يا محاسن الصُّدف

 

كثيرة هي الصُّدف التي تحدُث لنا، هكذا بدون سابق تخطيط أو حتى توقُّع لحدوثها، نعم نحن نسميها صُدفة، لكنها عند الله سبحانه معلومة الزمان والمكان قبل وقوعها، في علم الله وتدبيره الشامل لهذا الكون وجميع وقائعه، ومع ذلك نستمر في تسميتها صُدفة بناءً على إدراكنا البشري المحدود، وإحساسنا الذي مهما حاول أن يتوقع التوقعات ويحسب الحسابات، إلا أنه يبقى قاصراً مخطئاً في معظم التوقعات والحسابات، وفي داخل هذه الدوائر المتداخلة، ننساق حيناً مع الغرور والثقة الزائدة بالنفس، وتارة يخطفنا الخوف والتوتر المبالغ فيه، كلما حاولنا الخروج من متاهة الصُّدف، إذا بنا نعود إلى البداية من جديد، في حالة يختلط فيها الحزن بالكوميديا.


الحديث عن الصُّدفة يقودنا إلى ما يسمى بالتخاطر (Telepathy)، وهو مصطلح يعود إلى العام 1882م، وقام بصياغته الأستاذ الجامعي الإنجليزي «فريدريك مايرز»، ويشير مصطلح التخاطر باختصار إلى: «المقدرة على التواصل ونقل المعلومات من عقل إنسان لآخر؛ أي أنه يعني القدرة على اكتساب معلومات من أي كائن واعٍ آخر، وقد تكون هذه المعلومات أفكاراً أو مشاعر أو غير ذلك، وقد استُخدمت الكلمة في الماضي لتعبّر عن انتقال المعلومة».


ومع كثرة الجدل حول هذا المصطلح، إلا أنه ليس بالإمكان تصنيفه ضمن العلم التجريبي، بالرغم من وجود قصص تشير إلى وقوع التخاطر بين شخصين تفصل بينهما المسافات الطويلة، كالتواصل الروحي بين الأم أو الأب مع أبنائهما وبناتهما عن بُعد.


سواء انحزنا لجانب التخاطر أو وقفنا ضده، إلا أننا لا نستطيع الإنكار أنه حصل بين أحدنا وبين شخص نعرفه تخاطُر ولو لمرة واحدة على الأقل، ومن الشواهد الحية على التخاطر، انشغال الفكر بإنسان عزيز، وعندما نقرر التواصل معه، يأتينا جوابه بأنه كان يفكر للتو في التواصل معنا، وتبلغ الدهشة مداها حين يسبقنا في التواصل بثوان معدودة، إنها الروح التي لا يعلم سرها إلا خالقها العظيم، قال تعالى: ”ويسألونك عن الروح قل الروح من أمرِ ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا“، وفي الهدي النبوي، يقول سيّدنا ونبينا محمد، صلى الله عليه وسلم: (الأرواح جنودٌ مجنَّدة، ما تَعارَف منها ائتلف، وما تناكَر منها اختلف).


على قَدر نقاء قلب الإنسان وصفاء عقله، تأتيه أفكاره الأنيقة تسعى إليه، كما يسعى المحبوب إلى محبوبه، وليست صُدفة أن تجلس في مجلس ما، تستمع أو تتناقش مع عدد من الناس في أحد الموضوعات؛ فتبتسم ابتسامة الرضا والقبول بين الحين والآخر وأنت تصغي إلى أفكار وحديث إنسان بعينه، يزن الكلام بميزان المنطق والحكمة، وكأنه ينظم الجواهر إلى جوار بعضها، نعم هذه ليست صُدفة عابرة؛ بل أنت أمام شخص تعاهد نفسه بالتهذيب وحُسن الإنصات، ثم التفكير في الكلام اللائق بالمكان والمستمعين، وازداد مع الأيام تهذيباً يردّه عن مساوئ الأخلاق، ووعياً يحول بينه وبين الوقوع فيما لا تُحمد عواقبه من الأقوال والأفعال.


يا رفيق الحرف، قد تبذل جهداً كبيراً؛ متأملاً أن تحصل على إحدى أمنياتك، ومع ذلك لا تنالها، سواء تعلّق السبب بك أو كان خارجاً عن سيطرتك، ومع هذا تتفاجأ بأمور سعيدة ساقتها الأقدار إلى طريقك من غير حول منك ولا قوة.
في رواية: عابر سرير، تقول الأديبة الكبيرة «أحلام مستغانمي»: بالمناسبة.. أجمل ما يحدث لنا لا نعثر عليه، بل نتعثر به.
وفي صفحة أخرى من ذات الرواية تقول الأديبة المبدعة: عندما نراجع حياتنا، نجد أن أجمل ما حدث لنا كان مصادفة، وأن الخيبات الكبرى تأتي دوماً على سجّاد فاخر، فرشناه لاستقبال السعادة.

أضف تعليقا

مقالات اخرى للكاتب

X