mena-gmtdmp

تحوّل في مفهوم السعادة لدى جيل Z.. من امتلاك الأشياء إلى عيش التجارب

الجيل Z يعيد تعريف الرفاهية
تصوير | دانيال أساتر Daniel Asater - العدد | 2220 - التاريخ | ديسمبر 2023

لم تعد الرفاهيَّةُ بالنسبةِ إلى الجيلِ Z تعني امتلاك حقيبةٍ تحملُ توقيعَ أشهرِ دورِ الأزياء، أو ساعةً باهظةَ الثمن، بل أصبحت تُقاس بعددِ التجاربِ التي يعيشها، والذكرياتِ التي يصنعها، كما تُؤكِّد الدكتورة فرح الحر، الاستشاريَّةُ في الصحَّة النفسيَّة والمدرِّبة العالميَّة.

من «أنا أملك» إلى «أنا أعيش».. كيف أعاد الجيل Z تعريف الرفاهيّة؟

تصوير | دانيال أساتر Daniel Asater - العدد | 2220 - التاريخ | ديسمبر 2023

 


عكس أزمانٍ كانت فيها الأجيالُ السابقةُ تربطُ النجاحَ بالممتلكات، يتَّجه شبابُ اليوم إلى استثمارِ أموالهم في السفرِ، والمغامراتِ، وتطويرِ الذات، والبحثِ عن تجاربَ تمنحهم شعوراً بالمعنى والانتماء.

وهذا التحوُّلُ لا يعكسُ تغيُّراً في العاداتِ الاستهلاكيَّةِ فقط، بل ويكشفُ أيضاً عن إعادةِ صياغةٍ شاملةٍ لمفهومِ الرفاهيَّةِ، والسعادةِ، والمكانةِ الاجتماعيَّة في عصرٍ، أصبحت فيه الأصالةُ، والحريَّةُ أهمَّ بكثيرٍ من المظاهر، فما الذي دفعَ هذا الجيلَ إلى كسرِ الصورةِ التقليديَّةِ للفخامة، وكيف أصبحت التجربةُ العملةَ الجديدةَ للنجاح؟

ترى الدكتورة فرح الحر، أن الجيلَ Z (مواليد 1997-2012) لا يرفضُ الرفاهيَّةَ بحدِّ ذاتها، بل يُعيد تعريفها بما يتماشى مع قيمه، وأسلوبِ حياته، فهذا الجيلُ الذي نشأ في عالمٍ رقمي، تحكمه الهواتفُ الذكيَّة، ووسائلُ التواصلِ الاجتماعيَّة، لم يعد يرى في اقتناءِ السلعِ الفاخرةِ الطريقَ الأساسي للشعورِ بالنجاح، أو المكانةِ الاجتماعيَّة، بل بات يبحثُ عن تجاربَ تمنحه معنى أعمقَ، وإحساساً أكبر بالحريَّةِ وتحقيقِ الذات.

وتُوضح أن كثيراً من أفرادِ هذا الجيل يُفضِّلون إنفاقَ أموالهم على السفرِ، واستكشافِ ثقافاتٍ جديدةٍ، والمشاركةِ في الأنشطةِ والتجاربِ التي تترك أثراً عاطفياً، وذكرياتٍ طويلةَ الأمد بدلاً من شراءِ مقتنياتٍ قد تفقدُ قيمتها المعنويَّة مع مرورِ الوقت، فبالنسبة لهم، أصبحت التجربةُ استثماراً في الذات، وليست مجرَّد وسيلةٍ للترفيه.

البحث عن الهوية والتحقق الداخلي

تُشير الحر إلى أن أحدَ أبرزِ أسبابِ هذا التحوُّل، هو طبيعةُ البيئةِ التي نشأ فيها الجيلُ Z، إذ أمضى طفولته، ومراهقته وسطَ عالمٍ رقمي، يعرضُ صوراً مثاليَّةً للحياة الأمرُ الذي جعله أكثر وعياً بالفارقِ بين الصورةِ والواقع، وأكثر ميلاً إلى البحثِ عن التحقُّقِ الداخلي Internal Validation بدلاً من انتظارِ التقديرِ الخارجي. وتقولُ: «هذا الجيلُ أصبح يربطُ قيمته الشخصيَّة بما يكتسبه من معرفةٍ، وخبراتٍ، ونضجٍ إنساني، لا بما يمتلكه من علاماتٍ تجاريَّةٍ، أو سلعٍ باهظةِ الثمن، لذا لم يعد المظهرُ الخارجي وحده أداةً لبناء الهويَّة».

أمَّا عن تأثيرِ وسائلِ التواصل في هذا الجانبِ على الرغمِ من أن منصَّاتها تُشجِّع أحياناً على استعراضِ المقتنيات، فبيَّنت أن «هذه المواقع جعلت أيضاً مشاركةَ التجاربِ، ومغامراتِ السفر تحظى بقيمةٍ اجتماعيَّةٍ عاليةٍ».

التجارب تشبع الاحتياجات النفسية أكثر من المقتنيات

تلفتُ الدكتورة فرح إلى أن الجيلَ Z يمنحُ الصحَّةَ النفسيَّة، والروابطَ الإنسانيَّة أهميَّةً كبيرةً، لذا يجدُ في التجاربِ الحيَّة مثل السفرِ، والتعرُّفِ على ثقافاتٍ مختلفةٍ مصدراً لإشباعِ احتياجاته العاطفيَّة، وتطويرِ مرونته النفسيَّة، وذكائه الوجداني.

وتُضيف: «هذا الجيلُ أدرك أن السعادةَ الناتجةَ عن شراءِ المقتنياتِ الفاخرة غالباً ما تكون مؤقَّتةً، إذ سرعان ما تُستَبدل بالرغبةِ في اقتناءِ ما هو أحدثُ، أو أغلى، بينما تبقى الذكرياتُ، والخبراتُ الشخصيَّة ذات أثرٍ طويلٍ في بناءِ الشخصيَّة، والشعورِ بالرضا».

تابعي أيضًا جيل زد وقيم الحياة: السعادة الشخصية قبل المكانة الاجتماعية

«ولد جيل z في قلب العالم الرقمي، فغير قواعد الرفاهية المتمثلة في اقتناء المواد الفاخرة واستبدالها بعيش تجارب لا تنسى»

 

 


وعي اقتصادي وبيئي أكبر

تصوير | دانيال أساتر Daniel Asater - العدد | 2220 - التاريخ | ديسمبر 2023

 


من الناحيةِ الاجتماعيَّة، تُؤكِّد الدكتورة فرح، أن الظروفَ الاقتصاديَّةَ العالميَّة، وارتفاعَ تكاليفِ المعيشة، أسهما أيضاً في تغييرِ أولويَّاتِ هذا الجيل، هذا إلى جانبِ تنامي الوعي البيئي، فكثيرٌ من الشبابِ باتوا ينظرون إلى الاستهلاك المفرط، وبعض قطاعاتِ الأزياءِ الفاخرة بوصفها ذات أثرٍ بيئي واجتماعي كبيرٍ، ما يدفعهم إلى تبنِّي أنماطِ استهلاكٍ أكثر مسؤوليَّةً واستدامةً.

العملة الاجتماعية الجديدة

تكشفُ الحر عن أن مفهومَ المكانةِ الاجتماعيَّةِ شهدَ تحوُّلاً واضحاً لدى الجيلِ Z، إذ كانت المكانةُ في الماضي تُقاس غالباً بما يمتلكه الفردُ من سلعٍ ومقتنياتٍ، أمَّا اليوم، فأصبحت تُبنى على ما يعيشه من تجاربَ، وما يكتسبه من معارفَ، وقدرته على التفاعلِ مع الآخرين، والانفتاحِ على ثقافاتٍ مختلفةٍ. عليه، وحسبَ رؤيتها، تحظى صورُ السفرِ، والأنشطةِ التطوعيَّة، والمغامراتِ، والتجاربِ الثقافيَّة بتقديرٍ أكبر لدى كثيرٍ من أبناءِ هذا الجيل مقارنةً بصورِ التسوُّقِ، واستعراضِ العلاماتِ التجاريَّة، لأن التجربةَ نفسها باتت تُمثِّل «العملةَ الاجتماعيَّة» الجديدة.

وحول القولِ: إن الجيلَ Z عاطفي جداً، ولا يهتمُّ بالمظهرِ الخارجي، تُجيب الدكتورة فرح بأن «الأمرَ يحتاجُ إلى بعض الدقَّة، فالأصحُّ، هو القولُ: إن هذا الجيلَ يمنحُ أهميَّةً أكبر للأصالةِ، والتعبيرِ عن الهويَّةِ الشخصيَّة مقارنةً بالأجيالِ السابقة، لذا قد يُفضِّل شراءَ عددٍ أقلَّ من القطع، لكنها تكون معبِّرةً عن شخصيَّته، أو متوافقةً مع قيمه بدلاً من شراءِ المنتجاتِ الفاخرةِ فقط لإبراز المكانةِ الاجتماعيَّة، ثم، وفي الوقتِ نفسه، لا يزالُ كثيرٌ من أفرادِ هذا الجيلِ يهتمُّون بالمظهرِ والأزياء، لكنَّهم يميلون إلى ربطها بالهويَّةِ الفرديَّةِ أكثر من ربطها بالاستعراضِ، أو الوجاهةِ الاجتماعيَّة».

تابعي أيضًا لماذا يشعر جيل زد دائماً بالإرهاق؟

السفر.. رحلة لاستهلاك العالم لا السلع

تُبيِّن الدكتورة فرح، أن السفرَ بالنسبةِ إلى الجيلِ Z لم يعد مجرَّد إجازةٍ، أو وسيلةٍ للترفيه، بل تحوَّل إلى تجربةٍ لاكتشافِ الذات والعالم، فكثيرٌ منهم يُفضِّلون الاندماجَ في ثقافةِ البلدِ الذي يزورونه، وتجربةَ الأطعمةِ المحليَّة، والتعرُّفَ على الناس وعاداتهم بدلاً من التركيزِ على الفنادقِ الفاخرة، أو مظاهرِ الرفاهيَّةِ التقليديَّة.

وتُوضح أن هذا النوعَ من التجاربِ يمنحُ الشبابَ شعوراً بالحريَّةِ والاستقلاليَّة، ويُساعدهم في توسيعِ نظرتهم للحياة، خاصَّةً بعد أعوامٍ من الضغوطِ النفسيَّة التي فرضتها جائحةُ كورونا، وعقب أزماتٍ اقتصاديَّةٍ، وتغيُّراتٍ عالميَّةٍ متسارعةٍ.

ثورة هادئة على ثقافة الاستهلاك

تختتُم الدكتورة فرح حديثها لنا بالتأكيدِ على أن الجيلَ Z يقودُ تحوُّلاً هادئاً في مفهومِ الرفاهيَّة حيث أصبحت الأصالةُ، والحريَّةُ، والذكرياتُ، وجودةُ الحياة أكثر قيمةً من المظاهرِ الخارجيَّة. تقولُ: «السعادةُ في نظرِ كثيرٍ من أبناءِ هذا الجيل لا تُقاس بما يُوجد داخلَ الخزائن، بل بما يختبره الإنسانُ من تجاربَ تُثري شخصيَّته، وتمنحه إحساساً أعمقَ بالمعنى والانتماء، وهو ما يعكسُ تحوُّلاً حقيقياً في منظومةِ القيم التي تحكمُ الأجيالَ الجديدة».

يمكنك متابعة الموضوع على نسخة سيدتي الديجيتال من خلال هذا الرابط

 

عفت شهاب الدين

محررة أولى

محررة متخصصة في سيدتي، تغطي الملفات الشبابية، الثقافة، الديكور، الموضة، والمطبخ. تمتلك خبرة طويلة في إعداد المحتوى التحريري وإدارة الملفات المتنوعة بأسلوب يجمع بين العمق والمهنية. من هواياتها المطالعة والسفر والتعرف إلى حضارات وثقافات جديدة.

محررة متخصصة في سيدتي، تغطي الملفات الشبابية، الثقافة، الديكور، الموضة، والمطبخ. تمتلك خبرة طويلة في إعداد المحتوى التحريري وإدارة الملفات المتنوعة بأسلوب يجمع بين العمق والمهنية. من هواياتها المطالعة والسفر والتعرف إلى حضارات وثقافات جديدة.