لم أكن أتخيل يوماً أن رحلتي مع الأمومة ستأخذ هذا المنحى العميق والمليء بالتحديات والاكتشافات، فقد كنت مثل أي أم تنتظر طفلها بشغف، تحلم بلحظاته الأولى وكلماته الأولى وخطواته الأولى، وتبني في ذهنها صورة تقليدية لمسار نموه، لكنني مع مرور الوقت بدأت ألاحظ أن هناك شيئاً مختلفاً في طفلي، شيء لم أستطع في البداية تفسيره أو حتى الاعتراف به، إلى أن أصبحت هذه الملاحظات المتفرقة خيطاً يقودني إلى حقيقة غيَّرت حياتي بالكامل، وهي أن طفلي ينتمي إلى عالم مختلف، عالم التوحد، الذي لم يكن بالنسبة لي سوى مصطلح غامض قبل أن يصبح جزءاً من يومياتي.
البدايات الهادئة التي لم تُثر قلقي

في الأشهر الأولى من حياة طفلي، كان يبدو هادئاً بشكل لافت، لدرجة أن كثيرين من حولي كانوا يمدحون ذلك ويعتبرونه دليلاً على "سهولة" طبعه، فقد كان لا يبكي كثيراً، وينام لساعات طويلة، ولا يطلب الانتباه بشكل مستمر كما يفعل معظم الأطفال، وكنت أظن أنني محظوظة بهذا الهدوء، لكنني الآن أدرك أن هذا الهدوء كان أول إشارة لم أفهمها في حينها.
أتذكر جيداً أنني كنت أحاول جذب انتباهه عندما بلغ عمره حوالي ستة أشهر، كنت أنادي اسمه مراراً، لكنه لم يكن يلتفت إليّ، فكنت أقول لنفسي: "ربما لا يسمعني جيداً"، أو "هو فقط منشغل"، ولم يخطر ببالي أن هذا التجاهل قد يكون علامة على شيء أعمق.
إشارات صغيرة بدأت تتكرر
مع مرور الأشهر، بدأت ألاحظ سلوكيات متكررة لم أستطع تجاهلها، فقد كان طفلي يتجنب النظر في عينيّ بشكل واضح، وحتى عندما أحمله وأحاول اللعب معه، كان ينظر بعيداً وكأنه في عالم آخر، كما أنه لم يكن يستجيب للابتسامات أو التفاعل الاجتماعي كما يفعل الأطفال الآخرون.
في أحد الأيام، جاءنا طفل من العائلة في نفس عمر طفلي تقريباً، ولاحظت كيف كان ذلك الطفل يضحك ويتفاعل مع أمه، ينظر في عينيها ويستجيب لندائها، بينما كان طفلي يجلس بجانبي، يركز فقط على لعبة صغيرة في يده، يديرها بطريقة متكررة دون أي اهتمام بمنْ حوله، وهنا شعرت لأول مرة بأن هناك فرقاً حقيقياً، كما لاحظت أنه لا يستخدم الإشارة بيده لطلب الأشياء، ولا يحاول تقليد الحركات البسيطة، مثل التصفيق أو التلويح، وهي أمور كنت أراها طبيعية جداً عند الأطفال في مثل عمره.
صراع داخلي بين الإنكار والقلق

لم يكن من السهل عليّ تقبل فكرة أن هناك شيئاً غير طبيعي، فقد كنت أتنقل بين القلق الشديد ومحاولة طمأنة نفسي، فمرة أقول: "كل طفل يتطور بطريقته"، ومرة أخرى أشعر بالخوف من أن أكون أتجاهل أمراً مهماً.
كنت أبحث كثيراً، أقرأ مقالات وأشاهد مقاطع فيديو، وكلما قرأت عن علامات التوحد، شعرت وكأنها تصف طفلي بدقة، لكنني كنت أهرب من هذه الفكرة؛ لأن الاعتراف بها كان يعني بداية رحلة مجهولة بالنسبة لي.
اللحظة التي قررت فيها طلب المساعدة
النقطة الفاصلة كانت عندما بلغ طفلي عاماً ونصف العام تقريباً، ولم ينطق أي كلمة مفهومة، ولم يظهر أي رغبة في التواصل، سواء بالكلام أو بالإشارة، وهنا قررت أن أتوقف عن الإنكار، وأن أطلب المساعدة.
ذهبت به إلى أخصائي، وبعد سلسلة من التقييمات والملاحظات، تم إخباري بأن طفلي يظهر علامات واضحة على اضطراب طيف التوحد، كانت تلك اللحظة من أصعب اللحظات في حياتي، شعرت بمزيج من الحزن والخوف والارتباك، لكنني في الوقت نفسه شعرت بشيء من الراحة؛ لأنني أخيراً حصلت على تفسير لما كنت ألاحظه.
بداية فهم عالم طفلي

بعد التشخيص، بدأت مرحلة جديدة من حياتي، مرحلة التعلم والفهم، فقد أدركت أن طفلي لا يتجاهلني لأنه لا يحبني، بل لأنه يعبر ويتفاعل بطريقة مختلفة، وأن عليّ أن أتعلم لغته الخاصة، بدأت ألاحظ الأشياء التي تجذبه، مثل الأصوات المتكررة أو الألعاب التي تدور، واستخدمت هذه الاهتمامات كمدخل للتواصل معه.
كان طفلي يحب تدوير عجلات السيارة الصغيرة لساعات، فبدلاً من منعه، جلست بجانبه وبدأت أقلده، ثم أضفت صوتاً بسيطاً "وووو"، وبعد عدة محاولات، بدأ ينظر إليّ للحظات قصيرة، وكانت تلك اللحظات بالنسبة لي إنجازاً كبيراً.
كيف تعلمت التواصل معه خطوة بخطوة؟
لم يكن التواصل مع طفلي سهلاً في البداية، لكنه لم يكن مستحيلاً، فقد تعلمت أن أبدأ من مستواه، لا أن أفرض عليه طريقتي، بدأت باستخدام جمل قصيرة جداً، وإشارات واضحة، وكنت أكرر الكلمات بشكل مبسط.
عندما كان يريد الماء، كنت أمسك الكوب وأقول بوضوح: "ماء"، وأنتظر قليلاً، حتى لو لم يكرر الكلمة، ومع التكرار اليومي، بدأ يصدر أصواتاً قريبة منها، كما استخدمت الصور، فكنت أعرض عليه صورة طعام معين، وعندما يشير إليها، أعطيه ما يريد، وهذا ساعده على فهم فكرة التواصل.
أهمية الروتين في حياتنا اليومية
اكتشفت أن الروتين كان عنصراً أساسياً في حياة طفلي، فقد كان يشعر بالراحة عندما يعرف ما سيحدث بعد ذلك، لذلك بدأت بتنظيم يومه بشكل ثابت، فقد خصصت وقتاً محدداً للاستيقاظ، ووقتاً للأكل، ووقتاً للعب، ووقتاً للنوم، وكنت أستخدم نفس الترتيب يومياً، ومع الوقت، أصبح أكثر هدوءاً وأقل توتراً.
التعامل مع نوبات الغضب

كانت نوبات الغضب من أصعب التحديات، خاصة أنه لم يكن قادراً على التعبير عن احتياجاته بالكلام، فكان يلجأ إلى البكاء والصراخ، تعلمت أن أبحث عن السبب وراء هذه النوبات، هل هو الجوع؟ التعب؟ التغيير المفاجئ؟
في إحدى المرات، أصيب بنوبة غضب شديدة في السوق، وبعد التفكير، أدركت أن الضوضاء كانت تزعجه، فبدأت أتجنب الأماكن المزدحمة أو أستخدم سماعات تخفف الصوت، وهذا ساعد كثيراً.
الدعم العاطفي لنفسي كأمّ
لم تكن الرحلة سهلة عليّ، فقد احتجت إلى دعم نفسي كبير، وتعلمت أن أكون لطيفة مع نفسي، وأن أقبل مشاعري، سواء كانت حزناً أو تعباً، كما حرصت على التواصل مع أمهات أخريات يمررن بتجارب مشابهة، وكان لذلك أثر كبير في تخفيف شعوري بالوحدة.
لحظات صغيرة صنعت فرقاً كبيراً

رغم التحديات، كانت هناك لحظات جميلة لا تُنسى، مثل أول مرة نظر فيها إليّ لفترة أطول، أو عندما حاول تقليد صوت بسيط، أو عندما أمسك بيدي بشكل مفاجئ، أتذكر يوماً قال فيه صوتاً يشبه "ماما"، لم تكن الكلمة واضحة تماماً، لكنها كانت بالنسبة لي أجمل كلمة في العالم؛ لأنها كانت نتيجة شهور من المحاولات والصبر.
كيف تغيرت نظرتي للحب والتواصل؟
علّمتني هذه التجربة أن الحب لا يُقاس بالكلمات فقط، بل بالصبر، والتفهم، والقدرة على رؤية العالم من منظور مختلف، فقد تعلمت أن أفرح بالتفاصيل الصغيرة، وأن أقدّر كل تقدم مهما كان بسيطاً.. رحلتي مع طفلي لم تنتهِ، بل هي مستمرة كل يوم، مليئة بالتحديات والإنجازات، وقد أدركت أن اكتشاف التوحد مبكراً لم يكن نهاية الطريق، بل بدايته؛ لأنه منحني الفرصة لمساعدة طفلي في الوقت المناسب، والتقرب منه بطريقة أعمق.
واليوم، أستطيع أن أقول إنني لم أعد أخاف من اختلافه، بل أفتخر به، وأتعلم منه كل يوم معنى جديداً للحب والصبر، وأؤمن أن كل خطوة صغيرة يحققها هي إنجاز كبير يستحق الاحتفال، وأن التواصل، مهما كان بسيطاً، هو جسر يبنينا معاً نحو عالم من الفهم والقبول.
هل شاشات التلفزيون تسبب التوحد أو تأخر النطق؟

