تمرّ مرحلة الشباب في حياة الإنسان بتحوّلات نفسية واجتماعية وجسدية عميقة تجعلها من أكثر مراحل العمر إثارة وتعقيداً في الوقت نفسه، وعلى الرغم من أنها تُعدّ رمزاً للحرية والقوة والطاقة، إلا أن الأبحاث النفسية كشفت أن هذه المرحلة تحمل واقعاً أكثر تعقيداً، بل حقائق صادمة كثيراً ما تُفاجئ الشباب أنفسهم، وأهلهم، والمجتمعات حول العالم، وفي السطور التالية نستعرض أبرز هذه الحقائق.
مرحلة الشباب ليست مجرد مرحلة انتقالية

يُميّز الباحثون في علم النفس بين المراهقة ومرحلة الشباب، ويطلقون على الشريحة العمرية تقريباً من 18 إلى 29 عاماً مفهوماً علمياً جديداً يُعرف بـEmerging Adulthood أو البلوغ الناشئ، باعتبارها مرحلة مستقلة في التنمية النفسية، وهذه المرحلة تعتبر فترة بين النضج والجذر الكامل للهوية، حيث يستمر الشخص في استكشاف خيارات الحياة، العلاقات، العمل، وشكل الحياة المستقبلية بعيداً عن الاعتماد الكامل على أي طرف آخر، بحسب pubmed.
وهذا يضع الشباب في موقع فريد، فهم ليسوا بعد "أطفالاً" ولا "بالغين مكتملين"، بل في مساحة وسطى تحمل الكثير من التوتر وعدم الاستقرار، ما يجعلهم يواجهون دوافع وطموحات قوية وفي نفس الوقت ضغطاً نفسياً شديداً نتيجة تلك المتغيرات.
الاستقلالية الكبيرة قد تكون مصدر أزمات نفسية
على عكس الاعتقاد الشائع بأن الاستقلالية في مرحلة الشباب تمنح حرية وسعادة، فإن الدراسات النفسية كشفت أن الاعتماد على النفس في هذه المرحلة يمكن أن يكون سلاحاً ذا حدين، فالشباب غالباً ما يشعرون بضغط نفسي كبير بسبب التوقعات العالية من المجتمع، مثل النجاح المهني، العلاقات العاطفية المثالية، والمسار الوظيفي المستقر، ويكشف تقرير حديث أن نسبة القلق والاكتئاب بين الشباب تفوق نظيرتها في المراهقين أو البالغين، حيث يبلغ عدد الشباب الذين يشعرون بالقلق والاكتئاب ضعف معدلهم مقارنة بالمراهقين في بعض الدراسات، بحسب gse.harvard.edu.
يعود ذلك جزئياً إلى شعور الشباب بأنهم بين مرحلتين، ليسوا تحت رعاية الطفولة، وليسوا أيضاً في مرحلة نضج كاملة، مما يولّد في داخلهم شعوراً بعدم اليقين أو المكان الذي ينتمون إليه في الحياة.
عدم الاستقرار في العلاقات والعمل: واقع أكثر صدمة

من الحقائق التي ربما تذهل كثيرين أن مرحلة الشباب تُعدّ الأكثر عدم استقراراً في دورة الحياة، وتُظهر الأبحاث أن تغيرات العلاقات العاطفية، والتحوّلات في سوق العمل والوظيفة، والتبدّل السريع في بيئة التعليم أو العمل تحدث بشكل متكرر مقارنة بأي مرحلة عمرية أخرى.
وهذا العدم الاستقرار لا يقتصر فقط على الجانب الخارجي، بل يمتد إلى الداخل النفسي؛ فالشباب غالباً ما يواجهون قرارات حياتية مصيرية، مثل اختيار شريك الحياة المناسب، مسارهم المهني، والمستوى المعيشي، في وقت لا يشعرون فيه دائماً بأنهم يمتلكون الخبرة أو الموارد الكافية لاتخاذ هذه القرارات بحزم.
فعلى سبيل المثال، في العديد من البلدان المتقدمة اليوم، تأخر الدخول في الزواج، العمل المستقر، أو الاعتماد المالي الكامل على الذات جعل مرحلة الشباب ممتدّة أكثر من أي وقت مضى، مما يخلق شعوراً "بحالة بين" لا نهاية لها بالنسبة للكثيرين، بحسب researchgate.
المخاطر الصحية والنفسية أعلى مما تتوقع
العديد من الدراسات النفسية والطبية تشير إلى أن مرحلة الشباب ليست فقط مرحلة اكتشاف، بل مرحلة تعرض كبيرة للمخاطر الصحية الجسدية والنفسية، وتشمل هذه المخاطر:
- الصحة النفسية:
- ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب بين الشباب مقارنة بالفئات العمرية الأخرى.
- ضعف في طلب العلاج النفسي رغم انتشار الأعراض بين الشباب.
- الصحة الجسدية:
- معدلات السمنة لدى الشباب أكثر انتشاراً مقارنة بالمراهقين.
- ارتفاع مخاطر الأمراض المصاحبة لاحقاً نتيجة أنماط حياة غير صحية (قلة الحركة، استهلاك غير متوازن للطعام).
وهذه الحقائق ليست مجرد أرقام: إنها تحذّر من أن الشباب ليسوا في "أفضل أيام حياتهم" بالضرورة، بل قد يكونون في أكثر الفترات الصحية هشاشة إذا لم يحصلوا على دعم نفسي واجتماعي مناسب.
السلوكيات عالية المخاطر تنتشر بشكل أكبر
ترتبط مرحلة الشباب أيضاً بزيادة محسوسة في سلوكيات عالية المخاطر، سواء كانت اجتماعية أو صحية أو سلوكية، وقد أظهرت الدراسات أن الشباب في هذه المرحلة خصوصاً خلال فترة الاستكشاف الذاتي، يكونون أكثر عرضة للمخاطر مثل القيادة الخطرة والتورط في حوادث، واختيار علاقات غير آمنة أو اتخاذ قرارات محفوفة بالمخاطر.
وهذا يعكس حقيقة أن مرحلة الشباب ليست فقط عن الحرية والفرص، بل عن التجارب التي قد تؤدي إلى عواقب طويلة الأمد على الصحة الجسدية والعقلية إذا لم يتم التعامل معها بوعي.
أزمة الربع العمري Quarter-Life Crisis ضغط لا يُستهان به
في السنوات الأخيرة بدأ علماء النفس في دراسة ظاهرة أزمة الربع العمري (Quarter-Life Crisis)، وهي أزمة وجودية تواجه الشباب في أوائل العشرينيات، وتُعرف هذه الحالة بعواطف من عدم اليقين، القلق حول المسار المهني والحياة الشخصية، وفقدان الإحساس بالهدف، وهي ليست تشخيصاً رسمياً ولكنه مفهوم نفسي يُعبر عن تحديات واقعية يواجهها الكثيرون.
وبالرغم من أنها قد تبدو مجرد ضباب عابر، إلا أن هذه الأزمة قد تؤدي إلى انخفاض في تقدير الذات، تفكير سلبي مطوّل، أو حتى تغييرات حادة في المسار الحياتي لدى أعداد كبيرة من الشباب، وقد تحتاج لدعم اجتماعي ونفسي فعال لتجاوزها.
لماذا هذه الحقائق صادمة؟

قد يبدو الكثير من هذه الحقائق غير بديهي عندما نفكر في مرحلة الشباب باعتبارها قمة الحياة بحيويتها وطموحاتها، لكن العلم الحديث يُظهر أن الشباب هم في الواقع تحت ضغط نفسي وجسدي واجتماعي كبير، يتطلب فهماً أعمق، دعماً اجتماعياً مناسباً، ونظاماً صحياً ونفسياً فعالاً.
وإن إدراك هذه الحقائق، بعيداً عن المبالغة، يجعلنا جميعاً كأفراد ومجتمعات، أقدر على تقديم الدعم الحقيقي للشباب في هذه المرحلة المفصلية من حياتهم، بدلاً من الاكتفاء بنظرة سطحية مبنية على الصور المثالية في الإعلام والمجتمع.
قد يعجبكِ متابعة الكسل الرقمي وتأثيره على إنتاجية الشباب





