أسرة ومجتمع /ثقافة وعلوم

خاطرة: قهوه باردة


لا عليك، تبقى لنا ما يكفي، وهاهي الصور تتحرك عبر نافذتي، باص المدرسة، لِم لَم يعد يقف أمام بيتي؟ ربما لن يذهب طفلنا اليوم إلى المدرسة، وهو لم يعد يخبرني عن امتحاناته، وطالت بي الذكريات ولم أسكب قهوتي!
أتعلم، شيء ما تغير، لا أعلم ما هو، ربما النافذة؛ فتبدو وكأنها من القرن الماضي، هه... لقد وصل الساعي، لا بأس سأجلب الصحيفة، حاول أن تنهي فنجانك بسرعة، لا تشعل هذا الغليون مرة أخرى، ألم أخبرك بأن أضراره مدمرة، لا، لقد بردت القهوة، سأسكب لك كأساً ثانية، صحيح أنت لا تحبها مرة، حسناً حسناً سأضع لك السم الأبيض، فقط ملعقة.


لم تعد تحب القهوة كالسابق، أتذكر كيف كنا كالأطفال نتسابق من يرتشفها أولاً، ربما لم أعد أجيد صنعها، أو ربما ضغط دمك ما يثير قلقي ويصرفني عنها، يبدو هذا الصباح أكثر شحوباً.. أليس كذلك؟
طالما كنت تنتقد هدوئي الدائم، والآن بت من يتحدث أكثر من اللازم، يقولون إن الرجال تشيخ ألسنتهم قبل وجوههم، ههه.. ربما لهذا بات الصمت خيارك الملائم، لا تغضب، أنا أمزح، مازال العمر أمامنا لنعيش ونمرح، لكنني كلما نظرت إلى نافذتي؛ أشعر بأنها من القرن الماضي، وبينما يلتهم الصدأ الطلاء والقضبان، يلتهم أيامي، لايهم مادمت سأرتشف قهوتي في كل صباح معك، حتى وإن بردت وأنا أسمعك، حتى وإن لم يعد حديثك سوى خشخشات تصدرها صحيفتك، أو عقارب ساعتك، ياه.. لم تذكرني، أحضرت الصحيفة لك، حاولت أن أسرع مع أنني أشعر بثقل خطواتي، لا أدري لم أصبحت مفاصلي تؤلمني كلما حل الشتاء، ما رأيك أن أقرأها؟ حسناً، يقال إن السكوت علامة الرضا!


مممممم أي صفحة أختار يا ترى؟ أنت تحب صفحات الأخبار المحلية، لنرَ...
«تعلن بلدية المحافظة عن تكريمها لأبناء من لقوا حتفهم في أعقاب الحرب، والذي ينم عن عرفانها وتقدير أبنائها العظيم لتلك التضحيات، والتي أزاحت عنا ظلمة الاضطهاد والكرب، وتخليداً لذكرى كل أم وأب جابهوا العدو بإقدام ودأب».
إنها مقدمة رائعة، لكن أليست هذه الصورة لجارنا؟ ألم تزره البارحة؟ لم كتبوا بـأنه قضى من عشر سنوات..!
لقد شاخت نافذتي فعلاً؛ فقد توقف في عقلي الزمان عقب تجمد ذلك الفنجان وهو ينتظرك وكله إيمان بأن قهوتك منذ ذلك اليوم ستظل باردة، لكن لابأس، مارأيك أن أعيد تسخينها ثانية؟

 

مختارات أدبية من قراء "سيدتي نت" في قسم ثقافة وتعليم

 

 

مواضيع ممكن أن تعجبك

أضف تعليقا

X