يُعدّ اضطراب طيف التوحد من الحالات النمائية المعقدة التي تؤثر على طريقة تفاعل الفرد مع العالم من حوله، سواء من حيث التواصل أو السلوك أو الإدراك، إلا أن الملاحَظ في السنوات الأخيرة أن التوحد عند البنات يختلف في كثير من جوانبه عن التوحد عند الأولاد، وهو ما يجعل اكتشافه أكثر صعوبة وتأخراً في العديد من الحالات، الأمر الذي قد يحرم الطفلة من التدخل المبكر الذي يُعدّ عاملاً أساسياً في تحسين مهاراتها وجودة حياتها على المدى الطويل، ولذلك فإن فهم أسباب صعوبة اكتشاف التوحد عند البنات يُعدّ خطوة مهمة نحو زيادة الوعي وتقديم الدعم المناسب لهن في الوقت المناسب.
إن صعوبة اكتشاف التوحد عند البنات لا تعني بالضرورة أن الحالة نادرة أو أقل أهمية، بل تعكس تعقيداً أكبر في طريقة ظهور الأعراض والتفاعل معها، وهو ما يتطلب وعياً أعمق وفهماً أكثر شمولاً من قبل الأسرة والمجتمع والاختصاصيين.
أولاً: الفروق الأساسية بين التوحد عند البنات والأولاد

عند الحديث عن التوحد، غالباً ما تتبادر إلى الذهن صورة نمطية ترتبط بالأولاد، حيث تشير الدراسات إلى ما يلي:
نسبة تشخيص التوحد لدى الذكور أعلى بكثير من الإناث، إلا أن هذا لا يعني بالضرورة أن التوحد أقل انتشاراً بين البنات، بل قد يكون السبب الحقيقي هو صعوبة اكتشافه لديهن بسبب اختلاف الأعراض وطريقة التعبير عنها.
البنات المصابات بالتوحد غالباً ما يُظهرن سلوكيات أقل وضوحاً أو حدة مقارنة بالأولاد، كما أنهن يمتلكن قدرة أكبر على التكيف الظاهري مع البيئة الاجتماعية، مما يجعل الأعراض تمر دون ملاحظة واضحة، خاصة في المراحل المبكرة من العمر، حيث قد تبدو الطفلة هادئة أو خجولة فقط، دون أن يُنظر إلى سلوكها كعلامة على اضطراب نمائي.
ثانياً: القدرة على “التقليد الاجتماعي” وإخفاء الأعراض
من أبرز الأسباب التي تجعل اكتشاف التوحد عند البنات أكثر صعوبة هو ما يُعرف بظاهرة “التمويه الاجتماعي” أو “التقليد الاجتماعي”، حيث تقوم الطفلة بمراقبة سلوك الآخرين وتقليده بشكل واعٍ أو غير واعٍ، بهدف الاندماج وتجنب الشعور بالاختلاف، فقد تلاحظ الطفلة كيف تتحدث زميلاتها، أو كيف يتفاعلن في المواقف الاجتماعية، وتحاول تقليد ذلك السلوك حتى لو لم تفهمه بشكل عميق، وهو ما يعطي انطباعاً بأنها طبيعية اجتماعياً، بينما في الواقع تبذل جهداً كبيراً للحفاظ على هذا التوازن، مما قد يؤدي إلى إرهاق نفسي داخلي لا يظهر للآخرين.
ثالثاً: اختلاف الاهتمامات الخاصة عند البنات
من السمات الشائعة للتوحد وجود اهتمامات محدودة أو متكررة، إلا أن طبيعة هذه الاهتمامات تختلف بين الأولاد والبنات، وهو ما يساهم في صعوبة اكتشاف الحالة، فبينما قد يميل الأولاد إلى اهتمامات واضحة مثل الأرقام أو القطارات أو الأجهزة، فإن البنات قد يُظهرن اهتمامات تبدو “طبيعية” اجتماعياً مثل حب الحيوانات أو القصص أو الشخصيات الخيالية، لكنها تكون مكثفة جداً أو تأخذ حيزاً كبيراً من تفكيرهن، وهو ما قد لا يُلاحظ بسهولة كعرض من أعراض التوحد.
رابعاً: المهارات اللغوية الأفضل نسبياً

في كثير من الحالات، تتمتع البنات المصابات بالتوحد بمهارات لغوية أفضل مقارنة بالأولاد، خاصة في المراحل المبكرة، حيث قد يتحدثن بطلاقة ويستخدمن مفردات جيدة، مما يجعل الأهل أو المعلمين يعتقدون أن الطفلة لا تعاني من أي مشكلة، إلا أن المشكلة قد تكمن في جانب آخر من التواصل، مثل صعوبة فهم الإشارات غير اللفظية أو التعبير عن المشاعر بشكل مناسب، وهي أمور قد لا تكون واضحة بسهولة، خاصة إذا كانت الطفلة قادرة على التحدث بشكل جيد.
خامساً: التفسير الخاطئ للسلوكيات
غالباً ما يتم تفسير سلوكيات البنات المصابات بالتوحد بشكل مختلف، حيث قد تُنسب إلى صفات شخصية مثل الخجل عند البنات أو الحساسية الزائدة أو الانطوائية، بدلاً من النظر إليها كعلامات محتملة على اضطراب نمائي، فعلى سبيل المثال، قد تُوصف الطفلة بأنها “هادئة جداً” أو “تحب الجلوس وحدها”، دون الانتباه إلى أن هذا السلوك قد يكون ناتجاً عن صعوبة في التفاعل الاجتماعي أو فهم العلاقات، وهو ما يؤدي إلى تأخر التشخيص.
سادساً: الضغوط الاجتماعية والتوقعات الثقافية
تلعب العوامل الاجتماعية والثقافية دوراً مهماً في صعوبة اكتشاف التوحد عند البنات، حيث يُتوقع من الفتيات في كثير من المجتمعات أن يكنّ أكثر هدوءاً وتنظيماً والتزاماً بالقواعد، وهو ما قد يتوافق ظاهرياً مع بعض سمات التوحد، وبالتالي، قد لا يُنظر إلى هذه السلوكيات على أنها غير طبيعية، بل قد تُعتبر سلوكيات مرغوبة، مما يقلل من احتمال ملاحظة المشكلة في وقت مبكر.
سابعاً: قلة الوعي العلمي بالتوحد عند البنات

على الرغم من التقدم الكبير في فهم أنواع اضطراب طيف التوحد، إلا أن معظم الدراسات والأدوات التشخيصية تم تطويرها بناءً على ملاحظات لحالات لدى الذكور، وهو ما يجعلها أقل دقة عند تطبيقها على الإناث.
وهذا يعني أن العديد من البنات قد لا يستوفين المعايير التقليدية للتشخيص، رغم أنهن يعانين فعلياً من التوحد، مما يؤدي إلى تجاهل حالتهن أو تشخيصها بشكل خاطئ.
ثامناً: التشخيص المتأخر أو الخاطئ
بسبب العوامل السابقة، غالباً ما يتم تشخيص التوحد عند البنات في سن الطفولة متأخراً، أو قد يتم تشخيصه كحالة أخرى مثل القلق أو الاكتئاب أو اضطرابات الانتباه، خاصة في مرحلة المراهقة، وهذا التأخر في التشخيص قد يؤدي إلى تراكم التحديات النفسية والاجتماعية، حيث تجد الطفلة نفسها غير قادرة على فهم ما يحدث لها، أو التعبير عن احتياجاتها بشكل صحيح، مما يؤثر على ثقتها بنفسها وعلاقاتها مع الآخرين.
تاسعاً: التأثيرات النفسية لعدم الاكتشاف المبكر
إن عدم اكتشاف التوحد في وقت مبكر قد يترك آثاراً نفسية عميقة على الفتاة، حيث قد تشعر بالاختلاف دون أن تفهم السبب، وقد تواجه صعوبة في تكوين صداقات أو الحفاظ عليها، مما يؤدي إلى الشعور بالعزلة، كما أن الجهد المستمر لمحاولة التكيف مع الآخرين قد يؤدي إلى التوتر والضغط النفسي عند البنات، وقد تظهر أعراض القلق أو التوتر بشكل متزايد، خاصة مع التقدم في العمر وزيادة التعقيدات الاجتماعية.
عاشراً: أهمية الانتباه المبكر والعلامات الدقيقة

رغم صعوبة اكتشاف التوحد عند الفتيات، إلا أن هناك بعض العلامات الدقيقة التي يمكن الانتباه لها، مثل صعوبة فهم العلاقات الاجتماعية، أو التمسك بروتين معين بشكل واضح، أو الحساسية الزائدة للأصوات أو اللمس، أو الاهتمامات المكثفة بشكل غير معتاد، كما أن ملاحظة الجهد الكبير الذي تبذله الطفلة للتفاعل مع الآخرين قد يكون مؤشراً مهماً، حتى لو بدا سلوكها طبيعياً في الظاهر.
الحادي عشر: دور الأسرة في الملاحظة والدعم
تلعب الأسرة دوراً محورياً في اكتشاف التوحد عند البنات، حيث إن الأهل هم الأكثر قدرة على ملاحظة التغيرات الدقيقة في سلوك الطفلة، خاصة في البيئات المختلفة، ومن المهم أن يتعامل الأهل مع أي شكوك بجدية، وأن يسعوا للحصول على تقييم متخصص عند الحاجة، بدلاً من تجاهل الأمر أو تأجيله، لأن التدخل المبكر يمكن أن يُحدث فرقاً كبيراً في حياة الطفلة.
الثاني عشر: دور المدرسة والمجتمع
لا يقتصر دور الاكتشاف على الأسرة فقط، بل يشمل أيضاً المدرسة والمجتمع، حيث يمكن للمعلمين ملاحظة سلوك الطفلة في بيئة جماعية، وهو ما قد يكشف عن صعوبات لا تظهر في المنزل. ومن ثم تقديم الدعم المناسب الذي يساعد الفتاة على تطوير مهارات البنت والاندماج في المجتمع بثقة وراحة أكبر، لأن كل طفلة تستحق أن تُفهم وتُدعم وتُمنح الفرصة الكاملة لتحقيق إمكاناتها.
كما أن زيادة الوعي المجتمعي حول التوحد عند البنات يمكن أن يساعد في تقليل التشخيص الخاطئ، وتوفير بيئة أكثر تفهماً ودعماً لاحتياجاتهن.
كيف يختلف مرض التوحد من طفل لآخر؟

