يشهدُ عالمُ الموضةِ موجةً ذهبيَّةً قويَّةً، تتناغمُ مع الطابعِ المكسيمالي السائدِ تحت شعارِ More is More، إذ تجنحُ التصاميمُ اليوم نحو الجرأةِ، والضخامةِ، والقصَّاتِ المنحوتة، وتكون مصحوبةً بعودةِ الذهبِ الأصفر الكلاسيكي على شكلِ قلائدَ سميكةٍ، وأطواقٍ دائريَّةٍ، وأساورَ عريضةٍ مستوحاةٍ من الطرازَين اليوناني والمصري. كذلك يتضمَّنُ هذا الاتِّجاه القطعَ الذهبيَّةَ المستدامةَ التي تُلاقي رواجاً متزايداً. وقد تحوَّلت هذه الموضةُ، التي بدأت خجولةً في منصَّاتِ العروضِ لموسم خريفِ وشتاء 2025-2024، إلى مدٍّ عارمٍ في عروضِ ربيعِ وصيف 2025 الراقية، ومن المتوقَّعِ أن تستمرَّ للعامِ المقبل 2026، فلِمَ تسابقَ المصمِّمون على ابتكارِ فساتينَ مغمَّسةٍ بالذهب؟
أعاد افتتاحُ المتحفِ المصري الكبيرِ بكلِّ بهائه مكانةَ الذهب، فهو يرتبطُ بالقوَّةِ، والنفوذِ، بل وبالخلودِ أيضاً. وقد أفردَ المتحفُ عبر أروقته مساحةً لمعاينةِ الأزياءِ الذهبيَّة، والتوابيتِ المغمَّسةِ بالذهبِ مع المجوهراتِ الذهبيَّةِ الضخمة التي كان الفراعنةُ يتزيَّنون بها.
وتحضرُ هنا عبارةٌ، وهي «الذهبُ يلمعُ مثل نارٍ، تتوهَّجُ في الليل، وهو أسمى من الثراء»، المقتبسةُ من القصائدِ الأولمبيَّة Ode To Olympia التي تعودُ إلى نحو 518-438 قبل الميلاد، وتدلُّ على ارتباطِ الإنسانِ الوثيقِ بالذهب ومدلولاته. ولهذا المعدنِ خصائصُ أسطوريَّةٌ، فهو لا يتأثَّرُ بعواملِ المناخ، ويمكن صقلُه، ليصمدَ بريقه أمامَ تحدِّياتِ الزمن، وقد ارتبط دورُه، تاريخياً، بالأزياءِ والموضةِ منذ أن ألبسَ الشاعرُ هوميروس البطلَ «هيكتور» درعاً ذهبيَّةً في ملحمةِ «الإلياذة». كذلك جسَّد هذا المعدنُ الثمينُ المكانةَ الاجتماعيَّةَ والرمزيَّةَ للملوك، وتجلَّى ذلك في ملابسِ كهنةِ الفراعنة، ليُعاد إنتاجُه على شكلِ خيوطٍ، أو صباغٍ ذهبي، يُضفي على مَن يرتديه هالةً من العظمة، لذا استعانَ به الخيَّاطون والصاغةُ في كافةِ تصاميمهم من ملابسَ، ومجوهراتٍ، وإكسسواراتٍ. ويرتبطُ الذهبُ في ذاكرتنا بأزياءِ الفرعون الشابِّ توت عنخ آمون وملكته «1361-1352 قبل الميلاد»، وهما يرتديان أزياءً من الكتَّان المطرَّزِ بالذهب. وفي جزيرةِ كريت القديمةِ «1750-1400 قبل الميلاد»، كان الرجالُ والنساءُ الأنيقون، يرتدون أحزمةً عند الخصرِ من الذهبِ المُطعَّمِ بمعادنَ أخرى. وتُظهِرُ عيِّنةٌ من القماشِ من القرنِ الخامس، أو الرابع قبل الميلاد، أن الإغريق، ارتدوا ملابسَ مطرَّزةً بالذهب.
ما رأيك بالاطلاع على عام التحوّلات الكبرى: كيف أعاد 2025 رسم خريطة الإبداع في الموضة؟

أمَّا بالنسبةِ إلى الإمبراطوريَّةِ الرومانيَّة، فقد اعتمدَ الكثيرون في البدايةِ اللباسَ البسيط، لذا يسخرُ المفكِّرُ بترونيوس في كتابه «ساتيريكون»، نحو 60 للميلاد، من الحسناءِ «فورتوناتا» التي تنتعلُ أحذيةً مطرَّزةً بالذهب. وبعد 200 عامٍ، أصبح الترفُ مقبولاً، وصُنِعَت السترةُ ذات الكفِّ التي كان يرتديها الإمبراطورُ من الحرير الأرجواني، ونُفِّذت بتطريزٍ ذهبي غني. وعندما انتقلَ الإمبراطورُ قسطنطين من روما إلى القسطنطينيَّة عامَ 324 للميلاد، أصبحَ الذهبُ ركيزةً أساسيَّةً من ركائزِ العظمةِ الإمبراطوريَّة. وفي القرنِ الـ 14 إلى الـ 17، كان القماشُ المصنوعُ من الذهبِ مستورداً من إيطاليا إلى ملوكِ وملكاتِ أوروبا، ويتمُّ تنسيقه مع الفرو.

كان القماشُ الذهبي، أو الفضي، يُصنَعُ بلفِّ سلكٍ معدني رفيعٍ حول خيطٍ حريري، ما يجعله أكثر مرونةً للنسج، وكانت هذه الخيوطُ تُمرَّر عبر القماش، ما يمنحه لمعاناً رائعاً، ويُذكَرُ هنا أن أهلَ مدينةِ سيينا كانوا مشهورين بحبِّهم للديباجِ الذهبي الفاخر. وفي مرحلةٍ ما، هاجمَ إدوارد الثالث، ملكُ إنجلترا، «الملابسَ الفاحشة»، وحصرَ ارتداءَ قماشِ الذهب بعائلاتِ الملوك، لكنَّ هذا القماش، لم يكن مجرَّد عُرفٍ للأزياءِ الملكيَّة فحسب، بل وكان أيضاً تكريساً للمناسباتِ المهمَّةِ كما في حفلِ تتويجِ الملك ريتشارد الثالث عامَ 1483.وعموماً، يحتفي الذهبُ بإنجازاتنا البشريَّة، لذا من الطبيعي أن نراه على شكلِ تاجٍ ذهبي، أو ميداليَّةٍ، أو جائزةِ أوسكار، أو نجمةٍ ذهبيَّةٍ على رصيفِ هوليوود ، ولا ننسى أكاليلَ الغار الذهبيَّةَ اليونانيَّةَ التي يعودُ تاريخها إلى القرنَين الثالث والثاني قبل الميلاد، وهي تيجانٌ رائعةٌ من الذهبِ، والبلاتين، والألماس من تصميمِ فولكو دي فيردورا Fulco di Verdura، إلى جانبِ فستانِ ديور Dior الذي يعودُ إلى عامِ 1949، وأُطلِقَ عليه Divine Dior Junon Dress. وهناك فستانُ Egalité من ديور Dior المزيَّنُ بالريشِ والذهب من تصميمِ ماريا جراتسيا كيوري Maria Grazia Chiuri، الذي ارتدته الفنَّانةُ وكاتبةُ الأغاني آيا ناكامورا Aya Nakamura في حفلِ افتتاحِ أولمبيادِ باريس Olympic Games 2024.

سطوة الذهب بريشة Yves Saint-Laurent
عدَّت المصمِّمةُ جابرييل شانيل Gabrielle Chanel إيف سان لوران Yves Saint-Laurent خليفتَها الأبرزَ في عالمِ الموضةِ النسائيَّةِ القويَّةِ والأنيقة، لأنه عرفَ كيف يُلبِّي احتياجاتِ المرأةِ العصريَّةِ والمستقلَّةِ دون اللجوءِ إلى شخصيَّاتٍ خياليَّةٍ. وبالنسبةِ إلى المصمِّمِ إيف سان لوران، فإن جاذبيَّةَ المرأةِ لا تعتمدُ على الإسرافِ في الأزياء، بل على دمجِ تدرُّجاتِ الألوان، وبراعةِ تنسيقِ القصَّات بأسلوبٍ هادئ ومتَّزنٍ.


- أرماني بريفيه الخياطة الراقية خريف 2025 Armani Privé- الصورة من Launchmetrics/Spotlight ©
- شانيل الخياطة الراقية خريف 2025 Chanel- الصورة من Launchmetrics/Spotlight ©
- إيلي صعب الخياطة الراقية خريف 2025 Elie Saab- الصورة من Launchmetrics/Spotlight ©
- زهير مراد الخياطة الراقية خريف 2025 Zuhair Murad- الصورة من Launchmetrics/Spotlight ©
- إيلي صعب الخياطة الراقية خريف 2025 Elie Saab- الصورة من Launchmetrics/Spotlight ©
- زهير مراد الخياطة الراقية خريف 2025 Zuhair Murad- الصورة من Launchmetrics/Spotlight ©
أصابع مطلية بالذهب
ليس كلُّ ما يلمعُ ذهباً، لكنْ بعض المصمِّمين، برهنوا العكس، منهم إيف سان لوران Yves Saint-Laurent الذي كان شغوفاً به حيث نثرَ الذهبَ على الأزرارِ، والمجوهراتِ، والفساتين، والمعاطف، وكان الذهبُ سرَّ الأناقةِ الفريدةِ لتصاميمه. وفي عامِ 2023، نظَّمَ متحفُ سان لوران في باريس معرضاً، يُخلِّد شغفَ المصمِّمِ بالذهب.
عودة الأزمنة الذهبية مع Schiaparelli

كرَّمَ دانييل روزبيري Daniel Roseberry، المديرُ الإبداعي لدارِ سكياباريللي Schiaparelli، الذهبَ، فابتكرَ فستاناً باللونَين الأسودِ والذهبي لمجموعةِ خريفِ وشتاء 2021 الراقية. ولربيعِ وصيف 2021، صمَّمَ فستاناً وردياً مغمَّساً بالذهبي، كما نفَّذ على مدى الأعوامِ الأخيرة تصاميمَ ذهبيَّةً مصنوعةً يدوياً. ومن أهمِّ النجماتِ اللاتي يعشقن تصاميمَه الذهبيَّة، نذكرُ ليدي غاغا، وهي تصاميمُ، تكادُ لا تخلو مجموعةٌ له منها، وتأتي فيها بطرقٍ فنيَّةٍ مختلفةٍ.
سبائك الذهب ببصمة Paco Rabanne

استعانَ باكو رابان Paco Rabanne في نهجَه المعماري حول الملابسِ بالذهبِ والمعادنِ لإبرازِ القوَّة، واستحضارِ عناصرَ تاريخيَّةٍ مثل الدروع. الفستانُ الذهبي الشهيرُ عامَ 1968 للمغنيةِ فرانسواز هاردي Françoise Hardy، والمزخرفُ بـ 1000 لوحٍ ذهبي، و300 قيراطٍ من الألماس، جسَّد رؤيتَه المعدنيَّة. ارتدته نجماتٌ مثل جاين فوندا Jane Fonda، وأودريه هيبورن Audrey Hepburn، ليُحدِّدَ أسلوبَ «عصر الفضاء»، ويترك إرثاً دائماً في عالمِ الموضةِ الراقي.
يمكنك أيضًا الاطلاع على كيف بنى المصمم كالفن كلاين إمبراطوريته في عالم الموضة؟

عشق الباروك مع Dolce & Gabbana
يُعدُّ حبُّ دولتشي أند غابانا Dolce & Gabbana للونِ الذهبي بصمةً راسخةً للعلامة، وينبعُ من تقديرها العميقِ للثقافةِ الإيطاليَّة، والفخامةِ، والحِرفةِ التقليديَّة، إذ شكَّلَ الاستخدامُ المتواصلُ والبارزُ للذهبِ جزءاً أساسياً من هويَّتها منذ بداياتها بوصفه رمزاً للثراءِ والأناقةِ والترف. وقد استلهم المصمِّمان دومينيكو دولتشي Domenico Dolce، وستيفانو غابانا Stefano Gabbana من الإرثِ الثقافي الغني لإيطاليا، لاسيما من جمالِ الأسلوبِ الصقلي، وفترةِ الباروك، وانعكسَ هذا الإلهامُ في مجموعاتهما الأولى التي تميَّزت بعناصرَ من الذهبِ، والفضَّةِ لإضفاءِ شعورٍ بالفخامةِ والرقي.

- تصاميم معروضة في متحف إيف سان لوران Yves Saint Laurent في باريس، من مجموعة الخياطة الراقية خريف 1966- الصورة من Launchmetrics/Spotlight ©
- إيف سان لوران الخياطة الراقية خريف 2014 Yves Saint Laurent | 8- الصورة من Launchmetrics/Spotlight ©
- تصاميم معروضة في متحف إيف سان لوران Yves Saint Laurent في باريس، من مجموعة الخياطة الراقية خريف 1966- الصورة من Launchmetrics/Spotlight ©
- تصاميم معروضة في متحف إيف سان لوران Yves Saint Laurent في باريس، من مجموعة الخياطة الراقية خريف 1966- الصورة من Launchmetrics/Spotlight ©
- تصاميم معروضة في متحف إيف سان لوران Yves Saint Laurent في باريس، من مجموعة الخياطة الراقية خريف 1966- الصورة من Launchmetrics/Spotlight ©
- إيف سان لوران الخياطة الراقية خريف 2014 Yves Saint Laurent | 8- الصورة من Launchmetrics/Spotlight ©
- تصاميم معروضة في متحف إيف سان لوران Yves Saint Laurent في باريس، من مجموعة الخياطة الراقية خريف 1966- الصورة من Launchmetrics/Spotlight ©
- سكاباريللي الخياطة الراقية ربيع 2025 Schiaparelli- الصورة من Launchmetrics/Spotlight ©
- سكاباريللي الخياطة الراقية خريف 2021 Schiaparelli | 10- الصورة من Launchmetrics/Spotlight ©
- دولتشي أند غابانا الخياطة الراقية 2025 Dolce & Gabbana.
3 أسباب وراء رواج اللون الذهبي في الموضة
تأتي صيحةُ فساتينِ الذهبِ لعامِ 2025 بوصفها ظاهرةً قويَّةً مدفوعةً بالطلبِ المتزايدِ لها، وتأثيرِ وسائلِ التواصل الاجتماعي، وإقبالِ المشهوراتِ عليها. وتُؤكِّد بياناتُ بحثِ محرِّك «جوجل» وصولَ الاهتمامِ بهذه الفساتين إلى ذروته خلال الفعاليَّاتِ الكبرى، بينما تُبرِزُ وسائلُ التواصل تزايدَ تصاميمِ الذهبِ المنفَّذةِ للإطلالاتِ الرسميَّة، ويُعزِّز هذا التوجُّه الحضورُ الطاغي للذهبِ الأصفرِ لدى دورٍ عريقةٍ للمجوهرات، منها كارتييه Cartier.
ويمكن اختصارُ أسبابِ رواجِ اللونِ الذهبي بثلاثةٍ، وهي:
- - التهافتُ عليه في الأعراس والمهرجانات: تشهدُ الفساتينُ الذهبيَّةُ ذروةَ الطلبِ عليها، خاصَّةً بالنسبةِ إلى الزبونات اللاتي يضعن طلبيَّاتٍ مسبقةً للمناسباتِ المُعلنةِ عن جداولها «أي بين أواخرِ الصيفِ وأوائلِ الخريف».
- - تأثيرُ وسائل التواصل الاجتماعي: إذ تُعدُّ منصَّاتٌ مثل بينترست Pinterest أساسيَّةً في الترويجِ للفساتين الذهبيَّة، لاسيما لحفلاتِ الزفاف، والتخرُّج.
- - تأثيرُ المشاهير في إقبال الناس: تُعدُّ حفلاتُ توزيعِ الجوائز محرِّكاً رئيساً لهذا التوجُّه، إذ تُفضِّل المشهوراتُ هذه الفساتين التي ترتبطُ باللاوعي لدى الناسِ بمعاييرِ التألُّقِ والنجاح.
يمكنك متابعة الموضوع على نسخة سيدتي الديجيتال من خلال هذا الرابط

- بالمان خريف 2025 Balmain - الصورة من Launchmetrics/Spotlight ©
- جيورجيو أرماني بريفيه الخياطة الراقية خريف 2025 Giorgio Armani Privé - الصورة من Launchmetrics/Spotlight ©
- إيلي صعب خريف 2025 Elie Saab - الصورة من Launchmetrics/Spotlight ©
- روبيرتو كافاللي ربيع 2026 Roberto Cavalli - الصورة من Launchmetrics/Spotlight ©
- مايكل كورس ربيع 2026 Michael Kors - الصورة من Launchmetrics/Spotlight ©
- شانيل ربيع 2026 Chanel - الصورة من Launchmetrics/Spotlight ©
- مايكل كورس ربيع 2026 Michael Kors - الصورة من Launchmetrics/Spotlight ©
- روبيرتو كافاللي ربيع 2026 Roberto Cavalli - الصورة من Launchmetrics/Spotlight ©





