سوق العمل شهد تغيرات جذرية السنوات الأخيرة، ويعود ذلك بالأساس إلى هيمنة الذكاء الاصطناعي، الذي غير هياكل وظيفية بالكامل، وأتاح فرص وخيارات لم تكن مطروحة من قبل.
لا يمكن حسم مدى إيجابية أو سلبية متغيرات سوق العمل، لكن ما يمكن حسمه هو أن ثمة تغييراً فرض نفسه وبات الشباب يواجهون تحديات يجب التكيف معها بسرعة، وهذه هي النقطة الفاصلة في مستقبلهم. وهنا يشير الخبراء إلى أن الحصول على شهادة جامعية لم يعد يمثل الضمانة الكافية للاستقرار الوظيفي، بل بات مجرد خطوة أولى في مسار يتطلب إعادة تأهيل الشباب بمهارات مطلوبة في السوق.
إعداد: إيمان محمد
كيف تغير سوق العمل؟
أشارت المصادر الرسمية إلى أن نماذج تأهيل الشباب واستعدادهم للسوق التي كان معمولاً بها، لم تعد كافية، والسبب هو عدة عوامل مثل:
هيمنة الذكاء الاصطناعي
وفقاً لتقرير "مؤشر اتجاهات العمل 2025" الصادر عن شركتي Microsoft وLinkedIn، فإن الذكاء الاصطناعي هو أهم تحدٍ يواجهه الشباب في سوق العمل، وذلك لأنه بات من الضروري الإلمام به وإدراج قدراته ضمن أي منظومة عمل. ووفقاً لأرقام التقرير، فإن 66% من قادة الأعمال على مستوى العالم يرفضون توظيف شباب لا يملكون مهارات التعامل مع الذكاء الاصطناعي، حتى لو كانوا يمتلكون مؤهلات أكاديمية مرموقة. أيضاً؟ 71% من المديرين قالوا وفقاً لمسح بأنهم يفضلون توظيف شباب يتمتع بمهارات تقنية عالية وخبرة أقل، على توظيف مرشح ذي خبرة واسعة يفتقر إلى المهارات الرقمية الحديثة.
المشكلة أو التحدي الراهن، هو أن الذكاء الاصطناعي نفسه في حالة تغير وتطور مستمر، ما يعني أن الشباب عليه أن يبقى في حالة تعلم مستمر لمواكبة سوق العمل.

ضغوط المعيشة وتراجع الأمان المالي
يواجه الشباب تبعات أزمات اقتصادية وسياسية عالمية، تسببت في ارتفاع تكلفة المعيشة مقابل رواتب لا تحقق الأمان المالي. وحسب استطلاع Deloitte للعام الماضي، فإن نحو 22 ألف شاب في 44 دولة، تعد تكلفة المعيشة لديهم هي الهم الأول للسنة الثالثة على التوالي. هذا الضغط دفع ما بين 30% إلى 40% من الشباب إلى ممارسة أعمال إضافية بجانب وظائفهم الأساسية لتغطية احتياجاتهم، ولكن يواجه الشباب نتيجة لذلك ما يسمى بالاحتراق الوظيفي.
ما هو الاحتراق الوظيفي؟
أدى السعي وراء الأمان المادي إلى زيادة معدلات التوتر والاحتراق النفسي المبكر. الشباب اليوم يجدون صعوبة في الفصل بين حياتهم الشخصية والمهنية، مما يجعل الاستقرار النفسي تحدياً يهدد استمراريتهم في بعض القطاعات الحيوية.
أزمة المهارات الناعمة
رغم التفوق الرقمي للشباب، إلا أن هناك فجوة متزايدة في "المهارات الناعمة". الشركات العالمية باتت تشتكي من ضعف القدرة على التواصل الإنساني الفعال، والتفكير النقدي المثمر، والذكاء العاطفي داخل فرق العمل. إن الاعتماد المفرط على الأدوات الرقمية أضعف أحياناً مهارات التفاوض وحل النزاعات وجهاً لوجه، وهي مهارات تظل حاسمة في المناصب القيادية التي لا يمكن للآلة أن تحل محل الإنسان فيها.

انعدام الحماية الاجتماعية للاقتصاد الحر
لم يعد الشباب يبحث عن وظيفة بالمعنى التقليدي، بينما كثيرون يميلون إلى الاقتصاد الحر، ولكن رغم الأعداد الكبيرة من الشباب الذين يفضلون المرونة، إلا أن هذا المسار يفتقد الحماية الاجتماعية، مثل التأمين الصحي، المعاشات التقاعدية، والحد الأدنى من الأجور المضمونة، مما يجعل مسارهم المهني عرضة للتقلبات الاقتصادية المفاجئة دون وجود شبكة أمان قانونية تحميهم.
اختلاف ثقافة العمل
الشباب يميلون إلى مفاهيم حديثة في العمل، مثل العمل عن بُعد والعمل الهجين، لأن هذه المسارات توفر حداً من المرونة، ما تسبب في نقطة صدام بين الشباب وبين الإدارات التقليدية. الشباب يعتبرون المرونة شرطاً أساسياً لقبول الوظيفة، بينما تضغط العديد من المؤسسات للعودة إلى المكاتب. هذا التباين في الثقافة التنظيمية يخلق حالة من عدم الرضا الوظيفي.
استراتيجية لمواجهة تحديات سوق العمل
إن مواجهة تحديات سوق العمل لا تتطلب فقط تطويراً تقنياً فحسب، بل تتطلب تغييراً في العقلية المهنية. ويمكن تلخيص استراتيجية المواجهة للشباب في النقاط التالية:
التعليم المتعدد
عدم الاكتفاء بالتعليم الأكاديمي والاستثمار في تعلم تقنيات الذكاء الاصطناعي بشكل تخصصي.
تنمية المرونة النفسية
إدراك أن المسار المهني لن يكون خطياً، والاستعداد للتحولات المهنية المفاجئة.
الموازنة بين المادي والنفسي
البحث عن بيئات عمل تدعم الصحة النفسية لتجنب الاحتراق الوظيفي المبكر.
وعلى الشباب أن يعرفوا أن سوق العمل تغير، وقد يتغير أكثر في السنوات المقبلة، وأهم مهارة يجب اكتسابها هي التكيف لمواكبة احتياجات السوق.
اقرئي أيضاً 4 أسرار للمرأة العاملة لترسيم الحدود والعلاقات في العمل
