وقَّعت بيان الصادق، وهي مصوِّرةٌ فوتوجرافيَّةٌ سعوديَّةٌ محترفةٌ، «الفصول»، باكورتها أخيراً. ويتَّخذُ المؤلّف هيئةَ كتابٍ مصوَّرٍ فاخرٍ «كوفي تايبل» بصفحاتٍ تتجاوزُ 260، ويُكرِّم 32 امرأةً من شبه الجزيرةِ العربيَّةِ بعدسةٍ، ترى ما وراءَ الوجوه، وكلماتٍ لا تخلو من دفءٍ باللغتَين العربيَّةِ والإنجليزيَّة. وقد استغرقَ «المشروعُ» من المصوِّرةِ أعواماً طويلةً، وهي التي درست التصويرَ في نيويورك، ثم امتهنته فيها، وفي باريس وأماكنَ عدة حول العالمِ بعد أن كان الأمرُ مجرَّد هوايةٍ. مفرحٌ تصفُّحُ الكتاب، ورؤيةُ المرأةِ الخليجيَّةِ فيه خلفَ العدسةِ وأمامها، وتأمُّلُ الصورِ التي تأتي في غالبيَّتها بالأسودِ والأبيض، وقراءةُ قصصِ نجاحٍ، تُثبِت أن تحقيقَ الأحلامِ ممكنٌ مهما صعُبت الدروب.
حوار: نسرين حمود
بيان الصادق

مباركٌ صدورُ الكتاب، ما كان شعورُكِ عندما تسلَّمتِ النسخةِ الأولى منه؟
شكراً جزيلاً. كان شعوري ببساطة وكأنَّني أحقِّقُ الحلمَ الذي بدأ لدي بفكرةٍ، راودت ذهني، ثم مع الإمساك بالكتابِ بيدي، رأيته واقعاً ملموساً. هذا إحساسٌ جميلٌ جداً لا يُوصف. أحمد الله على تيسيرِ هذه الرحلة، وتحقيقِ هذا الحلمِ على الرغمِ من كلِّ التحدِّياتِ والصعوباتِ التي مرَّ بها الطريق.
في المقارنةِ بين صورِ الهواةِ والمحترفين، هل يتعلَّقُ الأمرُ بـ «التكنيك»، أم أن العينَ تُصبح مُدرَّبةً على التقاطِ ما وراءَ الوجوه في الحالةِ الثانية؟
التصويرُ فنٌّ. صحيحٌ أن بعض الأشخاصِ يمتلكون موهبةً فطريَّةً، لكنَّ التدريبَ، والقراءةَ، والدراسة كلّها عناصرُ ضروريةٌ، تصقلُ هذه الموهبة، وتُحوِّلها إلى احترافٍ. في النهايةِ، المصوِّرُ لا يلتقطُ الصورَ فحسب، بل ويُشاركنا أيضاً كيف يرى العالمَ بعينه، ويجعلنا نرى الأشياءَ بطريقةٍ مختلفةٍ.

كم كان تأثيرُ والديكِ قوياً في تقويةِ الجانبِ الفنِّي بشخصيَّتكِ؟
نشأتُ في بيئةٍ تُقدِّر الفنَّ، فوالداي درساه، وكان لديهما وعي عالٍ، وحسٌّ فنِّي واضحٌ. هذا الجوُّ أثَّر إيجاباً فيَّ خلال الصغرِ سواء بالتشجيعِ، أو عبر ما شاركاني به من خبرتهما ونظرتهما. لقد جعلَ هذا الدعمُ الفنَّ جزءاً طبيعياً من حياتي، وساعدني في الاستمرارِ بالتصوير، وتطويرِ نفسي فيه، ليُصبح مساراً جاداً في حياتي.
ما نظرتُكِ إلى مشهدِ التصويرِ الاحترافي في السعوديَّةِ بشكلٍ عامٍّ؟
مشهدُ التصويرِ الاحترافي في السعوديَّةِ، اليوم، داعمٌ ومُشجِّعٌ جداً. هناك عددٌ كبيرٌ من المصوِّرين السعوديين الموهوبين الذين يمكن وصفهم بالفنَّانين بحقٍّ، ويُؤكِّد ذلك معاينةُ أعمالٍ مميَّزةٍ تعكسُ هذا التطوَّر. كذلك تُقدِّم الدولة دعماً واضحاً لهذا المجالِ من خلال الهيئاتِ الثقافيَّة، والمبادراتِ، والمسابقاتِ، والبرامجِ المختلفة التي تُشجِّع المبدعين، وتفتحُ لهم فرصاً أكبر للتطوُّرِ والظهور.
ما رأيك بقراءة هذا الحوار مع المصور السعودي عمر النهدي

في كتابِ «الفصول»، كرَّمتِ بعدستكِ نساءً ألهمنكِ من شبه الجزيرةِ العربيَّة، كيف تعكسُ عدستُكِ التحوُّلَ الذي تعيشه المرأةُ السعوديَّةُ تحديداً اليوم؟
حاولتُ عبر عدستي أن أوثِّقَ حضورَ المرأةِ السعوديَّةِ اليوم، وما تحمله من طموحٍ وتأثيرٍ. من خلال كتابِ «الفصول»، أردتُ أن أحتفي بنساءٍ ملهماتٍ، وأن أُبرِزَ قصصَ القوَّةِ، والطموحِ، والإصرارِ التي تقفُ خلفَ كلِّ واحدةٍ منهن. بالنسبةِ إلي، الصورةُ وسيلةٌ للاحتفاءِ بنماذجَ نسائيَّةٍ مميَّزةٍ، تعكسُ ما تملكه المرأةُ في السعوديَّةِ والمنطقةِ بشكلٍ عامٍّ من قدراتٍ وإلهامٍ.
«ما يمنح الصورة قيمتها الحقيقية هو العين التي تراها والروح التي تقف خلفها»

لفتني أن بعض النساءِ المكرَّماتِ في مقتبلِ العمر، لم تخلُ رحلتهن العمليَّةُ من المصاعب، ماذا عن مصاعبِ رحلتكِ في عالمِ التصوير، وفي هذا الكتابِ؟
كلُّ رحلةٍ إبداعيَّةٍ لا تخلو من التحدِّيات، ورحلتي لم تكن استثناءً. في عالمِ التصوير، واجهتُ عديداً من الصعوباتِ سواء في بناءِ مساري المهني، أو تنفيذِ مشروعٍ مثل كتابِ «الفصول»، إذ استغرقَ مني أعواماً من التخطيطِ والعمل.
خلال هذه الرحلةِ كانت هناك تحدِّياتٌ، أعادت سيرَ العمل أكثر من مرَّةً مثل تنسيقِ التصويرِ مع هذا العددِ من الشخصيَّات، والتنقُّلِ بين أماكنَ مختلفةٍ، إضافةً إلى تفاصيلِ الإنتاجِ، والطباعةِ، والتصميم حتى يظهر الكتابُ بالشكل الذي كنت أتخيَّله. مع ذلك، هذه التجربةُ كانت غنيَّةً بالدروس، وتعلَّمتُ منها الكثير على المستويين المهني والشخصي، وكانت جزءاً مهماً من الرحلةِ حتى وصلَ المشروعُ إلى الشكلِ الذي ترونه اليوم.
في إطار التعاضدِ النسائي، لاحظتُ أنكِ سلَّطتِ الضوءَ في كتابكِ أيضاً على مصوِّراتٍ من جيلكِ، هل يعني هذا أن المنافسةَ غير موجودةٍ في عالمِ التصوير الفوتوجرافي، وإنما «ستايلٌ» خاصٌّ بكلِّ مَن يقفُ خلفَ العدسة؟
أؤمنُ بأن القمَّةَ تتَّسعُ للجميع، ليس في مجالِ التصويرِ فقط، بل وفي كلِّ المجالاتِ أيضاً، خاصَّةً في الفن، إذ إن كلَّ شخصٍ له بصمتُه وأسلوبُه الخاص. كذلك تعلَّمتُ من والدتي (منى آل سيف، مهندسةُ ديكورٍ) بأننا حتى لو حاولنا تعليمَ شخصٍ طريقتنا نفسها، لن يتمكَّن من تكرارها تماماً، لأن الفنَّ في النهايةِ تعبيرٌ شخصي، لذا أرى أن تنوُّعَ الأساليبِ والرؤى، هو ما يجعلُ هذا المجالَ أكثر جمالاً وثراءً سواء بين المصوِّرين، أو في أي مجالٍ إبداعي آخر.
يمكنك أيضًا التعرف على الفنان التشكيلي والمصور الفوتوغرافي السعودي محمد الفرج

التعريفُ بكلِّ امرأةٍ في الكتابِ لا يخلو من دفءٍ، ويُبرِزُ معرفتكِ بها، أو تقديركِ لها، إلى أي حدٍّ تُؤثِّر العلاقةُ بالشخصيَّةِ في نجاحِ البورتريه؟
تُضيف العلاقةُ الإنسانيَّةُ عمقاً مختلفاً للصورة. عندما يكون هناك تقديرٌ حقيقي، أو معرفةٌ بالشخصيَّةِ أمامَ العدسة، ينعكسُ ذلك بشكلٍ طبيعي في الصورة، ويمنحها صدقاً ودفئاً أكبر. أرى أن الصورةَ لا تتعلَّقُ بالشكلِ فقط، بل وأيضاً بالإحساسِ الذي تحمله، والقِصَّةِ التي تعكسها عن الشخصِ أمامَ العدسة، وهذا ما يجعلها أكثر حياةً وتأثيراً. كذلك استمتعت كثيراً بالتعرُّفِ إلى هذه الشخصيَّات، والاستماعِ إلى قصصهن، والتعلُّمِ من تجاربهن، بل إن بعضهن أصبحن صديقاتٍ لي. الجلوسُ مع هذا العددِ من الشخصيَّاتِ الملهمة، والاستماعُ إلى رحلاتهن بحدِّ ذاته من أجمل ما خرجتُ به من هذه التجربة.
في زمنٍ تُولَّد فيه الصورُ بالذكاءِ الاصطناعي، هل تعتقدين أن مهنتكِ في خطرٍ؟
لا أرى أن الذكاءَ الاصطناعي يُشكِّل خطراً على التصويرِ بقدر ما هو مرحلةٌ جديدةٌ في عالمِ الصورة. الصورةُ التي تُصنَع بالذكاءِ الاصطناعي قد تكون مذهلةً بصرياً، لكنَّها تظلُّ مختلفةً عن الصورةِ التي يُولِّدها المصوِّرُ من خلال تجربته، ورؤيته، وعلاقته باللحظةِ، وبالإنسانِ أمامَ العدسة. التصويرُ في جوهره ليس مجرَّد إنتاجِ صورةٍ، إنه رؤيةٌ، وإحساسٌ، وتفاعلٌ، وتجربةٌ إنسانيَّةٌ، لذا أعتقدُ أن ما يمنحُ الصورةَ قيمتها الحقيقيَّة، هو العينُ التي تراها، والروحُ التي تقفُ خلفها.
يمكنك متابعة الموضوع على نسخة سيدتي الديجيتال من خلال هذا الرابط

