mena-gmtdmp

كيف يرى أطفال التوحد العالم؟ رحلة إلى طريقة إدراكهم للمحيط من حولهم

صورة أطفال التوحد
كيف يرى أطفال التوحد العالم؟

عندما ننظر إلى طفل مصاب باضطراب طيف التوحد، قد نظن للوهلة الأولى أنه يرى العالم بالطريقة نفسها التي نراه بها جميعاً، لكنه يختار فقط أن يتصرف بشكل مختلف، إلا أن الدراسات الحديثة والتجارب الواقعية التي نقلها الأشخاص المصابون بالتوحد وعائلاتهم تؤكد أن الأمر أعمق من ذلك بكثير، فطريقة استقبال الدماغ للمعلومات الحسية، وكيفية تفسير الأصوات والألوان والوجوه والكلمات والمواقف الاجتماعية، قد تختلف بصورة ملحوظة عن طريقة إدراك معظم الناس، ولذلك فإن العالم الذي يبدو بسيطاً وسهلاً بالنسبة للبعض قد يكون بالنسبة لطفل التوحد مليئاً بالتفاصيل المتداخلة، أو الأصوات المرهقة، أو التغيرات غير المتوقعة التي تسبب له التوتر والارتباك، وهذا لا يعني أنه يعيش في عالم منفصل، وإنما يعيش في العالم نفسه ولكن بعينين مختلفتين وطريقة مختلفة في معالجة ما يراه ويسمعه ويشعر به.
لسنوات طويلة كان الاعتقاد السائد أن أطفال التوحد يفتقرون إلى المشاعر أو أنهم لا يرغبون في التواصل مع الآخرين، إلا أن الأبحاث الحديثة أثبتت أن معظمهم يمتلكون مشاعر عميقة ورغبة في تكوين العلاقات، لكنهم قد يجدون صعوبة في فهم الإشارات الاجتماعية أو التعبير عن أفكارهم بالطريقة التي يتوقعها الآخرون.

أبرز ما يميز إدراك أطفال

إن فهم الطريقة التي يرون بها العالم يساعد الأسرة والمعلمين والمجتمع على بناء جسور من التواصل الحقيقي معهم، بدلاً من مطالبتهم بالتكيف الدائم مع بيئة قد تكون مرهقة بالنسبة لهم.

يشعر أن جميع الأصوات تصرخ في أذنيه

يشعر أن جميع الأصوات تصرخ في أذنيه


من أبرز ما يميز إدراك أطفال التوحد هو اختلاف تجربتهم الحسية، فقد يدخل طفل إلى مركز تجاري فيشعر أن جميع الأصوات تصرخ في أذنيه في الوقت نفسه، فصوت الموسيقى، وضجيج عربات التسوق، وأصوات الناس، ورنين الهواتف، وصفارات الأجهزة الكهربائية، كلها قد تصل إليه بالقوة نفسها، فلا يستطيع دماغه أن يعزل الصوت المهم عن الأصوات الأخرى كما يفعل معظم الأشخاص، ولذلك قد يضع يديه على أذنيه أو يبكي أو يحاول مغادرة المكان بسرعة، ليس لأنه مدلل أو عنيد، وإنما لأن جهازه العصبي يشعر بإرهاق شديد نتيجة هذا السيل من المنبهات.
مثال بسيط
لنتخيل مثالاً بسيطاً: طفل يجلس في صفه الدراسي بينما تعمل المروحة في السقف، ويكتب زملاؤه بأقلام الرصاص، ويتحدث المعلم، ويمر أحدهم في الممر الخارجي، بالنسبة لمعظم الأطفال تصبح هذه الأصوات جزءاً من الخلفية ولا تشتت انتباههم كثيراً، أما بالنسبة لبعض أطفال التوحد فقد تبدو جميع هذه الأصوات متساوية في القوة والأهمية، فيجد صعوبة في التركيز على صوت المعلم وحده، فيبدو وكأنه لا ينتبه إلى الدرس، بينما الحقيقة أنه يحاول جاهداً أن ينظم هذا الكم من المعلومات الحسية.

الإضاءة قد تكون أيضاً مصدراً للإزعاج

لا يقتصر الأمر على الأصوات، فالإضاءة قد تكون أيضاً مصدراً للإزعاج؛ إذ قد يشعر بعض الأطفال بأن الأضواء البيضاء الساطعة أو الأضواء الفلورية تومض باستمرار، حتى وإن لم يلاحظ الآخرون ذلك، كما قد تزعجهم انعكاسات الشمس على الزجاج أو تغيرات الظل، ولهذا قد يفضلون الجلوس في أماكن هادئة ذات إضاءة خافتة، وهو ما يساعدهم على الشعور بالأمان والتركيز بصورة أفضل.
مثال بسيط
تخيلي طفلاً دخل إلى متجر كبير تملؤه الأضواء البيضاء القوية والشاشات اللامعة، ففي الوقت الذي يراه والده مكاناً عادياً للتسوق، يشعر الطفل وكأن الضوء ينعكس في عينيه من كل اتجاه، فيبدأ بتضييق عينيه أو تغطيتهما بيديه، وقد يطلب الخروج بسرعة أو يبكي من دون سبب يبدو واضحاً لمن حوله، بينما يكون السبب الحقيقي أن دماغه يستقبل الإضاءة بصورة أكثر شدة، فتتحول بالنسبة إليه من وسيلة للرؤية إلى مصدر للإزعاج والإرهاق.
تأثيرات 10 ألوان على ديكور منزل طفل التوحد مدعمة بدراسات

حاسة اللمس فهي تختلف كذلك من طفل إلى آخر

فقد يرفض أحد الأطفال ارتداء قطعة ملابس معينة لأن ملمسها يبدو خشناً جداً بالنسبة إليه، بينما قد يرتديها طفل آخر دون أن يشعر بأي انزعاج، وقد يرفض طفل آخر قص شعره أو تقليم أظافره لأن الإحساس بالنسبة إليه يكون أقوى بكثير مما يتوقعه الآخرون، وفي المقابل قد يبحث بعض الأطفال عن الأحضان أو الضغط العميق أو لف أنفسهم بالبطانيات الثقيلة لأن ذلك يمنحهم شعوراً بالراحة والاستقرار.
مثال بسيط
أن إحدى الأمهات لاحظت أن ابنها كان يرفض ارتداء الجوارب كل صباح، وكانت تعتقد أنه يتعمد تأخير الذهاب إلى المدرسة، لكنها اكتشفت لاحقاً أن الخيط الصغير الموجود داخل الجورب كان يسبب له شعوراً مزعجاً للغاية، وبعد أن اشترت له جوارب خالية من البروز الداخلي اختفت المشكلة تماماً، وهو مثال يوضح كيف يمكن لتفصيل صغير لا يلاحظه معظم الناس أن يكون مصدر ضيق حقيقي لطفل التوحد.

يختلف أيضاً إدراكهم للوجوه وتعابيرها

يختلف أيضاً إدراكهم للوجوه وتعابيرها


فبينما يستطيع كثير من الناس معرفة ما إذا كان الشخص سعيداً أو غاضباً أو متوتراً بمجرد النظر إلى وجهه، قد يحتاج طفل التوحد إلى وقت أطول لفهم هذه الإشارات، وقد يركز على تفاصيل أخرى مثل لون القميص أو شكل النظارة أو حركة اليدين بدلاً من تعبيرات الوجه، ولهذا قد يبدو أحياناً وكأنه لا يتفاعل مع مشاعر الآخرين، بينما يكون في الحقيقة منشغلاً بمحاولة تفسير كمية كبيرة من المعلومات في الوقت نفسه.
مثال بسيط
قد يواجه بعض الأطفال صعوبة في فهم العبارات غير المباشرة أو المزاح أو السخرية، فإذا قال أحدهم مازحاً: "لقد أكلت جبلاً من الطعام"، فقد يتخيل الطفل جبلاً حقيقياً لأنه يميل إلى فهم الكلمات بمعناها الحرفي، ولذلك يكون استخدام اللغة الواضحة والمباشرة أكثر فاعلية عند التواصل معه، كما أن شرح المقصود من العبارات المجازية يساعده تدريجياً على اكتساب هذه المهارة دون أن يشعر بالإحباط.

يلاحظون تفاصيل قد تمر على الآخرين دون انتباه

من الجوانب اللافتة أيضاً أن كثيراً من أطفال التوحد يلاحظون تفاصيل قد تمر على الآخرين دون انتباه، فقد يتذكر أحدهم ترتيب الألعاب في غرفة معينة بعد زيارة واحدة، أو يلاحظ تغيير مكان لوحة صغيرة على الحائط، أو ينتبه إلى اختلاف بسيط في نغمة صوت شخص اعتاد سماعه، وهي قدرات تعكس أسلوباً مختلفاً في الانتباه والتركيز، وقد تتحول مع التدريب والدعم إلى نقاط قوة مميزة في مجالات عديدة مثل الفن أو البرمجة أو العلوم أو الموسيقى.
مثال بسيط
طفل توحد يراقب مروحة سقف تدور ببطء في زاوية الغرفة، فيظل يراقب حركتها ويلاحظ اختلاف سرعتها أو صوتها الخافت، بينما ينشغل الآخرون بالحديث ولا يلتفتون إليها إطلاقاً. وقد يلاحظ أيضاً أن أحد إطارات الصور على الجدار مائل بدرجة بسيطة جداً، أو أن مصباحاً يومض للحظات قصيرة، وهي تفاصيل قد تمر على معظم الأشخاص دون أي انتباه، لكنها تستحوذ على تركيزه وتبقى حاضرة في ذاكرته لفترة طويلة.
ولا يعني ذلك أن جميع أطفال التوحد متشابهون، فطيف التوحد واسع جداً، ولكل طفل طريقته الخاصة في إدراك العالم، فقد يكون أحدهم شديد الحساسية للأصوات لكنه لا ينزعج من اللمس، بينما يكون آخر اجتماعياً، ويحب الحديث عن اهتماماته المفضلة لساعات، وقد يكون ثالث قليل الكلام لكنه يعبر عن نفسه بالرسم أو بالموسيقى أو باستخدام وسائل التواصل البديلة، ولذلك فإن فهم الطفل يبدأ من التعرف إلى احتياجاته الفردية وليس من الاعتماد على الأفكار العامة أو الصور النمطية.

التمسك بالروتين من أكثر السمات التي يلاحظها المحيطون بأطفال التوحد

فالبعض يظن أن الطفل يرفض التغيير لأنه عنيد أو لأنه يريد فرض رأيه، بينما تشير الخبرات العملية إلى أن الروتين بالنسبة إليه يمثل وسيلة تمنحه الشعور بالأمان في عالم مليء بالمفاجآت الحسية والاجتماعية، فعندما يعرف مسبقاً ماذا سيحدث، ومتى سيحدث، ومن سيكون موجوداً، يصبح أكثر قدرة على الاسترخاء والتركيز، أما إذا تغيرت الخطة فجأة فقد يشعر وكأن الأرض قد اهتزت تحت قدميه، لأن دماغه يحتاج إلى وقت أطول لمعالجة التغيير والتكيف معه.
مثال بسيط
لنتخيل طفلاً اعتاد أن يسلك الطريق نفسه إلى المدرسة كل صباح، ثم قرر والده في أحد الأيام تغيير الطريق بسبب ازدحام المرور دون أن يخبره مسبقاً، فقد يبدو الأمر للكبار تغييراً بسيطاً لا يستحق التفكير، بينما يشعر الطفل بقلق شديد لأنه فقد تسلسل الأحداث الذي اعتاد عليه، وقد يبدأ بالبكاء أو الانزعاج، ليس لأنه يرفض التعاون، بل لأنه يحتاج إلى وقت ليستوعب أن التغيير آمن ولن يؤثر في يومه.

يمتلكون اهتمامات عميقة ومركزة في موضوع معين

يمتلكون اهتمامات عميقة ومركزة في موضوع معين


فقد يعشق أحدهم الفضاء، ويحفظ أسماء الكواكب وترتيبها وأحجامها بدقة مدهشة، بينما يهتم آخر بالقطارات أو الحيوانات أو الخرائط أو الديناصورات أو الأرقام أو الموسيقى، وقد يقضي ساعات في قراءة المعلومات أو مشاهدة البرامج المتعلقة بهذا المجال، وهذه الاهتمامات ليست مجرد هوايات عابرة، بل قد تكون نافذة يتعلم من خلالها مهارات جديدة ويطور ذاكرته وتركيزه، وإذا أحسن الوالدان والمعلمون استثمارها فإنها قد تصبح نقطة انطلاق نحو التفوق الدراسي أو المهني مستقبلاً.
مثال بسيط
هناك من لا يستطيع وصف ما يشعر به بالكلمات رغم أنه يعيش مشاعر قوية جداً، ولذلك قد يظهر توتره من خلال الصمت، أو البكاء أو الحركة الزائدة أو الانسحاب من المكان، وقد يظن الآخرون أنه غير مبالٍ، بينما يكون في داخله قلقاً أو حزيناً أو خائفاً، ومن هنا تأتي أهمية تعليمه تسمية مشاعره باستخدام الصور أو القصص أو المواقف اليومية، لأن ذلك يساعده تدريجياً على التعبير عن نفسه بطريقة أوضح.

يرغبون في تكوين الصداقات

من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن طفل التوحد لا يرغب في تكوين الصداقات، بينما تشير مواقف كثيرة إلى أن عدداً كبيراً منهم يتمنى اللعب مع الآخرين، لكنه قد لا يعرف كيف يبدأ الحديث أو كيف يشارك في لعبة جماعية أو كيف يفهم قواعد المزاح المتبادلة بين الأطفال، ولهذا فإن وجود أصدقاء متفهمين ومعلمين داعمين يمكن أن يحدث فرقاً كبيراً في حياته، لأنهم يمنحونه الفرصة لاكتساب المهارات الاجتماعية بطريقة طبيعية وخالية من الضغط.
مثال بسيط
قد يجلس طفل في ساحة المدرسة يراقب زملاءه وهم يلعبون كرة القدم، فيظن الجميع أنه لا يريد المشاركة، لكن عندما يدعوه أحد الأطفال بلطف ويشرح له قواعد اللعبة خطوة بخطوة ويمنحه الوقت الكافي، يبدأ تدريجياً في الاندماج والاستمتاع، وهو ما يؤكد أن المشكلة لا تكون دائماً في الرغبة، وإنما في طريقة الوصول إلى الآخرين.
أخطاء شائعة يرتكبها الأهل مع طفل التوحد