قبل نحو 14 عاماً بدأ شغفُ الرحَّالةِ والمصوِّرةِ البحرينيَّةِ رشا يوسف بالسفر، فهي تُوثِّق بعدستها اللحظاتِ التي تحملُ مشاعرَ حقيقيَّةً للناس، وعاداتِ وثقافاتِ الشعوب المختلفة، كما تنقلُ، بالتوازي، الصورةَ الحقيقيَّةَ لوطنها البحرين للعالم بوصفه بلداً متنوِّعاً، يزخرُ بالثقافةِ والتاريخِ العريق. ومع سفرها إلى 208 دولٍ في كلِّ القارات، تحوَّلَ السفرُ بالنسبةِ لها إلى تجربةٍ أكثر عمقاً، خاصَّةً بعد إطلاقِ مشروعِ «قافلة» لتنظيمِ الرحلاتِ السياحيَّة لمَن يبحثُ عن الانغماسِ الثقافي، والتجاربِ الإنسانيَّةِ العميقة.. رشا حلَّت ضيفةً علينا للحديثِ أكثر عن هذه الرحلة.
رشا يوسف

ما الذي جذبكِ إلى عالمِ التصويرِ الفوتوجرافي؟
جذبني في هذا العالمِ المتغيِّر حبُّ توثيقِ لحظاتِ الناس، خاصَّةً العاداتِ، والتقاليدَ المهدَّدةَ بالاندثار، بعدها أصبح التصويرُ جزءاً أساسياً من حياتي.
أنا أوثِّقُ الرحلاتِ من خلال الصورِ التي تنقلُ مشاعرَ حقيقيَّةً مثل بورتريهات الناس التي تحملُ نظرةً، أو لحظةً صادقةً، وتُراودني فكرةُ الاحتفاظِ بها، وجمعها في كتابٍ مستقبلاً.
ما أبرزُ المواقعِ التي زرتِها في العالم، ولفتت انتباهكِ؟
هناك كثيرٌ من الدولِ والأماكنِ التي تتميَّزُ بجمالها وطبيعتها الخلَّابة، لكن أكثر ما يلفتني، حقيقةً، الشعوبُ الحريصةُ على المحافظةِ على عاداتها وتقاليدها، منها الشعوبُ التي تعيشُ في جزرِ المحيط الهادي، وفي مناطقَ بإفريقيا وأمريكا الجنوبيَّة.

ما الأهدافُ التي تسعين إليها عبر مشروعِ «قافلة» لتنظيمِ الرحلاتِ السياحيَّة؟
«قافلة» تسعى إلى تغييرِ مفهومِ السفر لدى المسافرِ العربي من زيارةِ الأماكن والمعالمِ الشهيرة، والتقاطِ الصور إلى فهمِ الثقافات، وبناءِ العلاقات، وترك أثرٍ إيجابي في المجتمعاتِ المحليَّة. هي تستهدفُ أشخاصاً يبحثون عن الانغماسِ الثقافي، وعيشِ تجاربَ عميقةٍ بعيداً عن المساراتِ السياحيَّةِ التقليديَّة عبر مزيجٍ متوازنٍ من الطبيعةِ، والثقافةِ، والمغامرةِ الخفيفة، والتصويرِ الفوتوجرافي، والتجاربِ الأصيلة. قد يشملُ ذلك تناولَ الطعامِ مع عائلةٍ محليَّةٍ، أو تعلُّمَ حِرفةٍ تقليديَّةٍ، أو المشاركةَ في احتفالٍ ثقافي، أو المشي في الأسواقِ القديمةِ مع مرشدٍ.
عادةً، كيف يتمُّ التخطيطُ للرحلةِ، واختيارُ وجهاتِ السفر؟
أحبُّ التوازنَ بين التخطيطِ المسبق، والتجربةِ على أرضِ الواقع. في البدايةِ، أحدِّدُ وجهةَ السفر، ووقتَ الرحلة، والهدفَ منها: هل هي للاستكشافِ، أم الراحة، ثم أبحثُ عن أماكنَ مميَّزةٍ، هذا مع ترك مساحةٍ كبيرةٍ للعفويَّةِ.
نقترح عيك متابعة هذا اللقاء مع مهندسة التصميم الداخلي البحرينية منال بوكمال

ما الأشياءُ التي تحرصين على أن تكون في حقيبةِ سفركِ في كلِّ رحلةٍ؟
أحرصُ على حملِ أشياءَ بسيطةٍ وضروريَّةٍ، في مقدِّمتها كاميرا خفيفةٌ للتصوير، وملابسُ مريحةٌ، وكتابٌ.
ما الصعوباتُ المتوقَّعةُ في كلِّ رحلةٍ، وكيف تتجاوزينها؟
لكلِّ رحلةٍ بالتأكيد ظروفٌ مختلفةٌ. ربما الحصولُ على التأشيرات، وإعدادُ ميزانيَّةٍ للرحلةِ هذا مع ضرورةِ التحلِّي بالمرونةِ والصبر، والتعاملِ مع كلِّ موقفٍ بهدوءٍ.

هل هناك مواقفُ ما زلتِ تحتفظين بها في ذاكرتكِ؟
هناك عديدٌ من المواقفِ التي لا تُنسى، أذكرُ منها استقراري بجزيرةِ لامو في كينيا خلال فترةِ كورونا، ووقوعي من الدرَّاجةِ في باريس، وسرقةَ هاتفي بقطارِ النوم في فيتنام، وانقلابَ «التوك توك» بنا في أوَّلِ يومٍ برحلةِ الهند.
هذه المواقفُ، في حقيقتها، كانت مبكيةً، لكنَّني تمكَّنتُ من التغلُّبِ على كلِّ صدمةٍ منها، فالجرحُ شُفي، والجوَّالُ عاد، لكنْ ما زلتُ أذكر رعبَ انقلابِ «التوك توك»، ولا تزالُ جزيرةُ لامو جزءاً مهماً من حياتي.
كيف يُسهم السفرُ في مدِّ جسورِ التواصل، وتكوينِ شبكةِ صداقاتٍ تتخطَّى حاجزَ اللغةِ والعرق؟
في السفرِ، ودون لغةٍ مشتركةٍ، يمكنك التواصلُ والتعايشُ مع شعوبٍ مختلفةٍ. قد تكون الابتسامةُ أحدَ أهمِّ هذه الجسور، وهذه من أبرزِ مميِّزاتِ السفرِ التي تخلقُ تقديراً واحتراماً أكبر للاختلاف.
نقترح عليك متابعة اللقاء مع التشكيلية البحرينية رباب رجب

ما مدى تأثُّركِ بالسردِ القصصي الفوتوجرافي ودوره في بناءِ هويَّةٍ بصريَّةٍ خاصَّةٍ بكِ؟
السردُ القصصي الفوتوجرافي هويَّتي البصريَّة. الصورةُ تُصبح قِصَّةً إذا سُرِدَت بطريقةٍ حقيقيَّةٍ ومفهومةٍ.بناءُ الهويَّةِ البصريَّةِ قد يأخذُ أعواماً من العملِ، والتطوُّرِ المتواصل، ودقَّةُ الملاحظة، والسعي إلى إبرازِ جماليَّاتِ بعض الزوايا، وتكرارُ تصويرها، يُعزِّز تشكيلَ هذه الهويَّة. وفي النهايةِ، التصويرُ، هو توثيقٌ لقصَّةٍ، أو لحظةٍ ما، ثم إن تصويرَ سلسلةٍ متتاليةٍ، يُقدِّم قِصَّةً متكاملةً.
«أسعى نحو تغيير مفهوم السفر لفهم الثقافات وبناء العلاقات وترك أثر إيجابي في المجتمعات المحلية»
ما دوركِ في إظهارِ إرثِ وتراثِ بلدكِ البحرين بشكلٍ خاصٍّ؟
من خلال مشاركةِ تجاربي، والتعريفِ بثقافتنا، أحاولُ أن أعطي صورةً حقيقيَّةً عن البحرين بوصفه بلداً متنوِّعاً بثقافته وتاريخه.

هل كانت لكِ تجربةٌ سياحيَّةٌ في السعوديَّة؟
كانت لي زيارةٌ إلى القصيم، والعُلا، وتبوك، كذلك وثَّقتُ محميَّةَ الأمير محمد بن سلمان الملكيَّة.
كيف تنظرين إلى دورِ المرأةِ البحرينيَّة، خاصَّةً في قطاعِ السفر؟
المرأةُ البحرينيَّةُ أثبتت نفسها في كلِّ المجالات التي دخلتها، بما فيها السفر. هي تتميَّزُ بحبِّها للإبداع، والاعتزازِ بهويَّتها، ثم إننا جميعاً نسعى إلى نكون سفيراتٍ لدولتنا.
ما أكثر ما يلفتُ انتباه الآخرين إليكِ بوصفكِ رحَّالةً بحرينيَّةً؟
ربما أكثر ما يلفتُ انتباههم، هو الحجاب، وغالباً ما يسألون عن بلدي البحرين، والخليج العربي بشكلٍ عامٍّ، وعن حياتنا وثقافتنا. هم أيضاً لا يخفون دهشتهم من جرأتي بالسفرِ بمفردي إلى دولٍ تُعدُّ خطيرةً.
كما اخترنا لك اللقاء مع المصورة العمانية ميساء الهوتي

كيف كانت نظرةُ المجتمعِ لكِ في بدايةِ رحلاتكِ، وكيف أصبحت اليوم؟
في البدايةِ، واجهتُ كثيراً من علاماتِ الاستفهامِ والدهشة، بل إن بعضهم لم يتقبَّل فكرةَ ترحالِ فتاةٍ وحدها، لكنْ مع مرورِ الوقت، وتبدُّلِ الحال، أصبحتُ أجدُ كثيراً من الدعمِ والتشجيعِ، وكلماتِ الفخر، وتحوَّلتُ، ولله الحمد، إلى نموذجٍ ملهمٍ لعديدٍ من الناس، ومن دواعي سروري أن أكون سبباً في زيارةِ بعضهم تلك الدول.
هل تراودك فكرةُ الترشُّحِ لموسوعةِ جينيس بعد زيارتكِ أكثر من 208 دولٍ حول العالم؟
على الرغمِ من أنني أتمنَّى ذلك إلا أنني في الوقتِ الجاري لا أفكِّرُ بالترشُّحِ للموسوعة.
ما النصيحةُ التي تُوجِّهينها لكلِّ مَن يرغبُ في دخولِ مجالِ السفرِ والرحلات؟
نصيحتي: لا تنتظر الكمال، فالتجربةُ هي التي تُعلِّمك، وتمنحك الثقةَ بالمواصلة.

ما الوجهاتُ التي تنصحين بزيارتها في صيفِ 2026؟
أنصحُ بزيارةِ أفريقيا التي يتميَّزُ بعض بلدانها بأجوائها الباردةِ صيفاً، ومن هذه الدولِ على سبيل المثال كينيا، وتنزانيا، خاصَّةً في موسمِ هجرةِ الحيوانات.
ما الفوائدُ الشخصيَّةُ التي اكتسبتِها من السفر؟
الثقةُ بالنفس، وفهمٌ أعمقُ للحياةِ والناس، وتبسيطُ الحياة.
أخيراً، ماذا يعني لكِ السفر؟
السفرُ يلعبُ دوراً في تغييرنا من الداخل. بالنسبةِ إلى التحدِّياتِ التي تُواجهنا خلال الرحلات، هي جزءٌ من التجربة، لذا لا يجبُ أن يقتصرَ السفرُ على الأماكنِ الجميلةِ والفنادقِ المريحةِ فقط، فالقصصُ، والتجاربُ هي التي ستبقى معنا.
يمكنك متابعة الموضوع على نسخة سيدتي الديجيتال من خلال هذا الرابط


Google News