تشهدُ المنطقةُ الشرقيَّة، مثلها غيرها من المناطقِ السعوديَّةِ في ظلِّ رؤيةِ 2030، تحوُّلاتٍ استثماريَّةً وثقافيَّةً غير مسبوقةٍ، وتنميةً حضريَّةً مستدامةً، هذا مع تمسُّكها بإرثها التاريخي العريق.التقينا في «سيدتي» دعاء بوصالح، نائبةَ المديرِ العامِّ للتخطيطِ الاستثماري ومديرةَ الشؤونِ الفنيَّةِ والإداريَّةِ في أمانةِ الشرقيَّة، لتأخذنا في جولةٍ تعريفيَّةٍ بالمنطقة، لا سيما أنها تمتلك خبرةً واسعةً بالعملِ الحكومي والاستثماري، إلى جانبِ قيادتها عدداً من المبادراتِ التطوُّعيَّةِ لخدمةِ المجتمع، وتمكينِ الكفاءات، فضلاً على مشاركاتها الدوليَّةِ ببرامجَ قياديَّةٍ وإداريَّةٍ في مدينتَي لندن وبرشلونة.
دعاء بوصالح

تشهدُ المنطقةُ الشرقيَّةُ نشاطاً غير مسبوقٍ لتطويرِ منظومةِ الاستثماراتِ، وتنميةِ الإيراداتِ دعماً للاقتصادِ الوطني، حدِّثينا بدايةً عن ذلك؟
فعلياً، تشهدُ الشرقيَّةُ حالياً حِراكاً استثمارياً نوعياً وغير مسبوقٍ مدعوماً من موقعِ المنطقةِ الاستراتيجي، وقوَّتها الاقتصاديَّة، وتكاملِ قطاعاتها الصناعيَّةِ، واللوجستيَّةِ، والسياحيَّة. هذا النشاطُ، لم يأتِ من فراغٍ، بل هو نتيجةٌ طبيعيَّةٌ لعملٍ مؤسَّسي ممنهجٍ، يهدفُ إلى تطويرِ منظومةِ الاستثماراتِ البلديَّة، وتنميةِ الإيراداتِ بطريقةٍ مستدامةٍ. نحن في أمانةِ المنطقةِ نُركِّز على تحويلِ الأصولِ البلديَّةِ من عبءٍ تشغيلي إلى فرصٍ تنمويَّةٍ عبر إبرامِ الشراكاتِ مع القطاعِ الخاص، وتبسيطِ الإجراءات، وتهيئةِ البيئةِ الاستثماريَّة، إلى جانبِ تحسين الخدماتِ المقدَّمة. الأهمُّ من ذلك، أن الاستثمارَ بالنسبةِ لنا، لم يعد هدفاً مالياً فقط، بل وتحوَّلَ أيضاً إلى أداةٍ لتحقيقِ جودةِ الحياة، و«أنسنة المدن» لتحقيقِ مستهدفاتِ رؤية 2030. هذه النهضةُ الاستثماريَّةُ تقودها شركاتٌ استراتيجيَّةٌ، ومشروعاتٌ نوعيَّةٌ، تُسهم بشكلٍ كبيرٍ في تنميةِ الإيرادات، ودعمِ الاقتصاد.
ما مستجداتُ المشروعاتِ الاستثماريَّةِ وأثرها على الصعيدِ الاقتصادي؟
مشروعاتُ الأمانةِ الاستثماريَّة في المنطقةِ الشرقيَّةِ تشهدُ مرحلةً متقدِّمةً من النموِّ والتحوُّلِ النوعي، إذ تُركِّز الأمانةُ على توسيعِ قاعدةِ الشراكةِ مع القطاعِ الخاص. من أبرز المستجداتِ حالياً إطلاقُ خطَّةٍ استثماريَّةٍ طموحةٍ، تتضمَّنُ طرحَ أكثر من 700 فرصةٍ استثماريَّةٍ خلال عامِ 2026، تتوزَّعُ على مدنِ ومحافظاتِ المنطقة. أمَّا على صعيدِ الأثرِ الاقتصادي فقد أسهمت المشروعاتُ الاستثماريَّةُ في تحقيقِ نتائجَ نوعيَّةٍ حيث تجاوزت استثماراتُ الأمانةِ نسبةَ 95% من الأصولِ الاستثماريَّة، وأبرمت عقوداً بتسعةِ ملياراتٍ في 2025.
إلى أي مدى نجحت أمانةُ المنطقةِ الشرقيَّةِ في تحسين المشهدِ الحضري، وتحقيقِ التنميةِ المستدامة، ورفعِ معدلاتِ جودة الحياة؟
عملت أمانةُ الشرقيَّةِ خلال الأعوامِ الماضيةِ على تحويلِ مفهومِ التنميةِ الحضريَّةِ من مجرَّد تحسيناتٍ شكليَّةٍ إلى تجربةِ معيشةٍ متكاملةٍ، تضعُ الإنسانَ في قلبِ التخطيط. ما تحقَّقَ اليوم، هو نتيجةُ رؤيةٍ واضحةٍ، تقومُ على أن المدنَ الناجحة، هي تلك التي تُوازن بين النموِّ الاقتصادي، والاستدامةِ البيئيَّة، وجودةِ الحياة، لذا ركَّزنا الجهودَ على تحسينِ المشهدِ الحضري، وزيادةِ المسطحاتِ الخضراء، وخلقِ بيئةٍ أكثر حيويَّةً للمجتمع. ولا تزالُ رحلةُ التطويرِ مستمرَّةً، لأن جودةَ الحياة ليست هدفاً ينتهي، بل هي مسارٌ متجدِّدٌ، يتطلَّبُ الابتكارَ، والشراكةَ مع القطاعِ الخاصِّ والمجتمع، والعملَ بروحِ الفريقِ الواحد لتحقيقِ تنميةٍ حضريَّةٍ مستدامةٍ، تليقُ بطموحاتِ المنطقةِ ومكانتها.
كيف يمكن لمدنِ المنطقةِ الشرقيَّةِ الموازنةَ بين الحفاظِ على التراثِ الأصيل، ومواكبةِ الحداثة؟
الحفاظُ على التراثِ الأصيل، ومواكبةُ الحداثة، ليست معادلةً صعبةً إذا تمَّ التعاملُ معها برؤيةٍ واعيةٍ. مدنُ المنطقةِ الشرقيَّةِ تمتلكُ إرثاً تاريخياً عريقاً، وفي الوقت نفسه تشهدُ نمواً عمرانياً واقتصادياً متسارعاً، ما يتطلَّبُ تخطيطاً حضرياً، يحترمُ الهويَّة، ويستثمرُ بالمستقبل. المعادلةُ تبدأ من حمايةِ المواقعِ التاريخيَّةِ وتأهيلها، لتكون جزءاً فاعلاً من الحياةِ اليوميَّة، ودمجِ العناصرِ المعماريَّةِ المحليَّةِ في التصاميمِ الحديثة، لتعكسَ المشروعاتُ الجديدةُ روحَ المكان وهويَّته. الحداثةُ لا تعني أن ننسى جذورنا، بل أن نبني عليها مستقبلاً أكثر إشراقاً.
كيف أسهمَ التحوُّلُ الرقمي عبر منصَّةِ «فرص» في تسهيلِ تجربةِ المستثمرين وروَّادِ الأعمال، وتقليصِ مدةِ إنجازِ المعاملات؟
منصَّةُ «فرص» أحدثت نقلةً نوعيَّةً، سهَّلت الإجراءات، وقلَّصت الوقت، ورفعت مستوى الشفافيَّة. اليوم أصبح المواطنُ والمستثمرُ قادراً على إنجازِ معاملاته بسهولةٍ ومرونةٍ، وهذا انعكسَ إيجاباً على جودةِ الخدماتِ الحكوميَّة.
ما رأيك بالتعرف على المصوِّرة الفوتوجرافيَّة السعوديَّة المحترفة بيان الصادق

ما الدورُ الذي تلعبه الأمانةُ في دعمِ الأنشطةِ الثقافيَّةِ، والرياضيَّةِ، والاجتماعيَّة؟
الأنشطةُ الثقافيَّةُ، والرياضيَّةُ، والاجتماعيَّة، هي جزءٌ أساسٌ من صناعةِ المدينةِ الحديثة، وليست أنشطةً جانبيَّةً، لذا نعملُ مع مختلفِ الجهاتِ المعنيَّة لتحقيقِ هذا الهدفِ عبر تهيئةِ المساحاتِ العامَّة، والواجهاتِ، والحدائقِ، والمرافقِ الحضريَّة، لتُصبحَ منصَّاتٍ مفتوحةً للفعاليَّاتِ الثقافيَّةِ، والأنشطةِ الرياضيَّة.
نحن نحرصُ على أن تكون المشروعاتُ الحضريَّةُ والاستثماريَّة داعمةً لأسلوبِ حياةٍ نشطٍ، يُشجِّع على المشاركةِ المجتمعيَّة، ويُعزِّز الهويَّةَ الثقافيَّة، ويفتحُ المجالَ أمام القطاعِ الخاصِّ للإسهامِ في صناعةِ تجاربَ نوعيَّةٍ، تعودُ بالنفعِ على المجتمعِ والاقتصادِ في آنٍ واحدٍ.
ما أفضلُ الأماكنِ السياحيَّةِ في المنطقةِ الشرقيَّةِ التي تعتقدين أنها تستحقُّ الزيارة؟
من أبرزِ المواقعِ التي تشهدُ إقبالاً كبيراً في الشرقيَّة الواجهاتُ البحريَّةُ في مدينتَي الخُبر والدمام لما تُوفِّره من مرافقَ ترفيهيَّةٍ، ومطاعمَ، ومساحاتٍ مفتوحةٍ، إضافةً إلى شاطئ «نصف القمر» الذي يُعدُّ من أهمِّ الوجهاتِ الشاطئيَّةِ في المنطقة. كذلك يحظى مركزُ الملك عبدالعزيز الثقافي «إثراء» بإقبالٍ متزايدٍ، إذ أصبح مَعْلَماً ثقافياً وسياحياً بارزاً، وهناك مشروعُ المدينةِ العالميَّة، فهو وجهةٌ مميَّزةٌ للعائلاتِ حيث يشتملُ على فعاليَّاتٍ وتجاربَ ترفيهيَّةٍ رائعةٍ.
مشروعُ المدينةِ العالميَّةِ في الدمام يُقدِّم تجربةً استثنائيَّةً للزوَّار، تجمعُ بين الثقافةِ والترفيه، ما أهمُّ معالمه، والأصداء التي حقَّقها؟
مشروعُ المدينةِ العالميَّةِ وجهةٌ ترفيهيَّةٌ وثقافيَّةٌ مميَّزةٌ، تجمعُ العالمَ في مكانٍ واحدٍ، يعكسُ تنوُّعَ الحضارات. المشروعُ يحتوي على 16 جناحاً في المرحلةِ الأولى، ويأتي على مساحةٍ، تزيدُ عن 200 ألفِ مترٍ مربَّعٍ، ويمنحُ الزائرَ تجربةً عالميَّةً فريدةً، والحمد لله يلقى أصداءً واسعةً، ويجدُ إقبالاً كبيراً من سكَّانِ المنطقة وزوَّارها.
كيف تطوَّرت رؤيتُكِ المهنيَّةُ حتى أصبحتِ جزءاً من منظومةِ الاستثمارِ والتنميةِ في المنطقةِ الشرقيَّة؟
رؤيتي المهنيَّةُ لم تتشكَّل في لحظةٍ واحدةٍ، وإنما نضجت عبر أعوامٍ طويلةٍ من العملِ، والتجاربِ، والتحدِّيات التي أعادت تعريف طموحي أكثر من مرَّةٍ. لقد بدأت أنظرُ للمشروعاتِ بعينٍ مختلفةٍ: إنها فرصٌ لتغييرِ الواقع، وصناعةِ بيئةٍ أكثر ازدهاراً، ثم إن كلَّ قرارٍ يُتَّخذ اليوم، يمكن أن يرسمَ ملامحَ الغد.
ما أكثرُ التحدِّياتِ التي واجهتكِ في مشواركِ المهني، وكيف تمكَّنتِ من تحويلها إلى إنجازاتٍ؟
أكثرُ التحدِّياتِ كانت إثباتَ الذاتِ في بيئةٍ، تتطلَّبُ جهداً مضاعفاً من المرأة. واجهتُ التحدِّي بالإصرارِ، والعملِ المستمرِّ، وتطويرِ مهاراتي، وتحويل كلِّ عقبةٍ إلى فرصةٍ للتعلُّم. اليوم أرى أن كلَّ صعوبةٍ مررتُ بها، شكَّلت خطوةً أساسيَّةً للتقدُّمِ في حياتي.
المرأةُ السعوديَّةُ أثبتت وجودها في الأعوامِ الأخيرة، كيف تُقيِّمينها؟
المرأةُ السعوديَّةُ خلال الأعوامِ الأخيرة، لم تكتفِ بإثباتِ وجودها، بل وأثبتت قدرتها على التأثيرِ، وصناعةِ التغييرِ الحقيقي في مختلفِ القطاعات. ما نراه اليوم نتيجةُ دعمٍ كبيرٍ، وتمكينٍ واضحٍ لها، إلى جانبِ طموحٍ وإصرارٍ من المرأةِ نفسها على تطويرِ قدراتها، والإسهامِ بفاعليَّةٍ في مسيرةِ التنمية. المرأةُ السعوديَّةُ حالياً لا تبحث عن الفرص، بل تصنعها، وتُشارك في بناءِ اقتصادِ وطنها، وصياغةِ المستقبلِ بثقةٍ وكفاءةٍ عاليتَين.
ما رأيك بقراءة هذا الحوار مع مصممة العطور السعودية سارة الدهلوي

بمناسبةِ يومِ الأم، ما التهنئةُ التي تُقدِّمينها لوالدتكِ ولأمَّهاتِ العالم؟
والدتي كانت دائماً مصدرَ الإلهامِ الأوَّلِ الذي علَّمني أن الطريقَ يُبنى بالصبرِ، والإيمانِ، والعملِ الصادق. في يومِ الأم، أقولُ لها: كلُّ ما وصلتُ إليه يحملُ بصمتكِ قبل أي شيءٍ آخر، ودعاؤكِ كان دائماً القوَّةَ الخفيَّةَ التي ساندتني. كذلك أوجِّه تقديري لكلِّ أمٍّ في العالم، فالأمَّهاتُ لا يُربين الأبناءَ فقط، بل ويصنعن أيضاً قيماً نبيلةً، وأجيالاً قادرةً على بناءِ المستقبل، فكلّ عامٍ وأمَّهاتُ العالمِ بخيرٍ.
كيف توازنين بين العملِ والحياةِ الاجتماعيَّةِ في ظلِّ وتيرةِ الحياةِ المتسارعة؟
الموازنةُ بين العملِ والحياةِ الاجتماعيَّة، ليس أمراً مثالياً دائماً، لكنَّه قرارٌ واعٍ، أتَّخذه يومياً. أحرصُ على تنظيمِ وقتي بوضوحٍ، وتحديدِ أولويَّاتي، ومنحِ كلِّ جانبٍ من حياتي حضورَه الحقيقي. العملُ مسؤوليَّةٌ، وشغفٌ، لكنْ العائلةُ، والأصدقاء، والدائرةُ الاجتماعيَّة مصدرُ التوازنِ والطاقة، وعليه أتعمَّدُ أن أخلقَ مساحاتٍ للهدوءِ، واللقاءِ، والاهتمامِ بالتفاصيلِ الصغيرة التي تمنحُ الحياة معناها.
ما أهمُّ إنجازٍ تفخرين به على الصعيدِ الشخصي؟
الإنجازُ الأهمُّ لي على الصعيدِ الشخصي أنني استطعتُ تحويلَ شغفي بالعملِ إلى أثرٍ ملموسٍ، ينعكسُ على حياةِ الناس، وأن أكون جزءاً من مشروعاتٍ استثماريَّةٍ، صنعت أثراً لسكَّانِ المنطقةِ الشرقيَّة زوَّارها.
ماذا تقولين عن تجربتكِ المهنيَّةِ الطويلةِ حتى الآن؟
عندما أنظر إلى تجربتي المهنيَّة، أراها رحلةً، تشكَّلت عبر محطَّاتٍ متعدِّدةٍ، كلُّ محطَّةٍ منها، حملت تحدِّياتها، ودروسها الخاصَّة. هي لم تكن مجرَّد أعوامٍ من العمل، بل كانت أعواماً من التعلُّمِ المستمر، واكتشافِ الذات. هذه الرحلةُ علَّمتني أن النجاحَ لا يتحقَّقُ بشكلٍ فردي، بل من خلال العملِ بروحِ الفريق، وبناءِ الثقة، والاستمرارِ في التعلُّمِ والتطوير، ومع الوقتِ أصبح هدفي لا يقتصرُ فقط على تحقيقِ إنجازاتٍ آنيَّةٍ، بل وأيضاً الإسهام في بناءِ منظومةٍ مستدامةٍ، تُواصل العطاءَ حتى بعد انتهاءِ دورنا المباشر فيها.
ماذا عن طموحاتِ المستقبل؟
طموحي المستقبلي الاستمرارُ في الإسهامِ في صناعةِ مشروعاتٍ نوعيَّةٍ تترك أثراً طويلَ المدى، وأن يكون عملي امتداداً لرؤيةٍ أكبر، وأن أضع بصمةً مهنيَّةً وإنسانيَّةً تظلُّ مرتبطةً بالمكانِ والناس.
كلمة أخيرة؟
أومنُ بأن المشروعاتِ الاستثماريَّة، ليست مجرَّد أرقامٍ. إنها شراكاتٌ، تصنعُ المستقبل. ونجاحَ المستثمر جزءٌ من نجاحِ المدينةِ نفسها، فكلُّ مشروعٍ استثماري ناجحٍ، يعني فرصاً جديدةً، واقتصاداً أكثر قوَّةً واستدامةً. في النهاية، النجاحُ الحقيقي بالنسبةِ لي أن نُغادر ونحن نعلمُ أننا تركنا أثراً جميلاً، سيبقى طويلاً.
يمكنك متابعة الموضوع على نسخة سيدتي الديجيتال من خلال هذا الرابط
