mena-gmtdmp

«أنقرة»: عندما تصبح الحياة بنكهة تركية خالصة

«أنقرة» هي العاصمة الرسمية لـ «تركيا»، ومدينة الطبقة الإدارية والمؤسسات الحكومية والجامعات، وروح الجمهورية ونكهة المجتمع والتقاليد والثقافة... ويقول المثل التركي: «إذا أردت أن تشعر بالنظام فقرّر العيش بأنقرة»، ببردها الجبلي القارس شتاءً واعتدالها الصيفي الجميل، وبطبيعتها الأخّاذة ومتنزّهاتها الكبيرة المترامية، وعمرانها البهيّ، أمّا سكانها فهم قصة أخرى من اللطف والحميمية.

إن كنت تشعر بعالمية الحياة بمدينة كـ «اسطنبول»، فلن تشعر بـ «أنقرة» إلا بالحياة التركية الخالصة. وربما لن تسمع إلا اللغة التركية ولن تشاهد سوى الدعايات التركية. نعم، ستواجه مشكلة بالتواصل باللغات الأجنبية بـ «أنقرة»، فالتركية هي الأولى والأخيرة.

 

المدينة


التي تقع قي قلب الأناضول وبين جبال ثلاثة، سرعان ما توسّعت وترامت أطرافها، حتى أصبحت تمتدّ على كلّ مساحة الجبال الثلاثة وما بينها من وادٍ. ويستمرّ التوسّع، فالمدينة تتطوّر والسكان يزدادون والأحياء الجديدة تُبنى باستمرار، إذ لحركة العمران بـ «تركيا» تجارب تستحقّ التقدير!

 

أتاتورك روح المدينة

يقول البعض لو لم يكن الضابط التركي مصطفى كمال (أتاتورك) قد بدأ مشروعه السياسي من هذه المدينة، لتلاشت قيمتها في ضوء وجود المدن الكبرى والعريقة وعلى رأسها «اسطنبول». نعم، لقد منحت جمهورية أتاتورك الروح لهذه المدينة.

في قلب «أنقرة» النابض بالحياة، وعند تقاطع ميدان «أولوس» العريق، ينتصب تمثال فخم لـ «أتاتورك» ممتطياً حصانه ويحيطه جنديان مقاتلان وسيدة عاملة ليمثّل الخطوات الأولى لتأسيس الجمهورية التركية في أعقاب الحرب العالمية الأولى. ومن بعيد، إلى يمين «أولوس» عند أعلى قمّة الجبل، تنتصب القلعة القديمة
لـ «أنقرة» لتحاكي تاريخ المدينة العريق: تماثيل «أتاتورك» في كل مكان وبطرز نحتية مختلفة، كما أن صوره ماتزال مثبتة بالمباني الرسمية، وعند قمة جبل مهيب وضع قبره ببناء فخم مع متحف لأهمّ مقتنياته. ولباني الجمهورية التركية تقدير كبير لدى الترك كلّلوه بتلقيبه «أتاتورك» أي «أبو الأتراك»، فهو مثال القومية التركية المعاصرة، اكتسب شهرته بطروحاته الحديثة ودعوته للتوجّه نحو العصرنة الغربية وفصل الدين عن السياسة...

 

مدينة النظام

عندما أُنير اللون الأحمر، وبسرعة غريبة، توقفت مئات السيارات الصغيرة والكبيرة والحافلات الطويلة المزدحمة بركابها، لينتقل بين طرفي الشارع عشرات المارة بحركة تكاد تشعرك بأنها أخذت من أحد مشاهد شوارع «نيويورك» المكتظّة! مرّت ثوان، وانتقل النور نحو الدائرة الخضراء، فتوقف المشاة وانطلقت السيارات... النظام بـ «أنقرة» عنوان حقيقي لهذه المدينة، وصفه أحد سكان المدينة بالقول: «كأنّ المدينة بأسرها مؤسسة رسمية لشدّة نظامها»، والبعض هنا يعلّل هذا الالتزام الدقيق بالنظام بمحلية المدينة، فهي تركية وليست عالمية أو سياحية كما العديد من المدن التركية وأشهرها «اسطنبول». وللواقع الثقافي دوره الإيجابي، فهنا تتمركز أكبر الجامعات التركية وأكثرها عدداً، فضلاً عن عشرات الكليات الأهلية والمعاهد المتخصّصة، كما يقع عدد من المؤسسات الثقافية الرسمية وجميع مقار الوزارات الرسمية.

 

«كزلاي»: نشوة جمال «أنقرة» الأخّّاذ

مركز أنقرة التجاري والحيوي النابض هو «كزلاي»، حيث تتداخل الشوارع الطويلة المزدحمة بالمارة السائرين بلا توقف بالطرقات المترامية إلى انتقالهم عند أبواب مراكز التسوّق المتناثرة والمطاعم والمقاهي... في «كزلاي»، الحياة مكتظّة تحت الأرض وفوقها وأعلى من ذلك أيضاً، فمركز «ميترو» الأنفاق في «أنقرة» يقع في هذه المنطقة، وبالتالي وعبر المحطة الأرضية الأكبر تجد مراكز تسوّق كاملة وممتلئة بالمتسوّقين تحت أرض «كزلاي»، وما أن ترتفع على أحد السلالم الكهربائية الممتدة باتجاهات ستة، حتى تجد بشراً يسيرون في كل مكان، ولكن بانضباط لن تراه بمدينة أخرى، فقرب نوافيرها الراقصة الشهيرة، توجد أكبر منطقة لعبور المارة. كما أن الحياة لا تزدحم فوق الأرض فقط، بل ما أن ترفع رأسك بين مباني وسط العاصمة التركية حتى يصيبك المشهد بحال من الاندهاش، فطبقات البنايات جميعها تنبض بالحياة، ومراكز التسوّق تحمل حتى طبقات أربع أو خمس، فيما المطاعم والمقاهي تجدها تمتدّ من الطبقة السفلية صعوداً حتى أسطح المباني، بأجوائها المنوّعة، من الغنائية إلى الصاخبة مروراً بالهادئة، ومن العالمية الشهيرة إلى التركية الشهيرة، فتلك الخاصّة بـ «أنقرة»، انتهاء بمقاهي الطلاب.


ويقود التجوّل في أحد شوارع «كزلاي» الرئيسة إلى ملاحظة ازدحامه بعشرات المطاعم والمقاهي والمكتبات ومحال الكومبيوتر والمعدات الدراسية، ولدى السؤال عن طبيعة هذا الشارع علمنا بأن فروعه الجانبية تعجّ بالكليّات الأجنبية الصغيرة، وبالتالي فكل ما يحتويه هذا هو خدمة للطلبة. أمّا قلب «كزلاي» فيسمح بمشاهدة عند مفترق الطريق الكبير الآلاف يناغمون الحمامات المرفرفة بالساحة القريبة من نوافير «أنقرة» الراقصة الشهيرة، تلك التحفة الهندسية الإبداعية بألوانها ورقصاتها المائية المفعمة وسط خضرة المتنزّهات البهية التي تجدها في كل مكان داخل هذه المدينة. وما أن يقترب الوقت من انتصاف الليل، حتى تغلق المحال التجارية أبوابها، لتبدأ حياة جديدة، حيث يقوم آلاف الباعة المتجولين بفرش مناضدهم على طول الطرقات عارضين المنتجات اليدويـــة والصناعيـــة الجديـــدة... فللتسوّق
بـ «كزلاي» طعم خاص!

«جانقايا»: رفاهية الجبل

ما أن صعدت السيارة متّجهة نحو «جانقايا»، المنطقة التي تقع على ارتفاع جبلي، حتى مررنا بداية بـ «تولاي» أي الحي الراقي الذي يشتهر بمطاعم السمك الفاخرة ونوادي السهر العابقة بفتنة الأصوات الجميلة والطابع التركي الأرستقراطي... علماً أن سكّان «أنقرة» يقولون إن تولاي هو حي النخبة الثرية.

وفي الطريق نحو «جانقايا»، شعر البعض بانسداد آذانهم نتيجة اختلاف الضغط الجوي بسبب الارتفاع، كما أصبح الجو أكثر برداً... أمّا خضرة الطبيعة فازدادت ألقاً وجمالاً، والمباني المتباعدة تختلف بين السفارات الأجنبية والمباني الحكومية حيث القصر الرئاسي ومبنى مجلس الوزراء التركي. وما هي إلا مسافة حتى يعتلي الزائر برج «أنقرة» المهيب، ففوق متنزه جبلي أخضر صنع على طبقات جبلية، ينتصب هذا البرج الذي يقع عند قاعدته مركز للتسوّق ومجموعة من المطاعم. وعبر مصعد طويل يمكن مشاهدة ترامي أطراف العاصمة التركية المبهرة، قبل أن ينتهي البرج بمطعم ليلي بطبقته الأخيرة.

 

نكهة الحياة التركية

في «أنقرة»، تشعر بحياة تركية ذات طابع خاص يختلف عن المدن الأخرى، وخصوصاً لناحية الثقافات والعادات الاجتماعية والمطبخ والرقصات الشعبية وسلوك الناس. مشكلة واحدة ستشعر بها بـ «أنقرة» تكمن في اللغة، إذ أن سكّانها أتراك أقحاح لا يتحدّثون سوى التركية، ومن الصعب أن تجد من يتحدّث الانكليزية، أمّا العربية فمنهم من يعرف بعض كلماتها. نكهة الحياة التركية ستشعر بها عند تجوالك في هذه المدينة، وخصوصاً عند تذوّق منتجات المطبخ التركي الشهي بأكلاته المتنوّعة...«أنقرة» مدينة استثنائية ليست ككل المدن.