من الدرعية، مهد الإلهام وأيقونة التاريخ السعودي العريق، انطلق معرض «هالة الدرعية» في أولى خطواته؛ ليكون تجربة استثنائية تتناغم فيها الأصالة التراثية مع روح العصر الحديث. هنا، تُروى حكايات نجاح لمصممين ومصممات من مختلف أنحاء العالم، مبدعين نسجوا تجاربهم بشغف وإصرار؛ فاستحقوا اختيار المنظمين الذين حرصوا على دمج خبرات متنوعة لإخراج هذا الحدث بصورة فريدة.
خلف هذا الإطار الإبداعي، يقف ثلاثة طموحين سعوديين: المصورة الفوتوغرافية سارة المهنا، والمدون خالد أبوثنين، ومصممة الديكور خلود العواجي؛ صاغوا معاً حدثاً يزخر بقصص ملهمة تستحق أن تُروى.
بين شغف الفن وعقلية التنظيم الدقيقة

المصورة الفوتوغرافية وأحد المنظمين الرئيسيين لمعرض "هالة الدرعية"، سارة المهنا، أكدت أن المعرض هو ثمرة تمازج فريد بين شغف الفن وعقلية التنظيم الدقيقة.
وفي لقاء خاص مع "سيدتي"، كشفت عن كواليس اختيار المصممين والتحديات التي واجهتها في أولى تجاربها التنظيمية.
في بداية الحوار استعادت المهنا العناصر التي صقلت رؤيتها المهنية قائلاً: "التعامل مع الناس من عمر صغير كان ركناً أساسياً في مسيرتي، علمني أن أفهم اختلاف الشخصيات والبيئات والثقافات، وكيف أحتوي الناس وأتواصل معهم بسهولة".
وأضافت: "هذا الأمر كوَّن لديَّ حساً عالياً في قراءة المشاعر والتعامل مع المواقف بمرونة، وصقل شخصيتي المهنية بشكل كبير، حتى وصلت للأسلوب الذي أعمل به اليوم".
وعن الفلسفة التي تحكم مشاريعها، أكدت المهنا أن شعار "الجودة قبل أي شيء" هو المحرك الأساسي لكل خطوة تخطوها، سواء كان ذلك خلف عدسة الكاميرا أو في تنظيم المعارض.
وعن هذين المجالين، اعتبرت سارة المهنا أنهما مجالان مكملان لبعضهما بعضاً؛ فتصوير الحفلات يتطلب قدراً عالياً من التنظيم وإدارة الوقت والفريق والتعامل مع الظروف الطارئة، وأردفت: "هذا ما سهل عليَّ تجربة تنظيم المعرض، ووجدت نفسي كثيراً في هذا المجال، وكانت تجربة أولى سلسة وجميلة، وتجاوزت تحدياتها بفخر ولله الحمد".
وفيما يخص معايير اختيار المشاركين في المعرض، شددت المهنا على أن التركيز انصب على "اختيار مصممين يتمتعون بالجودة والتميز، والبحث عن الأسماء غير المكررة لتقديم تجربة بصرية جديدة ومختلفة للجمهور".

وحول ما إذا استوقفتها قصة ملهمة وراء إحدى القطع أو المجموعات المعروضة، أشارت المهنا إلى عمل المصممة ابتسام العنقري، التي ابتكرت أسلوباً فنياً عبر تحويل اسم علامتها التجارية إلى ترددات صوتية مطرزة على الجلابية بأسلوب فني مبتكر وجذاب، واصفة العمل بأنه مزيج ملهم بين الفن والإحساس.
وختمت حوارها برسالة موجهة لشركاء النجاح، المصممين والمصممات، الذين شاركوا في تحويل الرؤية إلى واقع ملموس، قائلة: "أتوجه بجزيل الشكر والامتنان لكل المصممين والمصممات على ثقتهم الغالية، خصوصاً أن هذا أول معرض لي في مجال التنظيم. هذه الثقة كانت مسؤولية كبيرة ومصدر فخر، ومن دون تعاونهم وشغفهم لما تحولت رؤيتنا إلى واقع جميل؛ لذلك أنا ممتنة لكل اسم آمن بالفكرة وشاركنا هذا النجاح".
قد يهمكم أيضاً أن تطلعوا على تفاصيل معرض من الأرض: من تكنولوجيات أرضية إلى بيولوجيات حاسوبية في الدرعية
بلمستنا وهُوِيَّتنا السعودية

تحدث خالد أبوثنين، المدون عبر وسائل التواصل الاجتماعي وأحد منظمي معرض "هالة الدرعية"، أن القاعدة المهنية التي تشكل بوصلة قراراته في قطاع الثقافة والمعارض هي القرب من المشتركين والحرص على نجاحهم، وقال في حديث خاص لـ"سيدتي": "أعمل في مجال المعارض مشاركاً ومنظماً منذ عام 2010، وأدركت خلال ذلك أن سر نجاح أي معرض يكمن في القرب من المشتركين والحرص الشديد عليهم، ومساعدتهم قدر الإمكان في كل التفاصيل، وصولاً إلى مرحلة البيع؛ فنحن نساندهم في كيفية مواجهة الجمهور، ونسوِّق لهم ليس عبر وسائل التواصل الاجتماعي فحسب، بل من خلال التسويق الحضوري في الوقت ذاته".
واستكمل أبوثنين الحديث عن مسيرته في مجال المعارض التي تُوجت بشراكة في شركة دعاية وإعلان وتنظيم معارض، تدعم المصممين السعوديين والخليجيين والعرب، معرباً عن طموحه للتوسع في تنظيم المعارض على مستوى الدول العربية.
وأكد: "أنا محب لأجواء المعارض وتجذبني دائماً المعارض المميزة والتقليدية التي تخدم المواسم وما يُقدم فيها. ومع ذلك، أحرص في كل معرض أزوره على رصد الجوانب اللافتة فيه. ونحن بدورنا، في كل معرض ننظمه أو نشارك فيه، نحرص تماماً على اختيار المشاركين الذين يقدمون للزوار أكبر فائدة ممكنة".

وبالنسبة لمعرض "هالة الدرعية" تحديداً، الذي صُمم ليكون معرضاً مخصصاً للوازم الرمضانية أوضح أن اختيار "الدرعية" بوصفها وجهة للمعرض أضفى تجربة جمالية فريدة للزوار، واعتبر أن "إقامة المعرض في الدرعية كان اختياراً موفقاً؛ فهي تُعَدُّ من أهم المناطق التاريخية والحضارية في المملكة. وما شهدته من تطور مؤخراً بفضل الجهات المسؤولة جعل منها إضافة جمالية للمكان، سواء بموقعها الجغرافي أو إطلالاتها التاريخية".
وأضاف: "لقد كانت تجربة رائعة، حيث رأينا الزوار يقضون ساعاتٍ طوالاً في الطابق الثاني حيث المنطقة المكشوفة المطلة على أجمل المناظر والمواقع".
وأرجع أبوثنين نجاح المعرض إلى التفاصيل التي لا تظهر للجمهور وأبرزها التوافق بين الفريق بوصفه مؤسسين ومسوقين وفريق التواصل الاجتماعي، وأكد: "هناك تناغم كبير بيننا وكذلك بيننا وبين المشتركين. لقد بنينا علاقة تواصل عميقة جعلت الجميع يشعرون وكأننا نعرف بعضنا بعضاً منذ زمن، وهذا هو الهدف الذي سعينا إليه؛ أن يكون المعرض إيجابياً في كل خطوة. والحمد لله، جاءت النتائج مرضية من حيث الحضور وردود الفعل، وبمشاركة مميزة من المصممين والمصممات من السعودية والعالمين العربي والأجنبي، والجميع استمتع بالتجربة وشهد المعرض إقبالاً كبيراً ومبيعات مميزة".
كما أشاد بدور سارة المهنا في التنظيم، واصفاً إياها بالشخصية المعطاءة والحريصة على تذليل العقبات وقال: "عندما أستخدم وصف «أخ وأخت» في وسائل التواصل الاجتماعي، فهي كلمة تحمل تقديراً كبيراً لا تُقال لأي شخص. وسارة فعلياً أعتبرها أختاً لي، ومعرفتي بها تمتد سنواتٍ، ولكن هذا المعرض كشف لي مدى حرصها على الجميع وعطائها المعهود. لقد كانت حريصة جداً على مصلحة المشتركين وعلى التفاهم والتنسيق مع الجهات المسؤولة في المنطقة".
وكشف أن ارتباط المساحة بالدرعية رفع مستوى الإبداع لدى المشاركين، قائلاً: "بمجرد معرفة المشاركين بأن المساحة تقع في الدرعية، بادر الكثير منهم بابتكار أعمال خاصة للمنطقة، واضعين بصماتهم وإبداعاتهم بهُوِيَّة تعكس وتعبِّر عن روح الدرعية".
واختتم بالإشارة إلى الإقبال الكبير الذي شهده "هالة الدرعية"، موضحاً: " "تلقينا طلبات كثيرة والعديد من المشتركين لم يحالفهم الحظ بسبب ضيق الوقت والمساحة؛ فقد حرصنا على أن يكون العدد مختصراً لضمان استفادة الجميع، ولتكون المساحة مريحة للعين وللزوار. وهناك مطالبات لنا بتنظيم معارض أخرى، ونطمح إن شاء الله لإقامة معارض دورية متخصصة، كما نطمح لدعوة علامات تجارية عالمية ومبدعين لننظم لهم معارض بلمستنا وهويتنا السعودية".
الحداثة تحتضن التاريخ ولا تلغيه

مصممة الديكور خلود العواجي، من المنظمين الرئيسيين لمعرض "هالة الدرعية"، تحدثت عن العناصر الرئيسية للهُوِيَّة البصرية لمعرض هالة الدرعية، مؤكدة أنها استلهمتها من روح الدرعية نفسها؛ من تاريخها، من الأرض، ومن تفاصيلها الأصيلة، وقالت: "العناصر التراثية كانت روح المعرض، وبالأخص النخل والإبل؛ لأنها تمثل عمق الهُوِيَّة السعودية، ووجودها أعطى المكان إحساساً بالانتماء، وربط الزائر بالذاكرة والهُوِيَّة بشكل مباشر، لكنني حاولت أن أعكس جمال التراث السعودي بأسلوب معاصر، فقدمت العناصر بطريقة حديثة تحاكي الذوق المعاصر وتحترم المكان في الوقت ذاته".
وبالنسبة لكيفية الجمع بين عراقة وتاريخ المكان وبين حداثة التنظيم والأسلوب العصري، أكدت العواجي أن "المعادلة كانت في التوازن، لا في التنافس"، مشيرة إلى أنها حرصت أن يكون التصميم امتداداً للمكان لا غريباً عنه، قائلة: "اخترت خطوطاً نظيفة وتنظيماً عصرياً، مع خامات وألوان مستوحاة من البيئة النجدية؛ ليشعر الزائر أن الحداثة تحتضن التاريخ ولا تلغيه".
واستطردت مؤكدة أنها بوصفها مصممة، أقرب زاوية لقلبها هي تلك التي تجتمع فيها العناصر التراثية مع التفاصيل الحديثة؛ لأنها تعبِّر عن فلسفتها في التصميم، حيث إنها لا ترى التراث بوصفه ماضياً، بل بوصفه حاضراً متجدداً.

وعن الأدوات المستخدمة، أشارت العواجي إلى الاعتماد على خامات طبيعية وألوان دافئة تحاكي لون الأرض والطين، مع توزيع إضاءة مدروسة تعزز إحساس الهدوء والفخامة، وأوضحت: "أردنا أن يشعر الزائر عند عبوره من باب المعرض بالاحتواء والدفء، وكأنه انتقل إلى مساحة تحكي قصة وليست مجرد معرض".
وذكرت أن التحدي الأكبر بالنسبة لها باعتبارها مصممة ومنظمة كان يتمثل في احترام القيمة التاريخية للمكان مع تقديم تجربة معاصرة متكاملة، وأكدت: "كان من المهم أن نعمل بدقة عالية دون المساس بهُوِيَّة الموقع، مع الالتزام بالتنظيم والوقت وجودة التنفيذ".
وأضافت: "عندما أصبحت الفكرة تتحول إلى مشروع متكامل يُنفذ باحتراف، ويُدار بفريق، ويترك أثراً حقيقياً لدى الزوار، أدركت أن الشغف أصبح مسؤولية وقيادة".
وفيما يخص الجانب التنظيمي، أشادت العواجي بالتكامل والانسجام مع شركائها سارة المهنا وخالد أبوثنين، مؤكدة أن روح الفريق كانت المحرك الأساسي لنجاح الحدث، وأكدت: "كل شخص كان يكمل الآخر برؤيته وخبرته، والعمل بروح الفريق جعل اتخاذ القرارات وتنفيذها أكثر سلاسة، والنتيجة كانت تجربة متكاملة تعكس هذا التعاون".
ونوَّهت بالدور الريادي للمرأة السعودية اليوم، واصفة إياها بالشريك الأساسي في صناعة المشهد الإبداعي والوطني، وقالت: "نرى بصمتها واضحة في القيادة، والتنظيم، واتخاذ القرار، وهذا يعكس الثقة الكبيرة بقدراتها وإبداعها".
اختتمت العواجي حديثها بنظرة متفائلة لمستقبل الفعاليات الثقافية في المملكة، الذي تقوده وفق قولها عقول سعودية مبدعة، قادرة على تقديم فعاليات تحمل الهُوِيَّة المحلية بأسلوب عالمي، مؤكدة أن ما يحدث اليوم هو بداية لمرحلة من النضج الثقافي والإبداعي الكبير في المملكة.
لقطات من الحدث:












اقرؤوا أيضاً: 30 فناناً يستعرضون طقوس ليلة العمر في الفن المعاصر بالدرعية





