يعد التعامل مع المراهق المصاب بالتوحد تجربة إنسانية وتربوية عميقة؛ تتطلب قدراً كبيراً من الوعي والصبر والفهم، إذ لا يمر هذا المراهق بمرحلة المراهقة التقليدية فقط، بل يعيش أيضاً تحديات إضافية مرتبطة باضطراب طيف التوحد، مما يجعل احتياجاته النفسية والاجتماعية والسلوكية أكثر تعقيداً، وفي الوقت ذاته أكثر حساسية لأي أسلوب تعامل غير مدروس، لذلك فإن بناء علاقة صحية ومتوازنة معه لا يعتمد على القواعد الصارمة بقدر ما يعتمد على فهم عالمه الخاص، ومحاولة الدخول إليه بلطف واحترام.
في بداية الأمر، من المهم أن ندرك أن المراهق المصاب بالتوحد لا يتعمد السلوكيات التي قد تبدو غريبة أو صعبة، بل هي في الغالب وسيلته للتعبير عن مشاعره أو استجابته لمثيرات قد تكون مُربكة له، مثل الضوضاء أو التغيرات المفاجئة أو التفاعل الاجتماعي المكثف، لذلك فإن أول خطوة في معاملته بشكل صحيح هي تقبل طبيعته كما هي، وعدم مقارنته بغيره من المراهقين؛ لأن المقارنة تخلق ضغطاً نفسياً عليه وعلى الأسرة، وتؤدي إلى شعوره بعدم الكفاية أو الفشل.
أبرز الأسس في التعامل مع المراهق المصاب بالتوحد:
قومي ببناء روتين يومي واضح

من أبرز الأسس في التعامل معه، هو بناء روتين يومي واضح وثابت قدر الإمكان؛ لأن المراهق المصاب بالتوحد يشعر بالأمان عندما يعرف ما الذي سيحدث لاحقاً، فالغموض والتغيرات المفاجئة قد تسبب له قلقاً شديداً أو نوبات غضب للمراهق، لذلك يُنصح بوضع جدول يومي بسيط يوضح أوقات النوم، والدراسة، والأنشطة، والراحة، مع محاولة الالتزام به، وإذا كان هناك تغيير ضروري في الروتين، فمن الأفضل إبلاغه مسبقاً وبطريقة واضحة؛ حتى يتمكن من التكيف تدريجياً.
تواصلي معه بلغة بسيطة
أما من ناحية التواصل، فإن استخدام لغة بسيطة ومباشرة يعد أمراً أساسياً؛ إذ يواجه بعض المراهقين المصابين بالتوحد صعوبة في فهم التلميحات أو العبارات المجازية، لذلك من الأفضل أن تكون الرسائل واضحة ومحددة، مثل قول: "نحتاج أن نغلق التلفاز الآن ونذهب للنوم"، بدلاً من عبارات عامة مثل: "لقد تأخر الوقت"، كما يُفضل دعم الكلام بالإشارات البصرية أو الجداول المصورة؛ إذا كان ذلك يساعده على الفهم بشكل أفضل.
تعاطفي مع مشاعره
ولا يمكن إغفال أهمية التعاطف في التعامل معه، فالمراهق المصاب بالتوحد قد يعاني من صعوبة في التعبير عن مشاعره، لكنه يشعر بها بعمق، وقد يتعرض للإحباط أو القلق أو حتى الوحدة، لذلك فإن الاستماع له من دون حكم، ومحاولة فهم ما يزعجه؛ يمنحه شعوراً بالأمان والانتماء، ويعزز ثقته بنفسه وبمن حوله.
تعرفي على أخطاء تربوية تدفع المراهق إلى التمرُّد: كيف تتحول النيّة الحسنة إلى سبب للمواجهة؟
الأنشطة التي تناسب المراهق المصاب بالتوحد

عند الحديث عن الأنشطة التي تناسب المراهق المصاب بالتوحد، فإن الأمر يعتمد بشكل كبير على اهتماماته وقدراته؛ إذ يميل الكثير منهم إلى الاهتمامات المحددة والعميقة؛ مثل الاهتمام بالقطارات، أو الأرقام، أو الرسم، أو التكنولوجيا، ومن المهم استثمار هذه الاهتمامات بدلاً من محاربتها؛ لأنها يمكن أن تكون مدخلاً لتنمية مهاراته وتعزيز تفاعله مع العالم.
أولاً: الأنشطة الفنية والتعبيرية (الرسم، التلوين، الأشغال اليدوية)
تُعد الأنشطة الفنية من أكثر الأنشطة ملاءمة للمراهق المصاب بالتوحد؛ لأنها تتيح له مساحة آمنة للتعبير عن مشاعره من دون الحاجة إلى كلمات قد يجد صعوبة في استخدامها، فالرسم والتلوين يمكن أن يكونا وسيلة لتفريغ القلق أو التوتر، كما أن التعامل مع الألوان والخامات المختلفة يمنحه شعوراً بالهدوء والتركيز، خاصة إذا تم توفير بيئة خالية من الضوضاء، ويمكن للأهل تشجيعه على رسم ما يشعر به أو ما يثير اهتمامه، من دون فرض قواعد صارمة؛ لأن الحرية في التعبير عند المراهق هي الأساس في هذا النوع من الأنشطة، كما يمكن إدخال الأشغال اليدوية؛ مثل تشكيل الصلصال أو صنع مجسمات بسيطة، والتي تساعد أيضاً على تطوير المهارات الحركية الدقيقة، وتعزيز الإحساس بالإنجاز.
ثانياً: الأنشطة الحركية المنظمة (السباحة، المشي، ركوب الدراجة)
الحركة ليست فقط وسيلة للحفاظ على الصحة الجسدية للمراهق، بل هي أيضاً أداة فعالة لتنظيم الحواس لدى المراهق المصاب بالتوحد؛ إذ تساعد الأنشطة الحركية على تقليل التوتر وتحسين المزاج، خاصة إذا كانت تتم بشكل منتظم وفي بيئة مريحة، فالسباحة على سبيل المثال توفر إحساساً بالضغط المتوازن على الجسم، مما يُسهم في تهدئة الجهاز العصبي، كما أن المشي في أماكن هادئة، مثل الحدائق، يمنحه فرصة للاسترخاء والتأمل بعيداً عن الضوضاء، أما ركوب الدراجة فيساعد على تحسين التوازن والتركيز، ومن المهم في هذه الأنشطة أن يتم تقديمها بشكل تدريجي، مع مراعاة عدم إجباره إذا أبدى مقاومة، بل تشجيعه بلطف، وربط النشاط بشيء يحبه.
ثالثاً: الأنشطة القائمة على الاهتمامات الخاصة
يميل الكثير من المراهقين المصابين بالتوحد إلى امتلاك اهتمامات محددة وعميقة؛ مثل الأرقام، أو القطارات، أو الفضاء، أو الألعاب الإلكترونية، وهذه الاهتمامات ليست عائقاً كما يظن البعض، بل يمكن أن تكون مفتاحاً مهماً للتعلم والتطور، فعلى سبيل المثال: إذا كان المراهق مهتماً بالأرقام؛ فيمكن تقديم أنشطة رياضية ممتعة أو ألعاب تعتمد على الحساب، وإذا كان يحب التكنولوجيا؛ فيمكن إدخاله إلى عالم البرمجة البسيطة أو تصميم الألعاب، مما يعزز مهارات التفكير المنطقي والتركيز، كما أن استثمار هذه الاهتمامات يمنحه شعوراً بالثقة، ويشجعه على التفاعل بشكل أكبر مع محيطه.
رابعاً: الألعاب التركيبية والبناء (مثل المكعبات والألغاز)
تُعتبر الألعاب التي تعتمد على التركيب والبناء من الأنشطة المفيدة جداً؛ لأنها تساعد على تنمية مهارات التفكير المنطقي وحل المشكلات، كما تعزز القدرة على التركيز والانتباه، فالألغاز (Puzzle) على سبيل المثال تتطلب صبراً ومحاولة متكررة، مما يدربه على المثابرة، أما ألعاب البناء مثل المكعبات؛ فتمنحه فرصة للإبداع والتخطيط، ويمكن للأهل المشاركة معه في هذه الأنشطة بشكل تدريجي، مما يفتح باباً للتفاعل الاجتماعي بطريقة غير مباشرة، ويجعله يشعر بالراحة أثناء التواصل.
خامساً: الأنشطة الاجتماعية الموجهة (التفاعل التدريجي مع الآخرين)
رغم أن التفاعل الاجتماعي قد يكون تحدياً للمراهق المصاب بالتوحد، إلا أنه لا يمكن تجاهله، بل يجب تدريبه عليه بطريقة تدريجية ومدروسة، ويمكن أن يبدأ ذلك من خلال أنشطة بسيطة مع شخص واحد فقط؛ مثل اللعب أو مشاهدة فيلم مع أحد أفراد الأسرة، ثم الانتقال تدريجياً إلى مجموعات صغيرة، كما يمكن استخدام ألعاب جماعية بسيطة تعتمد على الأدوار، مما يساعده على فهم قواعد التفاعل الاجتماعي، ومن المهم في هذه الأنشطة تقديم الدعم والتوجيه من دون ضغط، مع تعزيز أي محاولة إيجابية يقوم بها، حتى لو كانت بسيطة.
سادساً: الأنشطة الموسيقية (الاستماع أو العزف)
للموسيقى تأثير عميق على الحالة النفسية للمراهق، وقد تكون وسيلة فعالة لتهدئة المراهق المصاب بالتوحد أو تحفيزه، فبعضهم يستجيب بشكل كبير للأصوات والإيقاعات، ويمكن استخدام الموسيقى كوسيلة لتنظيم المشاعر أو تحسين التركيز، سواء من خلال الاستماع إلى مقاطع هادئة، أو تجربة العزف على آلات بسيطة؛ مثل الطبول أو البيانو، كما يمكن دمج الموسيقى مع الحركة؛ مثل الرقص الحر أو التمارين الإيقاعية، مما يساعد على تفريغ الطاقة بطريقة ممتعة، ولكن يجب الانتباه إلى اختيار أصوات غير مزعجة؛ لأن بعض المراهقين قد يكونون حساسين جداً للضوضاء.
سابعاً: الأنشطة الحياتية اليومية (المهارات الاستقلالية)
قد لا تبدو هذه الأنشطة ممتعة في ظاهرها، لكنها من أهم ما يمكن تقديمه للمراهق المصاب بالتوحد؛ لأنها تساعده على بناء استقلاليته وثقته بنفسه؛ مثل تعلم إعداد وجبة بسيطة، أو ترتيب غرفته، أو تنظيم أغراضه، ويمكن تحويل هذه الأنشطة إلى تجربة ممتعة؛ من خلال تقسيمها إلى خطوات صغيرة واستخدام التعزيز الإيجابي عند كل إنجاز، كما يمكن استخدام الجداول المصورة أو التعليمات البسيطة لمساعدته على الفهم، ومع الوقت سيشعر بالفخر بقدرته على الاعتماد على نفسه، وهو أمر بالغ الأهمية في هذه المرحلة العمرية.
كيف أجعل ابني المراهق المصاب بالتوحد يتقبل كلمة لا؟
أما فيما يتعلق بتعليم المراهق المصاب بالتوحد كيفية تقبل كلمة "لا"، فهي من أكثر التحديات التي تواجه الأهل؛ لأن الرفض قد يكون صعباً عليه، خاصة إذا كان مرتبطاً بروتينه أو اهتماماته، ولذلك فإن طريقة قول "لا" تلعب دوراً حاسماً في تقبّله لها، وتكون كالآتي:
لتكن كلمتك واضحة
من المهم أولاً أن تكون كلمة "لا" واضحة وثابتة، من دون تردد أو تناقض؛ لأن التردد قد يربكه ويجعله يحاول التفاوض أو الإصرار، كما يُفضل أن تكون مصحوبة بسبب بسيط ومفهوم، مثل: "لا يمكننا الذهاب الآن لأن الوقت متأخر"، فهذا يساعده على فهم المنطق وراء القرار.
كما أن تقديم بديل يُعد من أفضل الأساليب، فبدلاً من الاكتفاء بالرفض، يمكن اقتراح خيار آخر؛ مثل: "لا يمكن مشاهدة التلفاز الآن، لكن يمكنك اللعب بلعبتك المفضلة"، وهذا يقلل من شعور المراهق بالإحباط ويوجهه نحو سلوك مقبول.
استخدمي أسلوب التهدئة
من المفيد أيضاً استخدام أسلوب التهيئة المسبقة؛ أي إخباره مسبقاً بما هو مسموح وما هو غير مسموح، لتجنب الصدمة أو الرفض المفاجئ، مثل: "سنلعب لمدة نصف ساعة فقط، ثم سنتوقف"، وبذلك يكون مستعداً نفسياً لتقبل انتهاء النشاط.
وفي حال حدوث نوبة غضب عند المراهق نتيجة رفض طلب ما، من المهم التعامل معها بهدوء، من دون صراخ أو عقاب قاسٍ؛ لأن ذلك قد يزيد من التوتر، بل يُفضل الانتظار حتى يهدأ، ثم التحدث معه بلطف حول ما حدث، وتعليمه تدريجياً كيفية التعبير عن رفضه أو إحباطه بطريقة مناسبة.
قومي بالثناء عليه
من الجوانب المهمة أيضاً تعزيز السلوك الإيجابي، فعندما يتقبل كلمة "لا" بهدوء أو يستجيب لتوجيه معين، يجب تشجيعه والثناء عليه؛ لأن التعزيز الإيجابي يساعد على ترسيخ هذا السلوك وتكراره في المستقبل.
ولا بد من الإشارة إلى أن التعامل مع المراهق المصاب بالتوحد يتطلب صبراً مستمراً، فالتقدم قد يكون بطيئاً، لكن كل خطوة صغيرة نحو تحسين التواصل أو السلوك تُعد إنجازاً كبيراً، لذلك من المهم الاحتفاء بهذه الإنجازات وعدم التقليل منها.
اطلبي المساعدة من الأسرة
كما أن دعم الأسرة لنفسها لا يقل أهمية عن دعم المراهق؛ إذ قد يشعر الأهل بالإرهاق أو القلق، لذلك من الضروري طلب المساعدة عند الحاجة، سواء من مختصين أو مجموعات دعم؛ لأن تبادل الخبرات يساعد على اكتساب إستراتيجيات جديدة، ويخفف من الشعور بالوحدة.
المراهق المصاب بالتوحد ليس مجرد حالة تحتاج إلى إدارة، بل هو إنسان له مشاعر وأحلام وقدرات، وقد يتميز بمهارات فريدة إذا تم اكتشافها وتنميتها بالشكل الصحيح، لذلك فإن أفضل ما يمكن تقديمه له هو بيئة مليئة بالحب والتفهم؛ تتيح له أن يكون نفسه من دون خوف، وتدعمه ليحقق أقصى ما يمكنه الوصول إليه، مهما بدا الطريق مختلفاً عن الآخرين.
إليك كيف نتعامل مع المصابين بالتوحد من الكبار؟ اختصاصية تُجيب

