ثمة متعة في الحديث مع المصممة اللبنانية الفرنسية هلا سالم، إذ عبَّرت عن فلسفتها وأعمالها في اللقاء مع «سيدتي» بلغة آسرةٍ، وكلمات لا تخفي تلك النقاوة في مقاربتها للفنّ والتصميم. تنقلت المصممة في ميادين مختلفة، منها عالم الإعلانات، قبل أن تطرق باب تصميم قطع الأثاث والديكور. لكن الواضح أنه مهما كانت خامة العمل، فإن كل قطعة مُوقَّعة باسمها مُحمَّلة بمشاعر ومحفزة على التدقيق فيها طويلاً. تتعاونُ المصمِّمةُ مع الحِرفيين اللبنانيين، وترى في هذه الممارسةِ جانباً إبداعياً، وأيضاً ثقافياً، يدورُ حول الحفاظِ على تقليدٍ حي، وإعطائه معنى جديداً من خلال التصميمِ المعاصر. وتجدُ هلا سالم في التصميمِ واسطةً لروايةِ القصص، وتعملُ اليوم على سلسلةٍ جديدةٍ من القطعِ الأكبر حجماً التي سيتمُّ الكشفُ عنها قريباً، كما أوضحته في الحوارِ الآتي.

أسلوبي الإبداعي

درستِ التصميمَ الجرافيكي والتسويقَ في باريس، ما الدروسُ المهمَّةُ التي اكتسبتِها خلال تلك الفترة؟
درستُ الإعلانَ، والفنَّ، والتصميمَ الجرافيكي في باريس، وكانت تلك الفترةُ بمنزلةِ نقطةِ تحوُّلٍ في طريقةِ رؤيتي وتفكيري، وفي كيفيَّةِ تجسيدِ الأفكارِ عبر الصورةِ والعاطفة. لاحقاً، صقلَ عملي في مجالِ الإعلانِ لأكثر من عشرةِ أعوامٍ حسِّي في سردِ القصص، والتكوينِ، والاهتمامِ بالتفاصيل، لتصبحَ كلُّ هذه التجاربِ جزءاً لا يتجزَّأ من أسلوبي الإبداعي اليوم، إذ يلتقي التصميمُ بالذاكرةِ والعاطفةِ بشكلٍ فطري.
أصبحت أمّاً

هل من لحظةٍ محوريَّةٍ في مسيرتكِ، أقنعتكِ بالانتقالِ من التصميمِ الجرافيكي إلى تصميمِ المُنتَجاتِ والديكور؟
جاءت نقطةُ التحوُّلِ عندما أصبحتُ أماً، فبعد أعوامٍ من العملِ في مجالِ الإعلان، شعرتُ بحاجةٍ إلى مزيدٍ من الحريَّةِ الإبداعيَّة، وإلى إيقاعٍ، يسمحُ لي بالتعبيرِ عن نفسي بطريقةٍ أكثر شخصيَّةٍ. عندئذ بدأتُ العملَ بشكلٍ مستقلٍّ بوصفي رسَّامةً، ومديرةً فنيَّةً، ومصمِّمةً. لم يكن الأمرُ تحوُّلاً فعلياً من مجالٍ إلى آخرَ، بل كان تطوُّراً طبيعياً، ورغبةً في الإبداعِ بيدَي، وسردِ القصصِ من خلال أشياءَ وصورٍ محمَّلةٍ بالمشاعر. فتحت تلك اللحظةُ الطريقَ أمامَ مجموعةٍ من التعاوناتِ والمشروعاتِ التي تعكسُ هويَّتي اليوم.
حوار

هل تعتقدين أن التصميمَ في العمومِ، يجبُ أن يأسرَ العينَ أولاً، ثم يثير التأمُّلَ، أو التساؤلاتِ على مستوى أعمق؟
أرى أن التصميمَ، لا يقتصرُ على ما نراه فقط، بل ويشملُ أيضاً ما نشعرُ به. كلُّ قطعةٍ أبتكرها، تحملُ قِصَّةً، وفي بعض الأحيانِ، تتجاوزُ مجرَّد بضعِ كلماتٍ، لأنني أؤمنُ بأن العاطفةَ، هي ما يمنحُ الشكلَ معنى حقيقياً. أريدُ أن تلامسَ أعمالي الناسَ من الناحيةِ البصريَّة، وأيضاً من خلال الملمسِ، والمادةِ، والحضور. ماديَّةُ القطعة، وكيفيَّةُ التقاءِ الضوءِ بسطحها، أو ملمسها كلّها عواملُ، تُسهم في سردِ قِصَّتها. لا يقتصرُ الأمرُ على أسرِ العين فحسب، بل ويتعلَّقُ كذلك بخلقِ حوارٍ بين القطعةِ والشخصِ الذي يقفُ أمامها.
قد يهمك الاطلاع أيضاً على: We Design Beirut: مصممون يتحدثون لـ«سيدتي» عن علاقتهم بمدينتهم في معرض بفيلّا عودة
أناقة فرنسية

تشتهرين بأسلوبكِ الذي يجمعُ بين الأناقةِ الفرنسيَّةِ ودفءِ دولِ المشرق، كيف أثَّرت مدينتا بيروت وباريس في تصاميمكِ؟
وُلِدتُ في بيروت، وترعرعتُ في باريس، وأعيشُ بين المدينتَين اليوم. لقد صاغَ كلٌّ منهما جانباً مختلفاً من هويَّتي الإبداعيَّة، فقد علَّمتني باريس الانضباطَ، والرقي، وقوَّةَ البساطة، بينما تمنحني بيروت، من جانبها، الدفءَ، والعاطفةَ، والشعورَ العميقَ بالتراث. تُشكِّل ثقافةُ لبنان، والحِرفُ فيه مصدرَ إلهامٍ لي. أتعاونُ مع الحِرفيين بشكلٍ وثيقٍ، فهم أشخاصٌ، يحملون في أيديهم أجيالاً من المعرفةِ والحسِّ الفنِّي، وهذا الحوارُ القائمُ بين الدقَّةِ والعاطفة، وبين الهيكليَّةِ والروح، هو جوهرُ عملي، ليعكسَ أسلوبي هذه الثنائيَّةَ بشكلٍ طبيعي: أناقةُ التصميمِ الفرنسي المتشابكةِ مع أصالةِ المشرق وشاعريَّته. إنه ليس شيئاً أبنيه بوعي، إنه ببساطةٌ شخصيَّتي.
ألوان

ما فلسفتكِ تجاه الألوانِ في أعمالكِ؟
اللونُ، في نظري، هو شعورٌ، ولغةٌ، تتحدَّثُ قبل الشكلِ، أو الكلمات، وتقدرُ على تغييرِ المزاج، واستحضارِ الذكريات، أو خلقِ حضورٍ معيَّنٍ، لذا أتعاملُ مع اللونِ بحدسي، مسترشدةً بشعوري تُجاه القطعةِ الفنيَّة لا بمظهرها. ولأنني أيضاً رسَّامةٌ، فإن اللونَ، يقومُ بدورٍ أساسٍ عندي، ليس في تصاميمي فحسب، بل وأيضاً في رسوماتي ومطبوعاتي، فكلُّ لونٍ يصبحُ جزءاً من القِصَّةِ التي أرغبُ في سردها من خلال عملي، ووسيلةً للتعبيرِ عن الإيقاعِ، والتباينِ، أو الصمت. أستقي الألوانَ لأعمالي من الطبيعةِ والموادِّ، من زنجارِ المعدن، وهو التغيُّرُ الكيميائي الذي يُغطي سطحَ المعدنِ بفعلِ العوامل الجويَّة، ودفءِ الألوانِ الترابيَّة، ونعومةِ الأصباغِ الباهتة، وأعشقُ الحوارَ بين الانسجامِ والتوتُّر، والهدوءِ والطاقة. بالنسبةِ لي، اللونُ ليس مجرَّد زينةٍ، إنه يمنحُ العاطفةَ والعمقَ لكلِّ ما أبتكره.
مجموعات المصممة
حدِّثينا عن مجموعاتكِ من ورقِ الجدرانِ والطاولاتِ والمنحوتات؟
تصاميمي من ورقِ الجدرانِ مستوحاةٌ من أسفاري، أو من لحظاتٍ في الطبيعة، تركت انطباعاً قوياً في نفسي. على سبيلِ المثال، وُلِدَ تصميمُ Sonora، الذي أعددتُه لصالحِ La Maison Pierre Frey، بعد رحلةٍ إلى أريزونا. تحوَّلت الملامسُ، والألوانُ، وأجواءُ الصحراء إلى أنماطٍ تجريديَّةٍ، تروي قِصَّةً بصريَّةً. عندما أتخيَّلُ ورقَ الجدران، أفكِّرُ كيف يمكنه تحويلُ المساحةِ الداخليَّة، وحملُ العاطفةِ، والذاكرةِ، والحضورِ بدلاً من أن يكون مجرَّد زينةٍ. وفي شأن مجموعةِ طاولاتي الجانبيَّةِ Tyr، فالاسمُ يحملُ معنى شخصياً للغاية، إذ إن Tyr، أو صور بالعربيَّة، هي المدينةُ التي تنحدرُ منها عائلتي في لبنان. ولأنها سلسلتي الأولى من الطاولاتِ، أردتُ أن تحملَ اسمَ مدينتي بوصفه وسيلةً لترسيخِ هذا الفصلِ الجديدِ في شيءٍ عميقٍ وشخصي. الطاولاتُ مصنوعةٌ من الراتنج “الريزن”، وتتفاعلُ أشكالها مع الضوءِ، والشفافيَّةِ، واللون، ما يمنحها إحساساً بالحركةِ الهادئة. إنه حوارٌ بين المادةِ والذاكرة، وبين الخفَّةِ والانتماء. منحوتاتُ Clouds مصنوعةٌ من الراتنج أيضاً، وعلى غرارِ مجموعةِ الطاولات، هي تستكشفُ الماديَّةَ، والضوءَ، والعاطفةَ بطرقٍ مختلفةٍ.
للاطلاع على المقابلة في عدد ديسمبر 2025 من النسخة الديجيتال الخاصة بمجلة سيدتي اضغط(ي) هنا
الإبداعِ والتجريب والصبر
يظهرُ المُنتَجُ النهائي في أجملِ صوره، لكنْ هو يمرُّ بعديدٍ من المراحلِ قبل ذلك، هل يمكنكِ أن تشاركينا أصعبَ مرحلةٍ خلال العمليَّةِ الإبداعيَّة؟
المرحلةُ الأكثرُ تحدياً، هي تحويلُ الفكرةِ، تلك الشرارةُ العاطفيَّةُ النقيَّةُ، إلى شيءٍ ملموسٍ، ودون فقدانِ الجوهر. العمليَّةُ بحدِّ ذاتها هي حيث يحدثُ السحرُ الحقيقي. إنها تدورُ حول الإبداعِ، والتجريبِ، والصبر. الحِرفيَّةُ، تقومُ بدورٍ كبيرٍ في هذا الإطار من خلال العملِ مع حِرفيين، يدركون طبيعةَ الموادِّ، ويمكنهم ترجمةُ الفكرةِ إلى شيءٍ حي. في بعض الأحيان، يتطلَّبُ الأمرُ وقتاً، وفي أحيانٍ أخرى، يتعلَّقُ بالتخلي عن المثاليَّةِ للحفاظِ على المشاعرِ سليمةَّ. أكبرُ عقبةٍ، هي أيضاً الجزءُ الأجمل: تقبُّلُ أن القطعةَ ستتطوَّرُ، وأن لها إيقاعها الخاص. في النهايةِ، هذه الرحلةُ، من الفكرةِ إلى اللمس، هي ما يمنحُ العملَ أصالةً.
الاستدامة في التصميم
كيف تدمجين مبادئ الاستدامةِ بأعمالكِ التصميميَّة؟
تدورُ الاستدامةُ، في نظري، حول النيَّةِ، وطولِ الأمد. أعملُ بموادَّ نبيلةٍ، تشيخُ بأناقةٍ، وتحتفظُ بالزمنِ بدلاً من مقاومته. لا يتعلَّقُ الأمرُ بالتوجُّهاتِ الرائجة، وإنما بخلقِ شيءٍ ذي مغزى، ويمكن العيشُ معه، وحبُّه، وتمريره للأجيالِ القادمة. هذا ما يمنحُ القطعةَ جوهرَها.





