في عالمٍ يتّسم بالسرعة، والمقارنات المستمرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتضخّم التوقّعات من الذات والآخرين، يجد كثير من الشباب والفتيات أنفسهم في سباقٍ مرهق لإثبات القيمة والنجاح. تتشابك الضغوط الدراسية والمهنية والاجتماعية مع أسئلة الهوية والمعنى، فينشأ شعورٌ داخلي بالتشتّت أو القلق أو عدم الرضا، حتى لدى أولئك الذين يبدون “ناجحين” في الظاهر.
التوازن الحقيقي يبدأ بفهم الذات والاعتناء بها

بناء حياة متوازنة وواعية لا يعني السعي إلى الكمال، ولا التشبّه بنماذج جاهزة يفرضها المجتمع أو تصنعها الصورة الرقمية اللامعة. بل يبدأ من فهمٍ أعمق للذات، والقدرة على الإصغاء للاحتياجات الداخلية، واتخاذ خطوات صغيرة يومية، واعية ولطيفة، في الاتجاه الصحيح. إنّ الوعي الذاتي هو حجر الأساس في هذا المسار؛ فهو يمكّن الإنسان من التمييز بين ما يريده حقاً وما يُملى عليه، وبين طموح صحي يدفعه إلى النمو، وضغطٍ داخلي يستنزفه ويقوده إلى جلد الذات والإرهاق.
ومن هنا، تبرز مجموعة من المفاهيم الأساسية التي يحتاج كل شاب وفتاة إلى استيعابها في مرحلة بناء الذات وتشكيل ملامح الحياة المستقبلية؛ مفاهيم تتعلّق بإدارة المشاعر، وبناء العلاقات الصحية، وتحديد الأولويات، والتعامل مع الفشل والنجاح بوعي ونضج، والحفاظ على التوازن بين الطموح والراحة النفسية. فالحياة المتوازنة ليست غياب المشكلات، بل القدرة على التعامل معها بمرونة ووعي، وتحويل التجارب اليومية – بما فيها التعثّر – إلى فرص للتعلّم والنمو الداخلي.
النضوج ليس في أن تصبح شخصاً آخر، بل في أن تتعرّف إلى نفسك أكثر، وتتصالح مع عيوبك، وتعمل عليها بلا قسوة.
كل شاب وفتاة بحاجة إلى أن يفهما أن الطريق إلى حياة متوازنة ليس مستقيماً دائماً، وأن التعثّر جزء من الرحلة، وأن الرحمة بالذات ليست ترفاً بل ضرورة.
حين نفهم هذه الحقائق البسيطة بعمق، نبدأ ببناء حياة أكثر وعياً، وأقل ضغطاً، وأكثر انسجاماً مع ذواتنا الحقيقية.
ما رأيك متابعة لماذا يكرر الشباب والبنات نفس الأخطاء؟
وجهة نظر أهل الاختصاص


الاختصاصية في الصحة النفسية ساندرا فاعور تعرض الأشياء التي يجب أن يفهمها كل شاب وفتاة، من خلال طرح التساؤل الآتي:
ما هي الأمور التي نتمنّى لو فهمناها في وقت أبكر، قبل بعض الاختيارات، قبل بعض التعلّقات، قبل أن نخلط بين شدّة المشاعر والحبّ، أو بين الصمت والسلام؟
وتجيب بالقول:" بعض الدروس لا تصل عبر النصائح أو التحذيرات. إنّها تأتي بهدوء، عبر التجربة، ومن خلال علاقات تعيد تشكيلنا، وخيبات تكسّر غرورنا، ولحظات وعي تغيّر الطريقة التي نرى بها أنفسنا والآخرين."
وتشير إلى أن "هذه التجارب لا تصرخ، ولا تطالب بالكمال. إنّها تبقى معنا بهدوء، وتؤثّر في طريقة اختياراتنا، وفي كيفيّة حبّنا، وفي رسم حدودنا، وفي عودتنا إلى ذواتنا حين تُثقِلنا الحياة."
وتعدد "لكل شابّ وفتاة يخوضان رحلة النموّ، وبناء الهويّة، والبحث عن التواصل؛ حقائق تستحقّ أن نحتفظ بها في وعينا.
إليكِ 10منها:
- النضج لا يُقاس بالعمر، بل بالوعي: قد تكبر في السنّ دون أن تزداد حكمة، وقد تنضج مبكراً حين تتعلّم كيف تُصغي إلى الحياة.
- الحبّ لا يُثبت بالتضحية الدائمة: من يهتمّ بك حقّاً لن يطلب منك أن تفقدي ذاتك كي تبقي معه.
- النجاح ليس دائماً صاخباً: بعض أعمق الإنجازات يحدث في صمت، من دون تصفيق أو أضواء.
- ليس كلّ ردّ فعل يستحقّ طاقتك: السلام غالباً يأتي من اختيار ضبط النفس، لا من ربح كلّ جدال.
- الحدود ليست نقصاً في الحبّ: إنّها شكل من أشكال احترام الذات، ومرشّح يبيّن من يستحقّ مكانه الحقيقي في حياتك.
- الشفاء ليس مساراً مستقيماً: قد يبدو التقدّم قوّة في يوم، وهشاشة في يوم آخر؛ وكلاهما جزء من النموّ.
- المقارنة تُشوّه الواقع: ما ترينه في الآخرين غالباً مجرّد جزء من الصورة، لا الصورة كاملة.
- أن تكوني مطلوبة ليس كأن تكوني مُقدَّرة: الخلط بينهما يقود إلى إرهاق عاطفي.
- قد يوجد الشعور بالوحدة حتّى داخل العلاقات: الحضور ليس مجرّد قربٍ جسدي، بل اتصال عاطفي.
- قيمتك ليست شيئاً تُثبتينه أو تكسبينه: هي موجودة قبل الإنجاز، وقبل القبول، وقبل أيّ تصديق خارجي.
قد يعجبك التحديات التي يواجهها الشباب في بناء هويتهم
وتختم فاعور بالقول: "في عالمٍ يدفع الشباب نحو الأجوبة السريعة، واليقين الجاهز، والتصنيفات، يمنح فهم هذه الحقائق شيئاً أهدأ: الوضوح.
ليس الوضوح الذي يُلغي الصراع، بل الذي يسمح لنا بالعبور خلاله بقدر أكبر من الوعي، والرحمة، واحترام الذات.
أحياناً، أن نعرف أقلّ ولكن نفهم أفضل، هو حيث يبدأ النموّ الحقيقي."





