عيناها الفاتنتان لا تحيدان عني، ترشف ببطء مثير عصيرها، وتنفرج شفتاها في ابتسامة خاطفة، وأحاول أن أبعد نظري عنها دون جدوى، ولا أكاد أنتبه لزوجتي وهي تلمس يدي بقلق، وتسأل: «حسام، أين شردت مجددا؟ ألم تسمع ما قلته؟»
لا.. لم أسمع شيئًا.
أحاول أن أركز معها، لقاؤها مع والدة سلمى لم يتم كما كانت تتمنى: «أخبرتها أنني لا أعارض صداقة ابنتينا، سلمى فتاة لطيفة في العمق، وساذجة أيضًا، نوعًا ما، وإنْ كانت تحاول أن تبدو غير ذلك، لكن أسلوب حياتها لا يناسب هدى، ولا يرضيني شخصيًّا، لا أريد لابنتي أن تُهمل دروسها وتنشغل بتجريب قصات الشعر، ووضع مساحيق التجميل،
سقطت خصلة شقراء على جبين الشابة التي تجلس خلف زوجتي، وارتفعت أصابعها المطلية بلون أرجواني حالم لتبعدها بغنج، وانفرجت شفتاها أكثر، وتملكني الارتباك، لماذا تحدق فيَّ بهذه الجرأة؟ لا أكاد أرى أمامي غير وجهها الجميل المتطلع إليَّ ببراءة مصطنعة!
«.. ربما كنت محقًّا»
أيقظتني نبرة زوجتي المفعمة بالمرارة من ذهولي...
خفضت رأسي وأنا أشعر بالذنب، لدينا مشكلة حقيقية، صغيرتنا تكابد مخاطر المراهقة وأنا أتخبط أمام صبية يفترض بي أن أحدجها بصرامة وأدير ظهري لها.. ما هذا العبث؟
«حسام... ركز معي رجاء، ما العمل الآن؟ أم سلمى ترفض أن تكلم ابنتها، وهدى لا ترى في الدنيا غير صاحبتها. كيف نتصرف؟ لا أريد لابنتي أن تتورط مع هذه العائلة...»
هززت كتفي باستسلام.
«يجب أن ترى صالون المدام، أمها.. أطنان من أدوات التجميل وباروكات الشعر والحلي الثقيلة والإكسسوارات المبهرجة وصور القصات الغريبة، وموسيقى تصم الآذان، وزبونات يصحِن في كل الاتجاهات،
تنهدت.
أنهت البنت عصيرها، ورفعت يدها إلى النادل، التفتت إليه، وسرحت وأنا أتأمل ملامحها الجميلة المرسومة بانسيابية مذهلة.
«حسام...»
«ماذا؟»
«ما الذي أخذ عقلك؟ أتحدث وحدي منذ نصف ساعة. تبدو منشغلاً...»
«لا.. أفكر في... ما تقولينه، الوضع مربك فعلاً، علينا أن نتصرف»
لا أدري كيف استطعت التفوه أخيرًا، شعرت بوجهي يحمر، ولم أرتح للابتسامة الساخرة التي ردت بها زوجتي عليّ.
«طيب».. قالت وهي تمد يدها إلى حقيبة يدها، وتدفع مقعدها إلى الوراء «سنواصل حديثنا في البيت، لا أريد أن أشغلك طويلاً عن... عملك»
هل تخيلت أنها أشارت بعينيها إلى مقعد الفتاة؟
ازداد ارتباكي، وقمت أيضًا.
«لا داعي، سآخذ تاكسي»، قالت «أطلب فنجانًا آخر... بردتْ قهوتك، إلى اللقاء»
كلماتها حادة، ابتعدت سريعًا، وبقيت مكاني أحملق في الفراغ ببلاهة، ما الذي دهاني؟ هل أُصبت أنا الآخر بنوبة مراهقة عاصفة؟
تسللت صورة الفتاة الفاتنة إلى سحابة شرودي، رمشت بارتباك، وبلعت ريقي، لمعت عيناها، وابتسمت، وأشارت بيدها البضة إلى المقعد الذي يواجهها، وقمت، هذه دعوة لا ترد، خطوتُ بلهفة نحوها، وكدت أوقع النادل الذي اقترب دون أن أنتبه له، انسكبت القهوة الساخنة التي يحملها على صدري، وشعرت بحرقتها تلسع جسدي، انخرط الفتى في الاعتذار، وضحكت الجميلة، والتفتت رؤوس الزبائن إلينا.
وهربت إلى الحمام.
ما الذي سيقولونه عني؟ وغد؟ استبدل امرأة بأخرى في غضون ثوانٍ؟
توقفت بغتة وأنا ألمح في زاوية بعيدة ثوبًا أعرفه، تحركت بحذر خلف صف من أحواض الزينة. واقتربت من الزاوية.
زوجتي!
تسند خدها على كفها، وتراقب الجميلة التي تنتظرني، وتبكي.
للتواصل مع الكاتبة نجاة غفران [email protected]

Google News