
اللمسة تحولت إلى تربيت لسقف دماغي أشاع فيه تنويمًا متكلمًا،
فتحت عيني، وإذا برجل محترم في سترة بنية ونظارة وشارب رفيع يجلس في مواجهتي.
- مساء الخير يا أستاذ.. آسف على اقتحامي خلوتك، وأنني قطعت عليك تأملاتك، لكن اعذرني.. كل أصدقائي فظاع في الثرثرة، فأصبح جلوسي معهم تحطيمًا منظمًا لأعصابي، ومن كثرة الكلام صار الكلام بلا معنى، مجرد ضجيج موصوف لدفع الأعداء الأسرى للجنون.
- وقد سمعت عن حضرتك سمع خير أنك رجل قليل الكلام، ولا يخرج منك إلا الكلام الموزون الجامع المانع السهل الممتنع ما فيه زيادة أو نقصان، فقلت يا أبا الصمت -وهذا اسمي الذي سميته لنفسي- اذهب إلى ذلك الرجل، واقض معه ساعة من الزمان -بعد إذنك طبعًا- تتسامران وتتعاطيان ما لذَّ وطاب من مُلح وحِكَم، وتتدارسان عبَر الزمان والمكان، دون ثرثرة زائدة، أو إسهاب أو إطناب أو استطراد، إن هو إلا المختصر المفيد.. فوالله، وما لك عليَّ حلفان، إن أبغض الكلام عندي الثرثرة الفارغة، ولهذا سموني أبا الصمت.
- وأنا أهوى القراءة، كما ترى من بياني الناصع ولفظي المحكم، ومفرداتي المنتقاة، وبدائع الحكم في كلامي، ولآلئ القول المنظوم، والكلام المنغوم، والحذاء المخروم إلخ إلخ إلخ.. فمن بين ما قرأت تلك الرزية ذات الحكايات الألفية، ومن بين ما مرت عليه عيني من حكايات قصة عن مزيِّن (حلاق) ثرثار يدعى أبا الفضول من شدة فضوله وتدخله فيما لا يعنيه، لكنه ينفي عن نفسه تلك التهمة ويسمى نفسه الصامت، ولقد نشرت في حياتي مقالة وحيدة أدعو فيها إلى إضرام النار في هذا الكتاب المحتوي على شخصيات تدعو إلى الرذيلة، وأولهم أبو الفضول مزين بغداد الذي عذب أجيالاً من المسلمين والقراء حول العالم بثرثراته، وأنا أكره ما عليّ يا مضيفي العزيز -وقد لمست ذلك بنفسك- الثرثرة والدردشة والإسهاب والإطناب والهذر واللغو واللت والعجن وكثرة الكلام، ولا أطيق كلمة واحدة زائدة يمكن الاستغناء عنها دون أن يتغير المعنى.
سأضرب لك مثالاً: مزقت يومًا خطابًا دون أن أقرأه، مع أنه كان خطابًا قصيرًا موجزًا مختصرًا، بل كان كتابًا وجيزًا مقتضبًا، على أية حال، كل هذه الصفات يجمعها معنى واحد هو الإيجاز والاقتضاب والتلخيص والقصر، أين كنا؟ نعم.. مزقته مع أنه من صديق عزيز جدًّا جدًّا جدًّا؛ لأن أول سطر جاء كما يلي:
صديقي العزيز جدًّا فلان.. لماذا «جدًّا»؟ أليست صديقي العزيز تكفي؟ لِمَ هذا اللت والعجن؟ مزقت الخطاب ثم أحرقته.. ألا تراني رجلاً وقورًا محترمًا محتشمًا، عقلي يزن بلدًا، ودماغي «يسْوَى» كنوز الأرض.. ألست تتفق معي أن «جدًّا» هذه لم يكن لها أي لازمة؟ سأضرب لك مثالاً آخر، وأدل على فطنتي ورجاحة عقلي، مرة أهديت حفيدي العزيز كرة فاحتضن ساقي قائلاً: جدو حبيبي.. شكرًا جدًّا.. لماذا «جدًّا»؟ وما لازمة حبيبي؟ أخذت منه الكرة ومزقتها؛ حتى يتعلم الإيجاز ويكره كثرة الكلام.
كنت أنام نومًا عميقًا، عندما دخلت حفيدتي وجعلت تهزني:
- اصحَ يا جدو.. نمت ثانية وأنت تقرأ.. تحسست وجهي، وإذا بي نائمًا بالنظارة على مقعدي، وبجواري نسخة من «ألف ليلة وليلة» مفتوحة على حكاية «حلاق بغداد».

Google News