن غادرت كل القِطارات؟ وما جَدْوى أن يُصدِّقني أحدهم وقد بدأت أفقد شخْصيتي الحقيقيّة؟ وبدأ السؤال التائه يتسلَّل إلى داخلي: من أنا بعد هذه السنوات التي مرَّت بكل تفاصيلها المرعبة والموجِعة؟

فغادرت مَقْعدي أمام البحرِ بصمت تام، وكأنني أعلن أمام البحر رفضي للفرصة التي تأخرت كثيراً.. فرصة الحديث عنك!

قبل النهاية بقليل:

الحكايات التي تتضخم باسْتِفْساراتٍ بِلا أجْوبةٍ، قد تتحوَّل مع الوقتِ إلى حكايةٍ بَكْماء..