في عالمٍ تتسارعُ فيه الإيقاعات، وتُختزلُ التجربةُ الإنسانيَّةُ في الاستهلاكِ والإنجازِ السريع، تظهرُ رائدةُ الأعمالِ الكازاخستانيَّة جولنار تينديباييفا Gulnar Tyndybaeva بصوتٍ مختلفٍ. إنه صوتٌ يدعو إلى التمهُّلِ، والعودةِ إلى الجوهر، وإعادةِ بناءِ العلاقةِ مع الذاتِ، والجسدِ، والزمن. في هذا الحوار، تأخذنا جولنار إلى ما وراء الألقابِ والمنتجات، إلى رحلةٍ داخليَّةٍ تشكَّلت من الفقدِ، والوعي، والإبداعِ الصادق، لتكشفَ لنا أهميَّةَ البساطةِ في عالمٍ كثر فيه الضجيج، وكيف للملابسِ أن تُصبح تجربةً روحانيَّةً، تتخطَّى المظهر.
حوار | رنا الطوسي Rana Al Tousi
تصوير فوتوغرافي | ماريا دي سوزا Maria D›Souza
مكياج | لينا قادر Lina Qader
شعر | عماد غزالي Emad Ghazali
موقع التصوير | دبي - AUTHENTICA World
جولنار تينديباييفا

بدايةً، مَن جولنار تينديباييفا بعيداً عن الألقابِ والعلاماتِ التجاريَّة؟
أنا امرأةٌ عاشت حيواتٍ كثيرةً داخلَ حياةٍ واحدةٍ: أنا الابنةُ التي تعلَّمت مبكِّراً معنى الفقد، والأمُّ التي نضجت، ونمت مع أطفالها، والباحثةُ التي لم تقبل يوماً بالإجاباتِ السطحيَّة. أنا شخصٌ تحطَّمَ، وأعادَ بناءَ نفسه مرَّاتٍ لا أستطيع عدَّها، وأحياناً لم يكن الأمرُ سهلاً كما قد يبدو من الخارج. في جوهري، أنا شديدةُ الحساسيَّة، ودقيقةُ الملاحظة، ومرِحةٌ. كلُّ ما أبدعه ينبعُ من ذلك المكان.
كيف اقتحمتِ أسلوبَ العيشِ الواعي، ومتى بدأت هذه الرحلةُ بالنسبةِ لكِ؟
لم تأتِ اليقظةُ الذهنيَّةُ إليَّ بوصفها موضةً، أو خياراً لنمطِ حياةٍ، بل كانت شيئاً، تشكَّلَ نتيجةَ تجربتي ورحلتي في الحياةِ، خاصَّةً بعد خساراتٍ شخصيَّةٍ عدة، وتنقُّلاتٍ، وبُنى فاشلةٍ، وإرهاقٍ عاطفي. هنا أدركتُ أنني لم أعد قادرةً على العيشِ بوضعيَّةِ الطيَّارِ الآلي. جسدي بدأ يتحدَّثُ قبل عقلي، وعليه جاءت مفاهيمُ البطءِ، والحضورِ، والوعي بوصفها ضرورةً لأبقى حيَّةً، ومتَّزنةً، ومتَّصلةٍ بذاتي.
ما رأيك بالتعرف على رائدة الأعمال السعودية ومستشارة الأزياء روان كتوعة
«بعد تجاربَ سابقة وشراكات علّمتني الكثير عن الحدود والمسؤولية، أدركت أن النسخة القديمة مني لم تعد موجودة»
الإبداع يطلب الحقيقة

هل الإبداعُ عندكِ هروبٌ أم عودةٌ إلى الذات؟
الإبداعُ، هو عودةٌ إلى نفسي، وعودةٌ إلى البيتِ بكلِّ تأكيدٍ. عندما أُبدِعُ لا مكانَ لدي للاختباءِ، أو الهروب. القماشُ، والشكلُ، والفنُّ البصري، والكلمات كلّها تعكسُ لي موقعي الداخلي في لحظةٍ معيَّنةٍ. الإبداعُ في حالتي، يطلبُ الحقيقة، لذا لا أُبدِعُ باستمرارٍ، بل أُبدِعُ فقط عندما أكون مستعدِّةً لمواجهةِ نفسي بصدقٍ.
ما اللحظةُ التي جعلتكِ تقولين: أنا لا أريدُ أن أصمِّمَ فقط، بل وأن أغيِّر أيضاً طريقةَ عيشِ الناس؟
لم تكن لحظةً دراميَّةً واحدةً، بل كانت تكراراً لأمورٍ، لم تعد منسجمةً مع قيمي الداخليَّة، منها مشاهدةُ الناسِ تشتري أشياءَ لسدِّ فراغاتٍ عاطفيَّةٍ، وملاحظةُ كيف تُسرِّع الموضةُ القلقَ بدلَ أن تُهدِّئه، وهذا ما كنتُ أفعله بنفسي!
لقد أصبحت حياتي مُعرَّفةً، ومُشكَّلةً بالأشياءِ الماديَّةِ بدلَ التجارب. أدركتُ أنني لا أريدُ تزيين الحياة، بل عيشها لحظةً بلحظةٍ، لذا كان عليَّ أن أبطِّئها، وأن أجعلها قابلةً للتنفُّسِ من جديدٍ.
لماذا اخترتِ طريقَ الموضةِ الواعيةِ، والتجربةِ الشموليَّةِ بدلَ المسارِ التجاري السريع؟
لأنني أؤمن بأن الموضةَ السريعة، تتطلَّبُ خدراً عاطفياً، وأنا لا أريدُ أن أكون كذلك. كيف يمكنني أن أفصلَ ما أبيعه عن كيفيَّةِ صناعته، ومَن يلمسه، وكيف يشعرُ به الجسد، وأي حالةٍ ذهنيَّةٍ يدعمها؟ عليه قرَّرتُ بأنني لن أرتدي ملابسَ لم تُصنَع بهذه الطريقة. الموضةُ الواعية، ليست استراتيجيَّةَ تسويقٍ بالنسبةِ إلي وإلى شريك عملي، بل هي الطريقُ الوحيدُ الذي نستطيعُ من خلاله أن نُبدِعَ دون أن نخون أنفسنا، ومن هنا وُلِدَت AUTHENTICA.
«أبدع فقط عندما أكون مستعدة لمواجهة نفسي بصدق»

كيف قادتكِ تحوُّلاتُكِ الشخصيَّةُ والمهنيَّةُ إلى صياغةِ رؤيتكِ الحاليَّةِ للأزياءِ، والبساطةِ، وعلاقتها بإيقاعِ الحياة؟
بعد تجاربَ سابقةٍ، وشراكاتٍ عدة، علَّمتني الكثير عن الحدودِ والمسؤوليَّة، أدركتُ أن النسخةَ القديمةَ مني لم تعد موجودةً، وأنني لم أعد قادرةً على الاستمرارِ في تقديمِ تنازلاتٍ على حسابِ انسجامي الداخلي. من هنا، تشكَّلت رؤيتي للأزياءِ بوصفها بساطةً واعيةً، تُخفِّف الضجيج، وتترك مساحةً للتنفُّسِ والحضور. بالنسبةِ إلي، الهدوءُ ليس فراغاً، وإنما وضوحٌ، يعكسُ سلاماً داخلياً، وحين لا تطلبُ الأزياءُ من الإنسانِ أن يكون شيئاً آخر، يلينُ الزمنُ، ويتباطأ الإيقاع، وتُصبح العلاقةُ مع الجسدِ والزمنِ أكثر صدقاً ولطفاً.
قبل أن يُصبح القماشُ تصميماً، هو علاقةٌ، ويجبُ أن تكون هناك كيمياءُ أولاً، لذا أختبرُ القماشَ من خلال اللمسِ، والوزنِ، وقابليَّةِ التنفُّسِ، وبالطبعِ من خلال اللونِ والنقوشِ أيضاً. من الأمورِ المهمَّةِ كذلك كيفيَّةُ استجابته للجسدِ أثناء الحركة، فالأقمشةُ الطبيعيَّةُ تحملُ صدقاً معيَّناً، وهي لا تختبئ، أو تشيخُ، أو تلين، وتتفاعلُ مع المناخِ والبشرة. الكتَّانُ تحديداً، يُعلِّم الصبرَ، يتجعَّد، يرتخي، ويرفضُ أن يُسيطَرَ عليه.
ما الذي تحاولين إصلاحَه في صناعةِ الموضةِ من خلال تبنِّيكِ الاستدامة؟
الانفصالُ عن الجسدِ، وعن العملِ، وعن الطبيعةِ، وعن العواقب. نحن لا نحاولُ أن نُصلِحَ الصناعة، بل أن نخلقَ طريقةً موازيةً للوجودِ داخلها. نُذكِّر أنفسنا باستمرارٍ بقبولِ الحدودِ، والنقصِ، والمسؤوليَّة. عليه، نحن نُعيد الاستخدامَ والتصميم، ولا نُفرط في الإنتاج، فمخزوننا دائماً مدروسٌ، ومُنسجمٌ مع احتياجاتِ مجتمعنا، ومتطلَّباتِ نمطِ الحياةِ الفعلي. نعملُ بما هو موجودٌ: أقمشةٌ متبقِّيةٌ، وكميَّاتٌ محدودةٌ، وأشكالٌ غير مثاليَّةٍ. نستثمرُ كثيراً من الوقتِ والطاقةِ في اختيارِ الموادِّ والخدماتِ بعنايةٍ. الاستدامةُ بالنسبةِ لنا، ليست كمالاً، إذ ليست هناك علامةٌ تجاريَّةٌ يمكن أن تكون مستدامةً بنسبةِ 100%، لكنَّ الكثيرين يمكنهم الالتزامُ بالاستمراريَّةِ والمُساءَلة.
ومن عالم ريادة الأعمال إليك لقاء مع رائدة الأعمال ومستشارة إدارة المشاريع رنا سامي
بلا ضجيجٍ خارجي وبلا أقنعة

حدِّثينا عن مجموعةِ رمضان، ولوحةِ ألوانها، وما الذي أردتِ التعبيرَ عنه من خلالها؟
تدورُ مجموعةُ رمضان حول تأثيرِ «المرآةِ الحقيقيَّة»: ماذا نرى عندما ننظرُ حقاً بعمقٍ إلى الداخل، بلا ضجيجٍ خارجي، بلا أقنعةٍ، وبلا إرضاءٍ اجتماعي؟ وكيف نعثرُ على ذلك الجمالِ الداخلي في أنفسنا قبل أن نراه في الآخرين؟ Authentica World مساحةٌ، تُنظَّمُ فيها جلساتُ يوغا، وجلساتُ تأمُّلٍ.
لماذا كان من المهمِّ لكِ أن يكون المكانُ تجربةً للجسدِ والروح، وليس فقط للعين؟
لأن الملابسَ وحدها لا تكفي أبداً. الناسُ لا تحتاجُ إلى مزيدٍ من الأشياءِ الماديَّة، بل إلى مزيدٍ من الحضور. كان لا بدَّ أن تخدمَ المساحةُ الجسدَ، والعقلَ، والروحَ على حدٍّ سواء.
أنتِ لا تبنين «براند» فقط، بل ومجتمعاً أيضاً، مَن الأشخاصُ الذين تريدينهم داخلَ عالمكِ؟
أشخاصٌ انتهوا من الأداء، ويُقدِّرون العمقَ أكثر من السرعة. أشخاصٌ فضوليون، ومسؤولون عاطفياً، ومستعدُّون لمواجهةِ أنفسهم بصدقٍ. AUTHENTICA ليست للجميع، وهذا مقصودٌ.
يمكنك متابعة الموضوع على نسخة سيدتي الديجيتال من خلال هذا الرابط






