mena-gmtdmp

الاكتئاب الصامت بين الشباب: كيف نكتشفه؟

الاكتئاب الصامت بين الشباب
الاكتئاب الصامت بين الشباب

في مرحلة الشباب، حيث يُفترض أن تسود الطاقة والطموح وبدايات الأحلام، يختبئ أحياناً نوعٌ خطير من الاضطرابات النفسية خلف الوجوه المبتسمة والإنجازات الظاهرة، يُعرف بـالاكتئاب الصامت. هو اكتئاب لا يصرخ، ولا يطلب المساعدة بشكل مباشر، بل يتخفّى خلف الأداء الجيد، والضحكة السريعة، والعبارات المطمئنة من نوع: "أنا بخير”.

يُعدّ الاكتئاب الصامت بين الشباب من أكثر الحالات تعقيداً، لأن المصاب غالباً ما يكون قادراً على متابعة دراسته، أو عمله، أو علاقاته الاجتماعية، فيظنّ من حوله، بل ويظن هو نفسه أن ما يمرّ به مجرد ضغط عابر أو إرهاق طبيعي. غير أن الحقيقة أعمق من ذلك؛ إذ يعيش الشاب صراعاً داخلياً صامتاً، تتراكم فيه مشاعر الفراغ، وفقدان المعنى، والتعب النفسي، دون أن تجد طريقها إلى التعبير.

تكمن خطورة هذا النوع من الاكتئاب في أنه غير مرئي. فلا دموع واضحة، ولا انسحاب كامل من الحياة، بل تدهور تدريجي في المشاعر والدافعية والقدرة على الاستمتاع. ومع غياب الوعي الكافي بالصحة النفسية، كثيراً ما تُفسَّر علاماته على أنها كسل، أو تقلب مزاج، أو “مرحلة وستمرّ”، ما يؤدي إلى تأخر الاكتشاف والدعم. الاستشارية النفسية أورانيا ضاهر تشرح لـ"سيدتي" حول هذا الموضوع...

ما هو الاكتئاب الصامت؟

الاكتئاب الصامت، ويُعرف أيضاً بالاكتئاب المقنَّع أو المبتسم، هو حالة نفسية معقّدة يظهر فيها الشخص متماسكاً وطبيعياً أمام الآخرين، بينما يعاني في داخله من ألم نفسي عميق. تكمن خطورته في كونه غير مرئي؛ فلا شكوى واضحة، ولا انهيار علني، بل صمتٌ يزداد ثقلاً مع الوقت.

هذا النوع من الاكتئاب غالباً ما يمرّ من دون تشخيص أو دعم حقيقي، لأن المصاب يُتقن إخفاء معاناته خلف الابتسامة، أو النشاط الظاهري، أو أداء أدوار القوة والصلابة.

الأعراض الشائعة للاكتئاب الصامت

شعور دائم بالتعب النفسي والإرهاق دون سبب واضح

قد تتجلى هذه الحالة عبر مجموعة من المؤشرات النفسية والسلوكية، منها:

  • الانعزال الاجتماعي وتقليل التواصل حتى مع المقرّبين.
  • فقدان الشغف أو المتعة بالنشاطات التي كانت محبّبة سابقاً.
  • اضطرابات في النوم أو الشهية (زيادة أو نقصان).
  • شعور دائم بالتعب النفسي والإرهاق دون سبب واضح.
  • سيطرة أفكار سلبية متكررة حول جدوى الحياة أو فقدان المعنى.
  • تقمّص شخصية “القوي” أو “المتماسك” لإخفاء الضعف الداخلي.
  • كثرة الاعتذار عن المناسبات والانسحاب التدريجي من الحياة الاجتماعية.

ما رأيك متابعة كيفية إدارة الضغوط النفسية في مرحلة الشباب

مؤشرات إضافية لا يجب تجاهلها

هناك علامات أخرى غالباً ما تُفسَّر على أنها تعب عابر، بينما تكون في الحقيقة إشارات نفسية واضحة، مثل:

  • الأرق أو النوم المتقطّع وغير المريح.
  • زيادة السلوكيات السلبية (كالأكل العشوائي أو الإفراط في استخدام الشاشات) كوسيلة للهروب من القلق أو الفراغ.
  • آلام جسدية بلا سبب عضوي واضح (صداع، آلام عضلية، واضطرابات هضمية).
  • عصبية مفاجئة أو نوبات انفعال غير مبرّرة.
  • ضيق نفسي ونفور اجتماعي وصعوبة في التفاعل مع الآخرين.

لماذا لا يلاحظ الآخرون الاكتئاب الصامت؟

الاستشارية النفسية أورانيا ضاهر

لأن المصاب غالباً ما يؤدي دور “الشخص القوي” بإتقان، فيضحك، يعمل، وينجز، ما يجعل المحيطين به يعتقدون أنه بخير. بل أحياناً لا يعترف هو نفسه بما يمرّ به، ويقنع ذاته أن ما يشعر به مجرد إرهاق أو مزاج سيئ.

لماذا يُعدّ الاكتئاب الصامت خطيراً؟

  • لأنه يتطوّر تدريجياً دون ضجيج.
  • لأنه يخدع الشخص ومحيطه في آنٍ معاً.
  • لأن الضغط النفسي يتراكم بصمت حتى يصل إلى نقطة انهيار مفاجئة.
  • ولهذا سُمّي “صامتاً”: لا يصرخ، لكنه ينهك صاحبه من الداخل.

كيف نكتشف الاكتئاب الصامت عند شخص قريب منّا؟

المفتاح هو ملاحظة التغيّرات الصغيرة المتراكمة، مثل:

  • تغيّر في الشهية أو النوم.
  • عصبية غير معتادة.
  • انسحاب تدريجي من العلاقات.
  • فقدان الاهتمام والضحك والمشاركة.
  • في هذه الحالة، الأهم هو الاستماع دون حكم، وتجنّب عبارات التقليل أو الاتهام، واستبدال الاحتواء والتفهّم بها.

سبل الدعم والعلاج

الاكتئاب الصامت قابل للعلاج، وأولى خطوات التعافي تبدأ بـ:

  • الاعتراف بالمشكلة: من الشخص نفسه أو من محيطه.
  • الدعم النفسي الآمن: وجود شخص يُنصت دون أحكام.
  • الاستعانة بمختص نفسي عند استمرار الأعراض أو تفاقمها.
  • النشاط الجسدي: أي حركة تساعد على تحسين المزاج وتخفيف التوتر.
  • التعبير الإبداعي: كالرسم، التلوين، أو الأعمال اليدوية، لما له من أثر إيجابي على التوازن النفسي.
  • كسر العزلة تدريجياً بمساندة بيئة داعمة.
  • العلاج الدوائي عند الحاجة وتحت إشراف طبي مختص.
  • التغذية السليمة لما لها من دور مباشر في توازن النواقل العصبية وتحسين المزاج.

قد يعجبك أيضاً طرق فعالة للتخلص من الضغوط اليومية

الاكتئاب الصامت ليس كسلاً، ولا ضعفاً في الشخصية، بل وجعٌ مخفيّ يبحث عن فهمٍ واحتواء. فلنكن جزءاً من الحل: نصغي أكثر، نحكم أقل، ونشجّع طلب المساعدة بدل إنكار الألم.