mena-gmtdmp

أنا والكرة وهواه..


النساء يعشقن الرجال، لكن الرجال يعشقون الكرة، وهل لهذا السبب على المرأة أن تحب ما يعشقه الزوج؟، ويجد فيه متعة لا توصف أمتع من الجلوس مع عروسه الجديدة، نعم.. أسبوعان فقط فصلا ما بين حفل عرسي وكأس العالم، ولو كنت أعلم أن هذا الكأس سيدمر لي فرحتي بأن أكون أخيرا بصحبة الرجل الذي خفق له قلبي، لأجَّلت العرس إلى أجل غير مسمى مبتعدة عن هياجه الكروي، الذي أعيشه الآن بالساعة والدقيقة معه، ولعله من العجب العُجاب ما صنعت الكرة بهذا الزوج الذي مع الأسف أكتشفه ولأول مرة في حياتي بهذه الهمجية، بمزاجية في الطباع وعدوانية في السلوك، بل أحيانا يتجاوز الأمر ذلك، حين يرميني بأنني أجهل كل شيء عن الكرة وقوانينها، ولا يكتم غيرته حين أبدي إعجابي بلعب لاعب ما، فيطالبني بالتزام الصمت أو الذهاب إلى أمي؛ رغم أني مازلت عروسا، ولو كان لي الخيار كحكم كرة القدم مثلا، لكنت عاقبته بكل البطاقات الحمراء والصفراء التي أملكها وطردته شرَّ طردة من الملعب، بل لكنت ركلته ركلة إلى أن يسقط من فوق السرير الذي لا يُبارحه لا فرجة ولا أكلا، أو لربما ضربته جنبا إلى أن يسقط زاوية، ولأعطيته صفعة في كل حالة شرود وتسلل من الكلام معي، خاصة حين أقول له وبكل لطف قبل بداية أي مبارة: «عزيزي أريد أن أكلمك في موضوع مهم يخص...» فيقاطعني مشيرا بأصابعه إلى التلفاز دون أن يلتفت إليَّ قائلا: «بعد المباراة أجِّلي..أجِّلي الأمر إلى الوقت الضائع»، وبعد المباراة لا أستطيع أن أتفوَّه ولو بكلمة تجنبا لأن تصيبني من دمائه الثائرة بعض القطرات، ولا أن يكون لي نصيب من الوقت الضائع، لكن الشيء الوحيد الذي يمكن أن تفعله المرأة دون أن ينتبه إليها الرجل المدمن للكرة، هو أن تحكي ولو بالساعات مع أمها، صديقاتها أو أقاربها بالهاتف، دون أن يفكر بالفاتورة وكم ستكلفه، هكذا بدأت أرى الجانب الإيجابي من إدمان عريسي للكرة يوما بعد يوم، فحين كنت طفلة قلت لأمي يوما بسذاجة، لماذا لا يعطون كلَّ لاعبٍ كرةً، لكيلا يتصارع كل واحد مع الآخر للحصول عليها، بدل أن يعود أخي الأكبر عكِرا بعد خسارة فريقه فنلزم غرفنا خوفا من ثأره لغضبه، شهر عسل في حلبة ملعب بغرفة، اضطررنا أن نسكنها مؤقتا في بيت حماتي، لأننا لم نوفق بالرحيل إلى سكننا الجديد، بعد أن أخلفت الشركة المسؤولة عن تسليم الشقق في وقتها لنا، فتحولت الغرفة بفضل عريس الهنا إلى مقهى صغير، وتحول السرير ليس فقط للنوم بل لمهمات كروية أخرى من نطٍّ وضرب وقفز وشدٍّ وشتْم...ناهيك عن صور معلقة على الجدران لهذا المدعو دييغو مارادونا وفريقه بوجوههم التي ترافقني ليل صباح، ولست أدري لماذا نزل هواه على واحد كهذا؟، وحين سألته عن ذلك مستفسرة قال: «لن تجدي أحدا لا يحب مارادونا، باستثنائك أنتِ، أولا لأنك لا تفهمين شيئا في الكرة، ثانيا التواضع يا ابنتي، ألا ترين كيف يقبِّل لاعبيه ويقدرهم؟ ألا ترين أنه لا يهدأ له جفن وهو يتحرك طيلة المبارة ذهابا وإيابا ليكون قريبا من لاعبيه، ثالثا...»، «كفى.. كفى...لا أريد مزيدا؟»، وتكوَّمت على السرير كقطة يائسة أقلِّب صور ما أراه أمامي من تصرفات هذا العريس الكروي الماكر، الذي بدأ من أوله يُظهر لي وجهه الحقيقي، لست أدري هل لأعتاد عليه وأُخرس بعدها لساني، سياسة قمع إذن بنية مقيتة لا أكثر، أم أنه جنون كروي صِرف، وبقيت الحال على ما هي عليه، ممل وكئيب، كرَّهني في الزواج الذي طالما مدحوه لي وشجعوني عليه، وبدأت تدريجيا أنخرط معه في اللعبة، فليس لي خيار، وأهتف كعاشق مجنون لها، وبدأت أدمن مجلات الكرة وأطلع على قصص وفضائح نجومها، واستهواني الأمر فاكتشفت سرَّ ولع عريس الهنا بها، سرها وببساطة لأن الكرة لا تحتاج مثلنا لسماع كلمات الحب، وهي لا تبكي أو تنوح وتشتكي من عدم تقصير الرجل بحقها كما نفعل أحيانا، وهي لا توبخه إذا تأخر خارج البيت أو لم يتصل بها هاتفيا ولو كان ذلك لأيام، وهي طبعا ليست بالنكدية ولا بالمنتقدة لطريقة جلوسه وأكله وقلة نقوده، هي راضية به كما هو، وقررت من منطلق ذلك في سكني الجديد أن آخذ بفلسفتها، وأمشي عليها في تعاملي مع زوجي، وسنرى إلى منْ سترجح كفة الفوز.. إلى الكرة أم إليَّ؟!، والله يستر ألا ينتهي زواجي بكارثة طلاقي، فخراب كل البيوت سببه هذه....