mena-gmtdmp

في اليوم العالمي للسعادة.. مدربة التنمية الذاتية نادين عز الدين: التصالح مع الذات أسمى مراحل الوعي الإنساني

 نادين عز الدين، متخصصة في علم النفس الإيجابي ومدربة تنمية ذاتية
نادين عز الدين، متخصصة في علم النفس الإيجابي ومدربة تنمية ذاتية

إن سبر أغوار الذات وتحقيق الرضا ليس طريقاً مفروشاً بالورود، بل هو رحلة محفوفة بالتحديات. وامتلاك مفاتيح هذا العالم ليس بالأمر اليسير، لكنّ بصيصاً من الوعي قد ينير لنا دروباً لم نكن نحسبها، ويزيح غشاوة التردد لنرى الحقيقة بتجرد، ونبدأ رحلتنا مع نفسنا الجديدة بلا تكلف.
​من هذا المنطلق، تضع المتخصصة في علم النفس الإيجابي ومدربة التنمية الذاتية، نادين عز الدين، خلاصة تجاربها المهنية والشخصية لتبحر بنا في هذا العالم الشيق؛ كاشفةً عن نوافذ الضوء التي تتيح للإنسان الغوص في أعماقه، واكتشاف نقاط قوته وضعفه، وخلق توازنٍ مبدع بينهما. يأتي هذا بالتزامن مع مناسبة اليوم العالمي للسعادة ليكون سؤالنا الأول لها: هل هناك وصفة سحرية للسعادة؟

مفاتيح السعادة

نادين عز الدين، متخصصة في علم النفس الإيجابي ومدربة تنمية ذاتية


في اليوم العالمي للسعادة: مفاتيح السعادة، بيد من؟؟ وهل هناك وصفة سحرية للسعادة؟


السعادة، في معناها الحقيقي، تختلف من شخص إلى آخر، لأن كل إنسان يراها من منظاره الخاص ويمنحها تعريفاً ينسجم مع وعيه وتجربته.
لكن ما أؤمن به، وما لمسته من خلال التجربة، هو أن السعادة ليست شيئاً نطارده في الخارج، بل حالة نبنيها في الداخل. وللأسف، كثيرون يبحثون عنها في الناس، في الظروف، في المال، في الإنجازات، أو في انتظار حدثٍ ما، بينما السعادة الحقيقية تبدأ عندما يعود الإنسان إلى نفسه، ويتصالح مع داخله، ويعرف كيف يعيش الحياة بوعي. أما إذا أردنا أن نتحدث عن “وصفة” للسعادة، فهي ليست وصفة سحرية بالمعنى السطحي، بل هي مجموعة أسس تصنع سلام الإنسان الداخلي أو ما أسميه السعادة، ومنها: إيمان + امتنان + فكر إيجابي + أمل + سعي + استمتاع بالسعي + معنى + تقبل + مرونة + عطاء + عدم التعلّق.
وهذا تماماً ما تحدّثت عنه في بودكاست "مفاتيح السعادة"، حيث أكّدت أن السعادة لا تأتي من الخارج، بل تبدأ من قرار داخلي ذاتي، من طريقة تفكيرنا، ونظرتنا للحياة، وعلاقتنا بأنفسنا وبما نمرّ به، أما إذا انتظرنا أن نحصل عليها من محيطنا أو تغير الظروف فستبقى قراراً معلقاً غير نافذ وقد لا نصل له أبداً.

عند محاولة تغيير حياتنا للأفضل، أي دور يلعبه "التصالح مع الذات"، وكيف يبدأ هذا التصالح؟


التصالح مع الذات ليس مجرد محطة عابرة، بل هو الركيزة الأساسية وأسمى مراحل الوعي الإنساني. إن دوره محوري لأنه ينهي الصراع الداخلي الذي يستنزف طاقتنا، وبدلاً من أن نكون في حرب مع أنفسنا، نصبح حلفاءً لها. يبدأ هذا التصالح بلحظة صدق هادئة؛ بالمراقبة المستمرة واليقظة لكل ما يدور في داخلنا. أن نتأمل أنماطنا السلوكية، ونلمس نقاط ضعفنا وقوتنا كما هي، من دون تجميل أو قسوة. السر يكمن في القبول المطلق، أن نفتح ذراعينا لكل ذواتنا القديمة والجديدة، من دون إطلاق أحكام أو الشعور بالرفض، ومن هذا القبول تحديداً، ينبثق الدافع الحقيقي والعميق للتحسين والارتقاء.

كيف نحول "الفشل" إلى دروس نرتكز عليها ونتعلم منها من دون الشعور بالعار؟


نحوّل الفشل إلى درس عندما نتوقف عن اعتباره نهاية، ونبدأ برؤيته معلومة. نفصل بين الخطأ وبين هويتنا، نراجع التجربة بصدق، نستخرج منها الرسالة، ونسمح لأنفسنا أن نتعلّم برفق لا بعار. فالعار يجمّد الإنسان، أما الوعي فيحرّكه، ولهذا كل عثرة يمكن أن تصبح نقطة قوة إذا فهمناها بدل أن نحاكم أنفسنا بسببها.

فن رسم الحدود

 

نادين عز الدين، متخصصة في علم النفس الإيجابي ومدربة تنمية ذاتية


تتحدثين دوماً عن فن رسم الحدود، كيف عسانا نتقن هذا الفن من دون أن نخسر محيطنا الاجتماعي وعلاقاتنا؟


دائماً أقول "فنّ رسم الحدود"، لأنني لا أتحدث عن قطعٍ كامل أو خسارةٍ للعلاقات. صحيح، في بعض الحالات قد يضطر الإنسان إلى الانسحاب الكامل، لكن حين أتكلم عن رسم الحدود، فأنا أتكلم عن وعي، وضوح، واستمرارية.
الشخص الذي يحبّني فعلاً، سيتفهّم أن هناك ما هو مسموح، وهناك ما هو غير مسموح. المهم أن أكون واضحة في حواري، واضحة في موقفي، وأطبّق هذه الحدود بشكل يومي، لا يوماً نعم، ويوماً لا. لأن الحدود لا تنجح إذا كانت متذبذبة، بل تحتاج إلى ثبات، وإلى متابعة مستمرة.
وإذا حصل خرق لهذه الحدود، نعود ونذكّر أنفسنا والآخرين بها بطريقة مرتبة، راقية، وواضحة. رسم الحدود يجب أن يصبح جزءاً من روتين الحياة. أولاً، علينا أن نعرف نحن ماذا نريد، وما الذي يناسبنا وما الذي يؤذينا، حتى نستطيع أن نميّز من نريد في حياتنا، وكيف نريد لكل علاقة أن تكون. فهناك علاقات تحتاج حدوداً أوضح وأقوى، وعلاقات أخرى تكون فيها الحدود أخف، لكن في كل الأحوال تبقى الحدود ضرورية وموجودة. والحدود ليست فقط مع الغرباء أو مع العلاقات الصعبة، بل هي موجودة بين الرجل وزوجته بين الأهل وأولادهم بين الصديق وصديقه وفي كل علاقة نريد لها أن تستمر بشكل صحي.
وأنا أعترف أنني وصلت إلى هذا الوعي بعد تجربة، لأنني في مراحل سابقة آذيت نفسي كثيراً، وكنت قاسية على نفسي وعلى غيري. لذلك حين أتكلم عن الحدود، أنا لا أتكلم فقط من باب المعرفة، بل من باب تجربة علّمتني أن الحدود ليست قسوة، بل حماية، احتراماً، ونضجاً.

تشددين دوماً: حياتنا الخاصة خط أحمر، اليوم في زمن الفضاءات المفتوحة كيف نحمي خصوصيتنا؟ وكيف ننجو من فخوخ منصات التواصل الاجتماعي كالمقارنات والمبالغات والنصائح المغلوطة ونستفيد من الفرص التي توفرها؟


الخصوصية هي هيبتكِ النفسية، وحمايتها تبدأ بوضع حدودٍ لذاتكِ قبل الآخرين، عبر تحويل المشاركة من فخ "إثبات الوجود" إلى سمو "أداء الرسالة". نحن ننجو من فخاخ المقارنات والزيف حين نفك الارتباط بين قيمتنا الذاتية وبين ما تعرضه الشاشات، مدركين أن "اللقطة المثالية" ليست معياراً للحقيقة. النجاة الحقيقية هي أن تملكي الوعي الذي "يفلتر" النصائح ويحول المنصات إلى أدوات للتطور لا ساحات للاستنزاف، ليبقى سلامكِ الداخلي هو المرجع، بعيداً عن ضجيج المتابعين وبريق الترندات.

تحذرين دوماً من المحيط السلبي المحبط، لكن هل من السهل أن نكون مناعة نفسية تحمينا من ترددات هذا المحيط؟


للأسف، المناعة النفسية ليست هبةً نولد بها، بل هي مهارة تُكتسب بالوعي والممارسة، وهي الدرع الأمتن الذي يحمينا من تقلبات الحياة ومحيطها السلبي. الخطأ الأكبر هو أن ننتظر حتى نصل لمرحلة الانهيار لنبدأ بالبحث عنها.
الأمر يشبه تماماً العناية بالجسد؛ فكما أن الالتزام اليومي بالغذاء الصحي والتمارين الرياضية هو ما يبني مناعتكم ويجعل أجسادكم عصية على المرض، فإن تمرين الروح والذهن على "المسافات الآمنة" هو ما يبني مناعتكم النفسية. حين تعتنون بوعيكم يومياً، بقدر ما تستطيعون، تصبحون أكثر صلابة أمام الترددات المحبطة، ولا تعود الكلمات السلبية قادرة على اختراق سكينتكم. المناعة النفسية هي استثماركم في أنفسكم لكيلا تكونوا يوماً ضحايا لظروفكم أو لمحيطكم.
اقرأوا أيضاً: في اليوم العالمي للسعادة: 6 تغيرات إيجابية عليك القيام بها

متى تصبح الإيجابية سامة؟

 

نادين عز الدين، متخصصة في علم النفس الإيجابي ومدربة تنمية ذاتية


خبراء التنمية الذاتية يرددون دوماً على مسامعنا عبارات للحث على التفاؤل والإيجابية، لكن نادين عز الدين تحذر من الإيجابية السامة، ما الذي يعنيه ذلك؟


الإيجابية السامة هي قناعٌ يجبرنا على تزييف مشاعرنا وكبت ألمنا، مما يؤدي بنا في النهاية إلى الانفجار أو الانهيار النفسي. الإيجابية الحقيقية ليست إنكاراً للواقع، بل هي الشجاعة في مواجهته؛ هي أن أعترف بوجود التحدي، وأسمح لنفسي بالشعور بالألم أو التعب من دون خجل، لكن مع تسليمٍ ويقينٍ مطلق بقدرتي على التجاوز.
الإيجابية الحقيقية هي أن أقول: "أنا أتألم الآن، وهذا واقعي، ولكنني أؤمن بأن لا شيء يبقى على حاله". هي المزيج بين الإيمان الذي يمدنا بالقوة، والأمل الذي ينير لنا البصيرة لنبحث عن الطريق. فخلف كل تحدٍ يختبئ سؤال جوهري: ما هي الرسالة؟ وما هي الحكمة من وراء هذا الظرف؟ حين نبحث عن الحكمة، يتحول الألم من وجعٍ مستنزف إلى درسٍ يرفع وعينا، لنخرج من كل تجربة بنسخةٍ أنضج وأقرب إلى أنفسنا.

التسامح: تعدينه محور الرضا عن النفس، كيف نحدد آلية تسامح تريحنا لكنها لا تتيح للآخرين أذيتنا؟


التسامح بالنسبة لي ليس "صك غفران" نمنحه لمن أذانا، بل هو قرار بالتحرر من ثقل المشاعر التي تستنزفنا. نحن نتسامح لكي نرتاح نحن، لا لكي نبرئ ساحة الآخرين.
أما كيف نتسامح من دون أن نُستباح، فالسر يكمن في الفصل بين 'المغفرة' وبين 'إعادة العلاقة'. التسامح الحقيقي يكون بداخلنا، بأن ننظف قلوبنا من الحقد لكي لا نتسمم به، لكنه يسير جنباً إلى جنب مع رسم حدود صارمة. يمكنني أن أسامحك على ما فعلت، لكنني في الوقت نفسه قد أقرر ألا يكون لك مكان في حياتي مجدداً. التسامح هو شفاء للروح، والحدود هي حماية للذات؛ وحين يجتمعان، نصل إلى الرضا الذي لا يكسره أحد.

استمروا بالسعي

نادين عز الدين، متخصصة في علم النفس الإيجابي ومدربة تنمية ذاتية


برأيك أي أعباء تضعها صورة "المرأة الخارقة" في كل الأدوار على كاهل النساء اليوم؟ وكيف للمرأة أن تحقق التوازن المريح وتستعيد صوتها الداخلي؟


تُنهك المرأة نفسها اليوم لبرهنة قوتها، لكن صورة "المرأة الخارقة" هي في الحقيقة اختلال في الطاقة وفقدان للفطرة. لقد خلقنا الله بأدوار متكاملة، والابتعاد عن هذه الفطرة هو ما يزعزع توازن العلاقات ويدمرها. التوازن يبدأ حين نملك الشجاعة لنكون أنفسنا، لا لنمثل أدواراً ليست لنا؛ فكلما عدنا لفطرتنا، استعاد السلام مكانه في حياتنا وفي علاقاتنا.

كيف نجحت نادين عز الدين في أن تحول تجاربها إلى مفاتيح سعادة تشاركها مع الآخرين؟


لقد سلكتُ مساراً موجعاً بقدر ما كان رائعاً؛ عنوانه مواجهة الذات. دفعتُ ثمن هذا التغيير من مشاعري، بكاءً، وغضباً، ولحظاتٍ طويلة من احتواء نفسي، خاصةً وأنني نشأتُ في بيئةٍ كانت تدفعنا غالباً نحو "جلد الذات".
أنا اليوم لا أتحدث من برجٍ عاجي، بل أتحدث لأنني أعلم يقيناً أن كل مرحلةٍ صعبة قطعتُها، هي جزءٌ من حياة الناس اليوم؛ أنا أتحدث لغتهم، وأشعر بوجعهم. رسالتي لكل من يسمعني هي أنكم لستم وحدكم في هذا الصراع، ومثلما استطعتُ أن أتغير وأتجاوز، أنتم أيضاً تملكون هذه القدرة. لقد اكتشفتُ أن السعادة لم تكن يوماً في الخارج، بل في أفكارنا، مشاعرنا، وإيجاد رسالتنا. أجمل ما تقدمينه لنفسكِ هو أن تقولي بامتنان: "أنا مستمتعة بالسعي، وأنا اليوم أفضل من الأمس". حين تبتسمين أنتِ لهذا الوعي، ستجدين الحياة تبتسم لكِ في المقابل.

اليوم بمناسبة اليوم العالمي للسعادة، ما الذي يحقق السعادة لك على المستوى الشخصي والمهني والاجتماعي؟


في اليوم العالمي للسعادة، أجد سعادتي الحقيقية تتلخص في أن أكون جزءاً، ولو بسيطاً، في رحلة تنوير الناس بالقدرات العظيمة التي يسكنونها ولا يدركونها. على المستوى الشخصي والمهني، ما يمنحني الرضا هو أن أكون ذلك الشخص الذي يبذر الأمل وينشر الإيجابية الواعية في القلوب؛ أن أرى بعينيَّ ثمار هذا السعي في شخصٍ يقرر فجأة أن يتوقف عن جلد ذاته ويبدأ في تطويرها.
سعادتي هي في تلك اللحظة التي يدرك فيها أحدهم أنه يملك مفاتيح التغيير بين يديه. أن أرى الآخرين يزهرون ويتحررون من قيودهم النفسية، هو النجاح الأسمى بالنسبة لي، وهو المحرك الذي يجعلني أبتسم للحياة كل يوم، مؤمنةً بأن أعظم سعادة هي التي نجدها حين نساعد الآخرين على العثور على سعادتهم.

أخيراً، لك جمهور كبير يستمع لنصائحك في العالم العربي وهنا تحديداً في المملكة العربية السعودية، ما أهم رأي أو نصيحة توجهينها لهم اليوم؟


بدايةً، الحمد لله على نعمة القبول، وكل الامتنان لكل قلب يتابعني في عالمنا العربي. أما لجمهوري الغالي في المملكة العربية السعودية، فأقول لكم: ما تشهده المملكة اليوم من تطور هو أمر مبهر ورائع، وهو انعكاس لروحكم الشغوفة. نصيحتي لكم هي ألا تسمحوا لسرعة العالم من حولكم بأن تنسيكم صوتكم الداخلي. تذكروا أن "الاستثمار في الذات" هو الرهان الرابح دائماً؛ فكل خطوة وعي تخطونها اليوم هي بذرة لسلامٍ نفسي تجنونه غداً. أنتم تملكون القدرة، وتستحقون حياةً تشبه أحلامكم.. فاستمروا بالسعي بحب، وآمنوا أن التغيير يبدأ بكلمة "نعم" صادقة تقولونها لأنفسكم..
تعقيباً على هذا، اقرأوا: في اليوم العالمي للسعادة.. العطاء والأمان سر سعادة السعوديين