مسرحية قصيرة جدًا

تدخل ذات الفستان الأخضر الحجرة وردية الستائر، فهفهفتها.. مكتب بندقي اللون، سجادة ذات صفرة شاحبة. وأمام المكتب مقعدان وثيران بينهما منضدة.

كوب الشاي يتصاعد منه الدخان. والرجل الجالس خلف المكتب يرتدي نظارة سوداء، ويكتب.

تدخل ذات الفستان الأخضر. تتجه نحوي، وكأنها منوّمة. تجلس على أحد الكرسيين. أخلع نظارتي لأتأملها: شعرها أسود، عيناها بنيتان، المسافة بيننا تحتشد بالتوتر.

تسألني:

هل أنت أنت؟

أقول: نعم أنا أنا.. ومن زمان.

إذا كنت أنت أنت فأنت لا شيء.

كيف إذن أنت موجود؟

أنا موجود بقوة انتظاركِ. موجود في انتظاركِ.

وها أنا جئتُ.. وها أنت تفقد سبب وجودكَ.. كيف إذن أنت موجود؟

وماذا يضيركِ من وجودي؟

لا شيء.. أحببت فقط أن أشعرك بحقيقتك، حتى إن كنت موجودًا، أنت لا شيء.

ولماذا لا تكونين أنت طيفًا؟

حتى طيفي أكثر وجودًا منك.

 

احمرّ وجه السيد الجالس خلف المكتب. قذف الطيف ذا الفستان الأخضر بمطفأة سجائره.. كانت من بلّور ثقيل، لكنها مرت خلال وجه الطيف، واصطدمت بالزجاج خلف الستارة. (صوت تهشم)

ابتسم الطيف، وتبدلت ملامحه. صار ذا شعر بني، وعيون بندقية، وصار الفستان أحمر ناريًا. ضحكت:

لن تستطيع التخلص مني، إلا في الوقت الذي أحدده أنا.

تغيرت معالم الرجل أيضًا، تسربل بالسواد كالستائر الثقيلة. اربدّ وجهه بحمرة سوداء، واشتعلت في قلبه نار سوداء:

لا أفهم كيف انتظرتك.. اخترتك سببًا لوجودي.. أنت شيطانة بلا شك، فلا يتبدل هكذا غير الشياطين..

أنت الذي اخترت.. اخترت أن تنتظر.. أن توقف وجودك على شيء غير موجود.. إلا في خيالكَ.

لكنكِ لستِ فتاة خيالي..

صف لي تلك الجميلة (ضحكة هازئة)

(يتجاهل ضحكتها، بنبرة حالمة)

فتاة خيالي بريئة، فتاة حنون، دافئة، كالنبع الحار، كصبيحة نادرة في زمن الشتاء.. كريمة القلب، عذبة اللسان، لا تعرف المكر ولا القسوة، صريحة دون أن تجرح، طاهرة دون أن تتزمت، وديعة رقيقة، حيية دون ضعف أو ذلة.. حبيبتي هي كل شيء ليس أنت.

الفتاة التي كانت عيناها سوداوين وفستانها أخضر، ثم صارت عيناها بنيتين وفستانها أحمر، تحولت الآن إلى دخان، سرعان ما تلاشى، وكانت الضحكة هذه المرة للرجل الجالس خلف المكتب.

(ستارة)