تعيش كل الأجيال وسْط ضجيج من الإشعارات، ورغم أن جيل زد قد يكون المستهلك الأبرز للهاتف ومواقع التواصل الاجتماعي، لكن يبدو أنه سئم هذا الصخب، وبات يبحث عن العزلة.
جيل زد (المولود بين عامي 1997 و2012) لديه صورة نمطية شائعة تشير إلى أنه غارق في الشاشات، إلى حدٍ جعله منفصلاً عن الواقع. إلا أن المؤشرات السلوكية والدراسات الحديثة تقول، إن هذا الجيل يعيش عزلة مختارة.
وللحديث عن هذه الظاهرة، التقت «سيّدتي» الدكتورة دانا صافتلي، مدربة قادة شباب، كوتش رؤيوي، ومصممة برامج تدريبية وتعليمية قيادية. وقالت إن هذا السلوك لا يمثل انسحاباً سلبياً أو هروباً من المواجهة؛ بل هو ممارسة واعية، وإستراتيجية دفاعية لاستعادة التوازن النفسي والمعرفي في زمنٍ يفيض بالصخب المعياري والديجيتالي.
إعداد: إيمان محمد
لماذا يبحث جيل زد عن العزلة؟
ترى "صافتلي" أن العزلة المؤقتة لم تعُد مجرد خَيار ترفيهي؛ بل تحولت إلى أداة تنظيمية يفرضها المنطق الذاتي لحماية الهوية. وتضيف: "تشير تقارير بحثية دولية صادرة عن مراكز رصد السلوك الشبابي إلى أن أكثر من 70% من الشباب ينخرطون بشكل دوري فيما يُعرف بـ الديتوكس الرقمي".
وتقول: "تتعدد آليات هذا التنظيم السلوكي؛ بدءاً من التعطيل الدائم للإشعارات غير الضرورية، مروراً بتخصيص ساعات يومية صارمة بلا هاتف، وصولاً إلى الانسحاب النهائي والمغادرة الطوعية لمجموعات التواصل الفوري المرهِقة مسببة التشتت. هذه الخطوات تعكس وعياً متقدماً بخطورة التدفق المعلوماتي المستمر، واستجابةً مباشرة لضغوط عالم لا يهدأ".

ماذا تعني العزلة لجيل زد؟
بحسب صافتلي: "لا يتعامل جيل زد مع مفهوم العزلة بوصفه مرادفاً للوحدة القاتلة أو العزوف الاجتماعي؛ بل يراها مساحة معرفية مستقلة تُستعاد فيها القدرة المفقودة على التفكير العميق والتحليل النظري". وتوضح: "ففي بيئة رقمية تتكدس فيها البيانات والمعلومات بشكل عشوائي، يصبح الصمت شرطاً أساسياً للفهم. والانسحاب المؤقت هو الوسيلة الوحيدة لإعادة ترتيب البيت الداخلي".
وتضيف: "العزلة هنا ليست انقطاعاً عن حركة العالم؛ بل عودة مكثفة إلى الذات، لحظةٌ واعية ينسحب فيها الفرد من ضجيج الآراء المسبقة والتقييمات الافتراضية؛ ليصغي إلى صوته الداخلي. إنها عملية أشبه بإعادة تشغيل كاملة للنظام النفسي والعقلي؛ حيث يهدأ التوتر، وتستعيد الروح إيقاعها الطبيعي بعيداً عن لغة الأرقام والتفاعلات المزيفة".
أسباب ميل جيل زد للعزلة
تؤكد دانا صافتلي، أن هناك عدة عوامل نفسية واجتماعية تفسّر هذا التوجُّه نحو العزلة، ويمكن حصرها في أربعة دوافع رئيسية:
ضغط الحضور الدائم
تُظهر دراسات علم النفس الرقمي، أن ثقافة الظهور المستمر والجاهزية الدائمة للرد على المنصات، تخلق مستويات حادة من القلق النفسي ومتلازمة المقارنة الاجتماعية المستمرة (FOMO). لذا، تتحول العزلة إلى آلية دفاعية تحمي الهوية الفردية من الذوبان والتشتت.
الحاجة إلى المعنى والغاية
يُصنَف جيل زد بأنه الجيل الأكثر طرحاً لأسئلة الهوية والوجود. وتوفّر العزلةُ المساحةَ الزمنية اللازمة للتفكير النقدي بعيداً عن خوارزميات توجيه المحتوى السريع؛ مما يسمح لهم بالإجابة عن الأسئلة الجوهرية: مَن أنا؟ ماذا أريد؟ وكيف أعيش؟
استعادة القدرات الإبداعية
إن عملية الإبداع تتطلب مُناخاً من الفراغ الذهني. وفي عالم مكتظ بالمحفزات البصرية والسمعية، تصبح العزلة بمثابة المختبر الداخلي الخاص الذي يعيد تشكيل الخيال، ويمنح الأفكار والمشاريع الناشئة فرصةً حقيقية للنموّ والنضج.
مقاومة ثقافة الإنتاجية المفرِطة
يرفض جيل زد المعادلة الرأسمالية التقليدية القائلة بأن قيمة الإنسان تتحدد بما ينجزه فقط. العزلة بالنسبة لهم هي شكل من أشكال الاحتجاج الهادئ على ثقافة السرعة، وتذكيرٌ صريح بأن البطء والتأمل يمثلان أحياناً فعلَ مقاومة مشروع.

هل جيل زد يعاني من الوحدة؟
وترى صافتلي، أنه على الرغم من الميل الواضح لجيل زد نحو الانفراد الفردي، إلا أنهم لا يعانون من قطيعة مع العلاقات الإنسانية الواقعية. على العكس تماماً، أظهر هذا الجيل وعياً حاداً في اختيار دوائره الاجتماعية المحيطة، وبات أكثر حساسية تجاه جودة التواصل ونوعيته بدلاً عن التركيز على الكم والعدد.
هل العزلة المُختارة اتجاه صحي؟
تشير الأبحاث والتحليلات النفسية إلى أن العزلة تتحول إلى معضلة مرَضية فقط عندما تصبح انسحاباً دائماً وقطيعة كلية مع المجتمع، كحالات الانكفاء السلبي. أما عندما تكون قراراً واعياً ومؤقتاً لاستعادة الذات وتنظيم الأفكار؛ فإنها تتحول إلى ممارسة سلوكية ناضجة تعكس قدرة عقلية عالية على التنظيم الذاتي.
وتختتم د. دانا صافتلي حديثها قائلة: "يقدّم جيل زد من خلال هذا السلوك درساً بنيوياً للمجتمعات الحديثة: ليس المطلوب منا أن نكون متاحين رقمياً على مدار الساعة، ولا أن نعيش في حالة بث وتلقٍ مستمر. أحياناً، يكفي أن نختار الصمت التام لنتمكن من سماع أنفسنا وفهم احتياجاتنا الحقيقية".
اقرأي أيضاً دليل الطالب الجامعي: كيف تتخلص من فوبيا الكلام في المدرج؟

Google News