mena-gmtdmp

كيف تغير ذوق الملكة إليزابيث الثانية في كل عقد من حكمها؟.. تفاصيل نرويها لأول مرة

الملكة اليزابيث الثانية Queen Elizabeth II مع زوجها دوق أدنبرغ الأمير فيليب Prince Philip في اليابان عام 1975- (مصدر الصورة PANASIA / AFP)
الملكة اليزابيث الثانية Queen Elizabeth II مع زوجها دوق أدنبرغ الأمير فيليب Prince Philip في اليابان عام 1975- (مصدر الصورة PANASIA / AFP)

جميعنا نذكر مقولة الملكة إليزابيث الثانية الشهيرة: "لو ارتديتُ اللون البيج، لما عرفني أحد". فاختصرت بكلماتها شعار قوة الموضة الذي جسدته عبر عقود من الحكم بأناقة. لم تكن الموضة، بالنسبة للملكة الراحلة، أمراً ثانوياً فهي شخصية عامة وقيادية تريد أن تحكم وتوحي بالثقة بالشكل والمضمون. ولا تزال أزياؤها جزءاً لا يُنسى من صورتها الملكية.

فعلى مدى سبعة عقود من حكمها، جسّدت رمزًا للأناقة، إذ نجحت في توظيف أزيائها لخدمة هيبتها الملكية. وبصفتها ملكة، كان عليها أن تجمع بين نقيضين: هويتها الشخصية ومهمتها الرسمية. وقد حمل أسلوبها في تنسيق الأزياء دلالات رمزية عميقة. وبمناسبة ذكرى ميلادها اليوم 21 إبريل، نسلّط الضوء أكثر على أسلوبها في اللباس، ورمزية الأكسسوارات والألوان في حياتها.

الملكة إليزابيث: حين تتحول الموضة إلى لغة قوة 

كانت أزياء الملكة إليزابيث الثانية التي تتضمن ألواناً وزخارف وأكسسوارات مرتبطة بالمناسبة التي تحضرها، أو رئيس الدولة الذي تلتقيه، أو البلد الذي تزوره. وقد أرادت من خلال التركيز على ألوان التاييرات والبدلات ليس فقط إضفاء البهجة على من يقابلها، بل أيضاً تسهيل تمييزها بين الحشود. كانت جريئة عند الضرورة، وهادئة عند عكسها للمزاج الوطني، وعملية عند اقتضاء المناسبة ذلك. كانت أنيقةً وراقيةً إلى أقصى حد، ولم تكن ترتدي شيئاً دون تفكير. لم تكن الملكة ترتدي شيئاً صدفةً.

خلال فترة حكمها الاستثنائية، كانت الملكة إليزابيث في كثير من الأحيان رئيسة الدولة الأنثى الوحيدة، وقد أمضت سنوات عديدة، لا سيما في بداية ولايتها، كامرأة وحيدة وسط بحر من الرجال. عندما ورثت الملكة العرش من والدها في خمسينيات القرن الماضي، كان من الممكن أن يُعذر لها لو أنها تخلت عن الإطلالات الأنثوية في عالم يسيطر عليه الرجال. ولكنها جسدت منذ سنوات حكمها الأولى وحتى آخر ظهور رسمي لها صورة المرأة الأنيقة والحكيمة بكل حالاتها، وجسدت ما يعرف بقوة الموضة أي Power Fashion.
 

فاعتمدت زياً كلاسيكياً أيقونياً للتعبير عن ذلك: اللؤلؤ، والقبعات، والألوان الموحدة، وحقيبة لونر لندن ذات المقبض العلوي. كان دورها موضع تساؤل دائم في ظلّ المشهد السياسي المُتغيّر باستمرار، ومع ذلك، فقد أدركت، منذ اللحظة التي ألقت فيها خطابها الشهير في يوم ميلادها الحادي والعشرين، أنها ستُكرّس حياتها لتوفير الاستقرار والطمأنينة لبريطانيا العظمى ودول الكومنولث، ولذلك ارتدت ما يُناسب هذا الدور.
سنأخذك في جولة على كل العقود التي عاشتها الملكة لتختبري تأثرها بالموضة، ففي أربعينيات القرن العشرين، بدا تأثير أسلوب كريستيان ديور في تصميم الخصر النحيل واضحاً على أزيائها، ثم في خمسينيات القرن نفسه، ظهرت لمسات من أسلوب دار بالنسياغا فباتت ملابسها أكثر اتساعاً. وفي الستينيات، كانت ترتدي فساتين قصيرة، وبدلات أنيقة، وبحلول سبعينيات القرن العشرين، كانت الملكة ترتدي فساتين سهرة فضفاضة وعلى الرغم من مواكبتها لاتجاهات الموضة، إلا أن أسلوب الملكة المميز ظل أنيقاً للغاية، وبريطانياً بامتياز.

في فترة الأربعينيات

كانت الأميرة إليزابيث الشابة، بصفتها الأميرة وولي العهد، تُولي اهتماماً كبيراً لأناقتها الشخصية، مع مراعاة واجباتها الوظيفية. وقد ارتدت العديد من الأزياء العسكرية في هذا الصدد، ولا سيما الزي الرسمي لإحدى النساء العاملات في القوات المسلحة خلال الحرب. في عام 1944، وفي سن الثامنة عشرة، انضمت الأميرة إليزابيث إلى الخدمة الإقليمية المساعدة، دون أي معاملة تفضيلية، وتأهلت كفنية ميكانيكية. خلال هذه الفترة، كانت تُرى كثيراً بزيها العسكري، وكانت إطلالاتها خارج أوقات العمل تجمع بين الأنوثة والعملية.
وقد راعت في ملابسها المزاج العام في ذلك الوقت -البساطة والتواضع- وانعكس ذلك حتى في أكثر فساتينها ظهوراً للعلن: فستان زفافها. وقد تم شراؤه، كما كان على أي عروس أخرى في فترة ما بعد الحرب، باستخدام قسائم التموين.

حقبة الخمسينيات وسر تنورة التارتان الأيقونية

كان ذلك العقد الذي اعتلت فيه الأميرة الشابة العرش، أبكر بكثير مما توقعه أي شخص. وقد صرّح تشرشل، عند وفاة الملك جورج السادس، بأن الملكة الجديدة، في الخامسة والعشرين من عمرها، "لا تزال طفلة". وبينما حافظت على سماتها المميزة -من قصات أنثوية، ولآلئ، وتسريحة شعرها الشهيرة- ربما كان هناك دافع لدى الملكة الشابة لإثبات جدارتها ونضجها؛ إذ عكست أزياؤها هذا التحول في مكانتها.

خلال هذه الفترة، اتخذ أسلوب الملكة، بطبيعة الحال، منحى ملكياً متزايداً. اختفت العديد من الإطلالات البسيطة التي ميزت أزياءها خلال الحرب وما بعدها، وحلّت محلها قفازات بيضاء، ووفرة من الأكسسوارات والمجوهرات، والتنانير الواسعة والخصور الضيقة التي كانت السمة الجمالية السائدة في تلك الحقبة. طوال تلك الفترة، لم تغفل الملكة أبداً عن قوة ما ترتديه في إيصال رسالة. فقد زُيّن فستان تتويجها، من تصميم نورمان هارتنيل، بجميع الشعارات الزهرية للمملكة المتحدة والكومنولث، التي أصبحت تحت سيادتها.

ومن أكثر أزياء الملكة شهرة آنذاك هي سترة تويد رمادية بخصر محدد وتنورة تارتان رمادية وحمراء تصل إلى الركبة ارتدتها برفقة دوق إدنبرة والأمير تشارلز والأميرة آن في قلعة بالمورال صممها لها نورمان هارتنيل، وارتدت الملكة لأول مرة سترة هاريس تويد وتنورة بالمورال تارتان في خمسينيات القرن الماضي. كان هذا الزي القطعة الأساسية المفضلة لديها خارج أوقات العمل الرسمية نظراً لحبها للأنشطة الخارجية، وهو زي متواضع في مظهره. لكن ماريان كوي، الخبيرة بالأزياء الملكية تقول إن الرسالة التي يحملها هذا الزي عكس ذلك تماماً، فالأقمشة المستخدمة كانت تهدف إلى "الترويج للأزياء البريطانية، والتميز، كما أنّ تصميم الزي الأنثوي وألوانه الهادئة يحملان دلالات على الاستقرار، والقوة الناعمة فجسدت جوهر الأناقة البريطانية".

قد يعجبك أيضاً مجوهرات تاريخية ارتدتها الملكة إليزابيث الثانية يوم زفافها

الستينيات ورمزية الفستان الأزرق

مصدر الصورة Launchmetrics/Spotlight ©
 الملكة إليزابيث الثانية - (مصدر الصورة / CENTRAL PRESS / AFP)
قد لا تكون التنانير القصيرة وإطلالات الهيبيز التي طبعت الستينيات قد انعكست تماماً في أزياء الملكة، ولكننا رأيناها تُجرب المزيد من الألوان وحتى نقش جلد النمر- وتُغير من أشكال الأزياء، مثل المعاطف الطويلة والتنانير القصيرة. شهد هذا العقد ظهور بصمات أسلوبها المميز في اللباس: بدلاتها ذات التصميم الهندسي، واللؤلؤ، والدبابيس. كما شهد هذا العقد عشق الملكة للقبعات، من القبعات الصغيرة والفراء إلى القبعات المزينة بالزهور.

وفي العام 1960 ظهرت الملكة بالفستان الأزرق الطويل من الكرينولين وسترة البوليرو في حفل زفاف شقيقتها الأميرة مارغريت وازدانت إطلالتها بتفاصيل من الغيبور، تناغماً مع فستان العروس، وارتدته مع قبعة زرقاء مزينة بثلاث ورود حريرية زرقاء، يُعتقد أنها إشارة إلى اسم شقيقتها الصغرى الكامل، مارغريت روز. وقد حمل الفستان رسالة واضحة، وقدم لمحة عن لحظة تاريخية في بلد على أعتاب التغيير. فقد كان آخر مرة ترتدي فيها إحدى أفراد العائلة المالكة فستاناً طويلاً، باستثناء العروس. فبعد هذا التاريخ رفعت مصممة الأزياء البريطانية ماري كوانت طول التنانير وتغيرت الموضة. وبعد أن كانت تفضل الألوان الداكنة في شبابها، بدأ حب الملكة للون الأزرق من بين العديد من الألوان الزاهية الأخرى التي ارتدتها، ومن هنا يمكننا فهم تعلقها باللون الأزرق لأنه يبعث على الهدوء، ويعزز الثقة دون أن يكون صارخاً. إنها دبلوماسية الموضة.

السبعينيات مرحلة الملابس الهادئة

مع تغير العقد، بات من الواضح أن ذوق الملكة الراسخ سيبقى ولكن أسلوبها تطور عن الستينيات، فقد خضعت لتعديلات طفيفة خلال السبعينيات. لقد تبنّت درجات لونية أكثر هدوءاً، كالأخضر والخردلي والبني، بالإضافة إلى نقوش الأزهار التي أعاد المصمم ويليام موريس إحياءها والتي لاقت رواجاً كبيراً. كما ارتدت فساتين القمصان والعبايات.
لكن ما ظل ثابتاً هو التزامها بالتعبير عن الذات من خلال الأزياء. ففي عام 1977، خلال جولة ملكية في نيوزيلندا، ارتدت عباية ماورية فوق تايير برتقالي. وفي زيارة إلى المملكة العربية السعودية عام 1979، ارتدت تنورة طويلة باللون الأحمر وارتدت اللون الأصفر، أحد الألوان الوطنية الأسترالية، خلال زيارة قامت بها عام 1970. في تلك الحقبة كانت الملكة نفسها ترتدي فساتين سهرة فضفاضة ذات أكمام واسعة ونقوش حلزونية. ورغم مواكبتها لاتجاهات الموضة، إلا أن أسلوب الملكة المميز ظل أنيقاً للغاية، وبريطانياً بامتياز، ورصيناً.

حقبة الثمانينيات والعودة الى الأنوثة


وهو العقد الذي أصبحت فيه الملكة جدة. أصبحت أحذيتها ذات كعب منخفض، وحقيبة يدها السوداء من لونر لندن رفيقتها الدائمة. ورغم أن أسلوبها لم يتغير كثيراً، إلا أنه تبنى العديد من سمات ذلك العقد. اتسمت فساتينها الرسمية بأكمام منتفخة، وارتدت البلوزات ذات ربطة العنق، والزهور الجريئة، والألوان الباستيل. واتسمت إطلالتها بالرقة والأنوثة، ربما تأثراً بمشاركة امرأتين معها المناسبات الرسمية وهما، رئيسة مجلس الوزراء مارغريت تاتشر وكنتها الأميرة ديانا.

حقبة التسعينيات...خزانة ملأى بالألوان

وُلد لقب "ملكة الألوان" في التسعينيات، وهي مرحلة حافلة بالأحداث في حياة الملكة؛ إذ شهدت انفصال ثلاثة من أبنائها، وحريقًا كبيرًا في قلعة وندسور، إلى جانب الوفاة المأساوية لليدي ديانا. وفي ظل هذه التحديات، التي ترافقت مع تراجع شعبيتها للمرة الأولى، لجأت إلى أسلوبها الشهير في اعتماد الألوان الجريئة والموحّدة. ومع الوقت، تحوّلت هذه الخيارات إلى بصمة أيقونية عزّزت حضورها وجعلتها أكثر تميّزًا من أي وقت مضى.

العقد الأول من الألفية الجديدة

جسدت الألفية الجديدة منعطفاً جريئاً فاختارت الملكة لإطلالاتها ألوان جريئة، وقبعات رائعة، مع لآلئ، ودبابيس زينة، وتنانير من التويد، وحقائب يد سوداء. على مدى العقدين الأخيرين من حكمها، ومرت في وقت عصيب فقدت والدتها وشقيقتها الحبيبتين، وزوجها الأمير فيليب، الذي كان بمثابة "سندها وعونها". ولعل صورة الملكة، الأرملة الحزينة، جالسةً وحيدةً في جنازته، مرتديةً كمامة سوداء بسبب قيود كوفيد، ستظل من أكثر الصور رسوخاً في الذاكرة عن التزامها تجاه شعبها. فإذا كان على الآخرين أن يحزنوا وحدهم، فقد حزنت هي أيضاً. ومع ذلك، كانت تلك الفترة أيضاً فترةً ازدادت فيها مكانتها كرمزٍ أيقوني. خلال العشرين عاماً الأخيرة من حياتها، أصبحت بمثابة جدة الأمة؛ امرأة احتفلت بزفافين ملكيين، ويوبيلين، ودورة ألعاب أولمبية. قفزت من المروحيات مع جيمس بوند، وتناولت شطيرة مربى البرتقال مع الدب بادينغتون. خاطبت الأمة خلال فترة الجائحة، في الخطاب المتلفز، الذي ارتدت فيه اللون الأخضر رمزاً للأمل والبدايات الجديدة.

للمزيد بروشات مرصعة بالياقوت الأزرق امتلكتها الملكة إليزابيث.. تاريخ وعراقة

وفي صورتها الأخيرة، ارتدت زي أي جدة بريطانية، بتنورتها الاسكتلندية المنقوشة في إشارة إلى منزلها الاسكتلندي في بالمورال، وحملت حقيبتها السوداء رمزاً لثباتها. وتم تصويرها وهي تقوم بما اعتادت على أن تقوم به طوال حياتها: واجبها الملكي.