لا أحد يبقى بنفس التفكير طيلة حياته، فالأصل في الحياة الحركة والتغيير، بالتالي فإن تغير تفكير الشباب مع العمر، هو أمر طبيعي ومتوقع، بل إن الثبات هو خطأ يحتاج لإعادة نظر.
ويرى الخبراء أن التغيير الذي يمر به الشباب يقوم على أمرين: الأول التطور الطبيعي للدماغ من الناحية الفسيولوجية، و الثاني التغير السلوكي الناتج عن تأثير التجارب الحياتية، ما يعني أن الشاب يمر برحلة بيولوجية ومعرفية تحدث داخل الدماغ وبالتبعية تغير التفكير.
إعداد: إيمان محمد
أسباب تغير التفكير لدى الشباب
فيما يلي نستعرض المراحل التي يمر بها الدماغ، وكيف يغير الشباب بناء على هذا التطور تفكيرهم:
اكتمال مركز القيادة
بداية التغير تأتي من التطور الفسيولوجي للشباب، فحسب National Institutes of Health فإن الدماغ البشري لا يكتمل نموه عند البلوغ الجسدي، بل يستمر في التطور حتى منتصف العشرينيات. وهنا يحدد العلماء دور "القشرة الجبهية الأمامية" و هي الجزء الأخير الذي يكتمل حتى يصل الإنسان إلى مرحلة النضج الكامل.
يطلق العلماء على هذا الجزء من الدماغ "مركز القيادة" وذلك لأنه مسؤول عن الوظائف التنفيذية، مثل التخطيط، تحديد الأولويات، والتحكم في الصراعات و الحالات الاندفاعية. ويوضح المصدر أنه في سن المراهقة والشباب المبكر، تكون الروابط في هذه المنطقة غير مكتملة، وهو ما ينعكس على سلوك الشباب، فنلاحظ ميلهم إلى اتخاذ قرارات مبنية على العاطفة، كما أنهم يبحثون عن المكافأة السريعة. لكن مع العمر، واكتمال نمو هذه المنطقة من الدماغ، يصل الشباب إلى مرحلة النضج، ما يتبعه من تحول جذري في التفكير؛ حيث يصبح الشاب أكثر قدرة على موازنة النتائج طويلة المدى، وأكثر حكمة في إدارة المخاطر.

التطور السلوكي والمعرفي
تغير تفكير الشباب لا يقف عند الحدود الفسيولوجية، بينما يمتد الأمر للتطور السلوكي والمعرفي والذي يؤثر على آلية المعالجة العقلية. فبحسب أبحاث جامعة rochester ينتقل الشاب مع العمر من نمط "التفكير المباشر" إلى "التفكير المجرد". ويوضح الخبراء أنه في المراحل المبكرة، يتعامل العقل مع الأمور بظواهرها المباشرة، لكن مع النضج، يبدأ الدماغ في استيعاب أن الأمور لا تنقسم بين الأبيض و الأسود فقط، بينما هناك منطقة واسعة من الرمادية.
بسبب هذا التطور، يتمكن الشباب من فهم الرموز، ووضع الفرضيات، وتوقع السيناريوهات المستقبلية. وهنا يصف العلماء هذه المرحلة بالمرونة والتي تمكن الشباب مع الوقت من مراجعة معتقداتهم، وربما تبني رؤى أخرى لم تكن مطروحة في السابق.
تطور شبكة الوصلات العصبية
خلال سنوات الشباب، يمر الدماغ بعملية تسمى "التشذيب العصبي". يمكن تشبيه هذه العملية بـ "تنظيف" شامل لشبكة الوصلات العصبية، حيث يقوم الدماغ بالتخلص من الوصلات الضعيفة وغير المستخدمة، ويقوم في المقابل بتقوية الوصلات التي يعتمد عليها الشاب باستمرار في تفكيره وحياته اليومية.
أثناء هذه العملية يحدث زيادة في مادة "الميالين" التي تغلف الألياف العصبية، مما يسرع من عملية نقل الإشارات داخل الدماغ. هذه العملية تجعل التفكير أكثر تركيزاً وسرعة، ويمنح الشاب القدرة على حل المشكلات المعقدة بهدوء أكبر ودقة أعلى مما كان عليه في السابق.
التوازن بين العاطفة والمنطق
في الشباب المبكر، تكون "اللوزة الدماغية" -وهي المركز المسؤول عن العواطف وردود الفعل- هي الأكثر نشاطاً وتأثيراً. ومع التقدم في العمر، تنشأ وصلات تربط بينها وبين القشرة الجبهية. ما يساعد على التنظيم العاطفي فيلاحظ الشاب تراجع الاندفاع، ويبدأ العقل في مزيد من التحكم في ردود الأفعال.

تطور الإدراك الاجتماعي
مع النضج، يتطور لدى الشباب ما يعرف بـ "الإدراك الاجتماعي". تزداد القدرة على قراءة الحركات غير اللفظية، وفهم وجهات نظر الآخرين، وتقدير عواقب الأفعال على المحيطين. خلال هذه المرحلة ينتقل الشاب من التفكير المنصب على الذات ورغباته الشخصية، إلى تفكير أكثر مسؤولية يراعي السياق الاجتماعي والعائلي والمهني.
إن تغير تفكير الشباب مع العمر ليس مجرد عملية تلقائية، بل هو مزيج معقد من البيولوجيا والبيئة المحيطة. إن فهم هذه التحولات يساعد الشباب على استثمار قدراتهم العقلية في هذه المرحلة الذهبية، كما يساعد الأسر والمؤسسات على احتواء طاقات الشباب وتوجيهها بشكل بناء.
اقرأي أيضاً هل تفكرين بقلبك أم بعقلك؟
