في عالمٍ يضجّ بالمقارنات والسباق المستمرّ نحو الإنجاز والكمال، أصبح كثيرون يشعرون بأنّ عليهم أن يتغيّروا بسرعة، وأن يصبحوا «أفضل» في أقصر وقت ممكن، وكأنّ التحسّن الذاتي سباق لا يحتمل التوقّف. غير أنّ هذا الضغط المستمرّ غالبًا ما يقود إلى الإرهاق ومحاسبة الذات والشعور بعدم الكفاية، بدل أن يقود إلى نموّ حقيقي ومتوازن.
أن تصبح نسخة أفضل من نفسك لا يعني أن تنكر إنسانيتك أو تحارب عيوبك، بل أن تتعامل معها بوعي ورحمة، وأن تسير في رحلة التحسّن بخطوات صغيرة وثابتة، تحترم إيقاعك الداخلي وحاجاتك النفسية. فالتحوّل العميق لا يصنعه التغيير القسري، بل يصنعه الوعي المتكرّر، والاختيار الهادئ، والالتزام اللطيف بالنموّ.
اختصاصية الصحة النفسية الدكتورة فرح الحر تشرح لـ"سيدتي" كيف تصبح نسخة أفضل من نفسك دون ضغط.
التحسّن الذاتي طريق هادئ نحو نسخة أفضل من أنفسنا

اختصاصية الصحة النفسية الدكتورة فرح الحر
توضح الدكتورة فرح بأنه " ليس المقصود من السعي إلى تطوير الذات أن نصبح أشخاصاً آخرين، ولا أن نعيش في سباق دائم مع ذواتنا، بل أن نتحرّك كلّ يوم بخطوة صغيرة، واعية ولطيفة، في الاتجاه الصحيح. فمن المنظور النفسي، يرتبط السعي إلى الكمال بارتفاع مستويات الأرق، وجَلد الذات، والإرهاق العاطفي. والنسخة الأفضل من الإنسان ليست نسخة خالية من العيوب، بل نسخة أكثر وعياً، وأكثر رحمةً بالنفس، وأكثر صدقاً مع احتياجاتها".
وترى إنّ "التحسّن الحقيقي لا يبدأ من فكرة "أنا ناقص"، بل من قناعة "أنا إنسان، وأستحقّ أن أنمو بهدوء".
قد يعجبك ما مستوى وعيك الذاتي؟.. طريقك نحو النضج وفهم الذات
وتضيف: إذا أردنا أن نتحسّن من دون ضغط، فإنّ البداية تكون من الوعي لا من مجرّد الرغبة في التغيير. فالدماغ لا يحبّ التغيير المفاجئ، لكنه يستجيب بقوّة للوعي المتكرّر. فعلى سبيل المثال:
بدل أن نقول: "يجب أن أتغيّر"، يمكننا أن نسأل أنفسنا: ماذا أحتاج اليوم؟ ماذا أحتاج الآن؟ ما الذي يرهقني فعلًا؟ ما السلوك الصغير الذي لو تغيّر لخفّف عنّي؟
فالتحسّن المستدام يبدأ من ملاحظة الأفكار، وفهم المشاعر، واحترام الإيقاع الداخلي لكلّ إنسان.
أما تطوير الذات اجتماعياً، فلا يعني الانعزال عن المجتمع. فكثيرون يشعرون بالذنب حين يقولون "لا"، أو حين يضعون حدوداً، أو حين يختارون أنفسهم، لكن الشخص المتوازن نفسياً هو الأقدر على العطاء الاجتماعي. فعندما نكون نسخة أفضل من ذواتنا، تتحسّن علاقاتنا الاجتماعية وتصبح أوضح، ويغدو تواصلنا أكثر صدقاً، وتُرسم الحدود الصحيّة بدل الوقوع في الاستنزاف.
وفيما يتعلّق بالخطوات العملية للتحسّن من دون إرهاق، تقول الحر: " فليس مطلوباً الإكثار من العادات أو فرض روتين صارم على النفس. لا حاجة إلى عشر عادات جديدة، ولا إلى قراءة خمسة كتب تطوير ذات في وقت واحد. يكفي اعتماد عادة واحدة، وفكرة صحيحة واحدة، وقرار واحد رحيم بالنفس."
و أشارت إلى أنه "من المهمّ تغيير لغة الحديث الداخلي؛ فبدل محاسبة الذات بعبارات مثل «أنا ضعيف» أو «أنا فاشل»، يمكن القول: "أنا أتعلّم"، أو "ما زلت في الرحلة"، أو "التجربة فشلت، لا أنا". فالعقل يتأثّر بالكلمات التي نكرّرها له".
كما أنّ الإصغاء إلى الصوت الداخلي واحتياجات الجسد ضرورة، ولا سيّما حين نحتاج إلى فترات توقّف. فالراحة ليست فشلًا، بل إعادة تنظيم وشحناً عاطفياً وعصبياً واستعادةً للتوازن؛ إذ إنّ النمو لا يحدث بالحركة وحدها، بل يحدث أيضاً في السكون والصمت.
والمقارنة لا تقتصر على وسائل التواصل الاجتماعي، بل تمتدّ إلى العائلة والعمل والعلاقات والعمر. لذلك من المهمّ أن نذكّر أنفسنا بأننا لسنا متأخّرين، بل نسير في مسار مختلف. وفي كلّ مقارنة ينبغي أن نسأل: ما الذي لا أراه في حياة الآخر؟ وما الإنجازات التي تجاوزتها ولم أعد أراها؟.

واعتبرت أنه "كما يحتاج الإنسان إلى تنظيف أفكاره، والتصالح مع مشاعره السلبية القديمة، واستخلاص الدروس منها، من دون التحدّث إلى نفسه بلغة الوجوب والإلزام القاسي، لأنّ ذلك يستنزف طاقته ويثقل رحلته." مشددة على ضرورة "مراقبة مصادر الاستنزاف الخفيّة، سواء كانت علاقات مُرهِقة، أو متابعة أخبار مُقلقة، أو أفكاراً متكرّرة، أو نمط حياة يفتقر إلى التوازن. فأحياناً لا يحتاج تحسين الحياة إلى إضافات جديدة، بل إلى إزالة ما يُثقِلها".
وأخيراً، لا بدّ من إعادة تعريف النجاح؛ فالنجاح النفسي قد يكون نوماً أفضل، وهدوءاً داخلياً، وحدوداً أوضح مع الآخرين. وليس كلّ نجاح ما يستحقّ التصفيق العلني. والأهمّ أن يكون الإنسان صديقاً لنفسه عند الخطأ، فيخاطبها كما يخاطب صديقاً عزيزاً، لأنّ النقد القاسي يخلّف آثاراً نفسية عميقة.
يمكنك أيضاً متابعة تطوير الذات من دون ضغط وبعيداً عن المقارنات في زمن السوشيال ميديا
كما تساعد الطقوس الصغيرة المنتظمة، مثل التنفّس قبل النوم، أو التأمّل، أو الكتابة، أو الامتنان ، على منح الدماغ شعوراً بالأمان والاستمرارية، وتدعم روتيننا اليومي بهدوء واستقرار.





