التعامل مع الطفل الذي يقول "لا" دائماً قد يكون تحدياً للآباء عموماً والأمهات على وجه الخصوص، لكنه فرصة لتعلُم المزيد عن شخصية طفلك وتوجيهه بالطريقة المناسبة لعمره؛ حيث إن التعامل مع الطفل الذي يقول "لا" باستمرار -طفلاً كان أو على أبواب المراهقة-، يتطلب الانتقال من الأسلوب المباشر إلى استراتيجيات مختلفة ومُحكمة تمنح الطفل شعوراً بالاستقلالية والسيطرة.
لمزيد من المعرفة التقينا والدكتورة محاسن المدني أستاذة طب نفس الطفل التي تشير إلى أن الربط بين عمر الطفل وطبيعة مرحلة النمو التي يعيشها الابن أو الابنة، أمر يتطلب خطة تعديل سلوك مخصصة، وبذلك تتمكنين من بناء علاقة إيجابية قائمة على التفاهم والثقة، مع تذكر أن هذه المرحلة مؤقتة.
التقرير يتضمن العديد من التوجيهات والاستراتيجيات المهمة ونصائح مدروسة للتعامل مع مرحلة "لا" للطفل والمراهق معاً.
أولاً: افهمي سبب قول الطفل "لا"
- غالباً ما تكون كلمة "لا" وسيلة من الطفل للتعبير عن رغبته في إثبات الاستقلالية لديه، أو محاولة منه للفت الانتباه.
- قد يكون الطفل يشعر بالإرهاق، الجوع، أو عدم الراحة، لهذا راقبي المواقف التي يستخدم فيها الطفل "لا" لمعرفة السبب الأساسي وراء رفضه.
- التعامل مع الطفل أو المراهق الذي يقول "لا" دائماً يتطلب الصبر، الهدوء، وتجنب الصدام المباشر معه، بل يفضل تقديم خيارات واتفاقات وحوارات مختلفة.
ثانياً: هل تختلف كلمة "لا" بين الطفل والمراهق؟

نعم تختلف جوهرياً في الدافع، الأسلوب، والهدف؛ فبينما تكون عند الطفل تعبيراً عن الاستكشاف والاستقلالية، وتكون غالباً من عمر سنتين بصوت عالٍ ومباشر.
تتحول عند المراهق إلى أداة لإثبات الهوية والتمرد، وغالباً ما تكون أكثر تعقيداً، لفظية أو ضمنية، وتعكس رغبة أكيدة في الانفصال والخصوصية.
يقولها الطفل: بعفوية ومباشرة. يقول "لا" لكل شيء تقريباً (مرحلة لا) ليرى رد فعلك. يقولها بعاطفية وقد يصاحبها بكاء، صراخ، أو رمي الألعاب، وأحياناً يقولها بعناد بتكرار الكلمة كرفض تلقائي قبل سماع الطلب.
يقولها المراهق: بتمرد منطقي ولا يقولها لمجرد الرفض، بل لإثبات استقلاليته ورفض السلطة الأبوية، قد لا تكون كلمة "لا" صريحة، بل عبر حوار ونقاش طويل ومحاولة إقناع، وأحياناً تكون "لا" صامتة عبر التجاهل، الانسحاب، أو إغلاق باب الغرفة، أو الرفض الضمني.
طرق للتعامل مع الطفل المتمرد.. من 5-11 عاماً هل تودين معرفتها؟
ثالثاً نصائح وحلول مقترحة للتعامل مع الطفل:

- قللي من استخدام "لا" واستبدليها بخيارات (مثال: "هل تريد غسل يدك أولاً أم تغيير ملابسك؟")، وناقشي الأسباب بدلاً من فرض الأوامر، وتأكدي من خروج الطفل يومياً؛ لتفريغ طاقته وتجنب العصبية، وامدحي السلوك الإيجابي بتعزيز أي استجابة إيجابية منه بابتسامة وتشجيع منك. ولا مانع من تطبيق عقد السلوك معه؛ بمعنى أن تتفقي معه على قواعد بسيطة (مثلاً: "إذا رتبت ألعابك، سنقرأ قصة") ، مع تذكر أن هذه المرحلة غالباً ما تكون مؤقتة، والتعامل بحب وثبات يساعد في تجاوزها بسلام.
- امنحي الطفل حق الاختيار، بدلاً من طرح أسئلة تنتهي بـ "نعم" أو "لا"، قدمي له خيارين كلاهما مقبول بالنسبة لك: مثال: بدلاً من "هل تريد ارتداء حذائك؟"، قل "هل تريد ارتداء الحذاء الأحمر أم الأزرق؟". هذا الأسلوب يرضي رغبة الطفل في ممارسة استقلاليته مع تحقيق الهدف المطلوب.
- حولي المهام إلى ألعاب ومرح؛ غالبية الأطفال يستجيبون للمرح أكثر من الأوامر الجافة: استخدمي التحدي: "دعنا نرى من سيجمع الألعاب أسرع، أنا أم أنت؟"، واستخدمي مؤقتاً زمنياً لجعل المهمة تبدو كمسابقة.
- قللي استخدامك لكلمة "لا"؛ هل تعلمين أن الأطفال كثيراً ما يقلدون والديهم؛ فإذا كانت "لا" هي ردك الدائم، فسيتبناها الطفل، لذلك بدلاً من قول: "لا تقفز على الأريكة"، قل "نحن نجلس على الأريكة، وإذا أردت القفز فيمكنك فعل ذلك على الأرض"، واستخدمي الإثبات بدلاً من النفي: "نعم، يمكنك أكل الحلوى بعد الانتهاء من الغداء" بدلاً من "لا حلوى قبل الغداء".
- تحلي بالهدوء وتجنب الصراخ؛ فالغضب والصراخ يزيدان من عناد الطفل ويجعلانه يكرر السلوك للفت الانتباه،
- حافظي على نبرة صوت هادئة ومنخفضة عند توجيه التعليمات، وتحدثي مع الطفل بمستوى عينيه لضمان تركيزه وفهمه للرسالة.
- احترمي وقدري مشاعر طفلك؛ الاعتراف بمشاعر الطفل يساعده على الهدوء والتعاون، قولي له: "أعلم أنك مستمتع باللعب ولا تريد التوقف، لكن حان وقت النوم الآن"، هذا يجعله يشعر بأنك تفهمينه، مما يقلل من حدة رفضه.
- عززي السلوك الإيجابي، اجعلي الثناء أداة أساسية في تربيتك؛ هيا: امدحي طفلك فوراً عندما يستجيب لطلب ما أو يظهر سلوكاً متعاوناً، أو قدمي له مكافأة السلوك الجيد، ستكون أكثر فعالية من معاقبة السلوك السيئ في المدى الطويل.
- امنحي طفلك خيارات بدلاً من الأوامر، الأطفال يشعرون بالتمكين عندما يكون لديهم حرية الاختيار ، فبدلاً من إصدار أوامر مباشرة مثل "ارتدِ ملابسك الآن"، قدمي له خيارين: "هل تفضل ارتداء القميص الأزرق أم الأحمر؟"، هذا الأسلوب يقلل من فرص الرفض لأنه يمنح الطفل شعوراً بالسيطرة.
- استخدمي عبارات إيجابية بدلاً من النهي؛ الأطفال يميلون إلى رفض الطلبات عندما يشعرون أنها تحمل طابعاً سلبياً، بدلاً من قول "لا تركض"، قولي: "لنتمشَ ببطء"، هذا التغيير في الأسلوب يوجه الطفل دون استفزازه أو دفعه للرفض.
- كوني صبورة وثابتة: التعامل مع الطفل الذي يقول "لا" يتطلب الكثير من الصبر، حاولي عدم الرد بغضب أو عصبية لأن ذلك قد يزيد من عناده، إذا قال "لا"، تذكري أن هذا جزء طبيعي من نموه ولا يدل على رفضه لكِ شخصياً،ساعديه في استخدام عبارات مثل: "أنا لا أريد هذا الآن"، أو "أنا متعب"، وهذا يعزز مهاراته في التعبير ويقلل من عناده.
- كوني قدوة إيجابية، الأطفال يتعلمون من سلوك الكبار، فإذا كنتِ ترفضين كل شيء باستمرار، قد يقلدكِ الطفل، كوني قدوة في التعامل مع الأمور بطريقة مرنة، إذا شعرتِ بالإحباط بسبب رفض طفلكِ المستمر، خذي نفساً عميقاً قبل الرد، الأطفال يستجيبون بشكل أفضل للأهل الهادئين والمستقرين عاطفياً.
- خصصي وقتاً لقضاء لحظات ممتعة مع طفلكِ، أحياناً يكون رفض الطفل نتيجة لرغبته في جذب انتباهكِ، وخصصي وقتاً للعب معه أو التحدث إليه دون إصدار أوامر.
- تجنبي الصدام المباشر وجعل الأمر معركة إرادات، الصراخ أو التهديد الدائم، الإصرار على تنفيذ الأمر في نفس اللحظة، إذا كان العناد مصحوباً بنوبات غضب شديدة ومتكررة، قد يكون من المفيد استشارة طبيب أطفال.
رابعاً: - استراتيجيات مجربة عملية للتعامل مع المراهق

التعامل مع "لا" والرفض من المراهق يتطلب تحويل الموقف من "صراع قوى" إلى فرصة لبناء الاستقلالية والمسؤولية. إليكِ أهم الاستراتيجيات التربوية للتعامل:
- افهمي دوافع الرفض: الرغبة في الاستقلال: يرى المراهق في كلمة "لا" وسيلة لإثبات ذاته وفصل شخصيته عن والديه.
- الحماية من الشعور بـ "الطفولية": كثرة الأوامر المباشرة تُشعر المراهق بأنه ما زال يُعامل كطفل، مما يدفعه للرفض التلقائي.
- حافظي على الهدوء : تجنبي الانجرار وراء الانفعالات أو الصراخ، لأن رد الفعل الغاضب يغذي التمرد.
- تعاملي مع أسلوب "تقديم الخيارات": بدلاً من إعطاء أمر مباشر، قدمي خيارين مقبولين بالنسبة لكِ. هذا يمنح المراهق شعوراً بالسيطرة والقدرة على الاختيار.
- اختاري معارككِ: لا تجعلي كل تفصيل صغير سبباً للنزاع. ركزي على القواعد الأساسية (مثل السلامة والأخلاق) وتغاضي عن الأمور البسيطة (مثل ترتيب الغرفة أحياناً).
- تفعيل العواقب بدلاً من العقاب: اتفقي معه مسبقاً على عواقب واضحة عند خرق القواعد، واجعلي هذه العواقب مرتبطة بالفعل نفسه، مثل تقييد الامتيازات (سحب الهاتف أو منع الخروج).
- بناء جسور الحوار: الاستماع الفعال: امنحيه فرصة للتعبير عن سبب رفضه دون مقاطعة أو إطلاق أحكام إشراكه في وضع القوانين: المراهق يميل للالتزام بالقواعد التي شارك في صياغتها أكثر من تلك المفروضة عليه.
- التعاطف قبل التوجيه: أظهري تفهمك لمشاعره (مثلاً: "أفهم أنك تشعر بالضيق لأنك تريد البقاء مع أصدقائك..") قبل التمسك بالقاعدة المطلوبة.






