رحلتُها المهنيَّة، هي مزيجٌ بين الإبداعِ والإدارة، إذ منحتها دراسةُ الفنون خلفيَّةً إبداعيَّةً، وحساً بصرياً وسردياً، بينما أعطتها إدارةُ الأعمالِ الأدواتِ اللازمةَ لتحويلِ الأفكارِ إلى استراتيجيَّاتٍ مؤثِّرةٍ، وصناعةِ السرديَّاتِ المؤسسيَّة. واليوم، وعبر منصبها مديرةً تنفيذيَّةً لإدارةِ التواصلِ في مؤسَّسة حديقةِ الملك سلمان، تقودُ نجلاء العتيبي منظومةَ التواصلِ لأحدِ أكبر المشروعاتِ الحضريَّةِ في السعوديَّة، وتُسهم في إبرازِ دوره بإعادةِ تعريفِ علاقةِ الإنسانِ بالطبيعة في الرياض التي تعيشُ تحوُّلاً حضرياً غير مسبوقٍ ضمن «مبادرةِ الرياض الخضراء» حيث تستهدفُ زيادةَ الرقعةِ الخضراء بالعاصمة، وتحسينَ جودةِ الحياة فيها ضمن مستهدفاتِ «رؤية 2030».. «سيدتي» التقت العتيبي للحديثِ أكثر عن المشروع.

نجلاء العتيبي
بدايةً، نودُّ التعرُّفَ على أبرزِ المحطَّاتِ في مسيرتكِ المهنيَّة؟
خلال مسيرتي المهنيَّةِ عملتُ بمؤسَّساتٍ عدة في القطاعَين الحكومي والخاص، من بينها بنكُ الجزيرة، وهنقرستيشن، كما خضتُ تجربةَ ريادةِ الأعمالِ بتأسيسِ مشروعي الخاص، وقد شكَّلَ تجربةً غنيَّةً، منحتني فهماً عملياً لتحدِّياتِ بناءِ الأعمالِ وفرصها. هذا المسارُ قادني لاحقاً إلى العملِ مع الهيئةِ العامَّةِ للمنشآت الصغيرة والمتوسِّطة “منشآت” بوصفي مستشارةً لدعمِ منظومةِ ريادةِ الأعمال في السعوديَّة. أيضاً أتشرَّفُ بعضويتي في مجلسِ إدارةِ الاتحادِ السعودي للسباحة، والمشاركةِ في عددٍ من اللجانِ التابعة لـ “غرفة الرياض” حيث أعملُ مع مجموعةٍ من المختصِّين والقطاعِ الخاصِّ على دعمِ المبادراتِ الاقتصاديَّة، وتعزيزِ بيئةِ الأعمال.
حصلتِ على شهادةِ الماجستير في إدارةِ الأعمال، ماذا أفادكِ التخصُّص؟
ريادةُ الأعمالِ تمنحُ الإنسانَ فهماً مختلفاً لطبيعةِ العمل. التخصُّصُ وفَّرَ لي تجربةً مباشرةً في اتِّخاذِ القرار، وإدارةِ الموارد، والتعاملِ مع التحدِّياتِ اليوميَّةِ التي يواجهها أي مشروعٍ في مراحله الأولى. من التجاربِ التي كان لها أثرٌ عميقٌ في تشكيلِ نظرتي المهنيَّة تجربةُ تأسيسِ مشروعٍ خاصٍّ في بدايةِ مسيرتي، إذ أعطتني فهماً أعمقَ لكيفيَّةِ تفكيرِ المستثمرين، وطريقةِ بناءِ المشروعاتِ من الفكرةِ إلى الواقع، ثم إنها جعلتني أنظرُ إلى التواصلِ من زاويةٍ أوسع: ليس بوصفه أداةً إعلاميَّةً فقط، بل وبوصفه أيضاً عنصراً استراتيجياً، يُساعد المؤسَّسات على بناءِ الثقة، وتوضيحِ القيمةِ التي تقدِّمها.
حدِّثينا عن مشروعِ مؤسَّسةِ حديقةِ الملك سلمان من حيث المساحة، إذ ستُنافس بها أكبر حدائقِ العالم، والموعد المتوقَّع للافتتاح؟
في المدنِ الكبرى تُصبح المساحاتُ الطبيعيَّةُ عنصراً أساسياً في جودةِ الحياة، لأنها تُعيد التوازنَ بين الإنسانِ والمدينة. من هذا المنطلقِ يأتي مشروعُ مؤسَّسةِ حديقةِ الملك سلمان بوصفه أحدَ المشروعاتِ الحضريَّة التحوُّليَّة في الرياض. المشروعُ يقعُ في قلبِ العاصمة، وتحديداً على أرضِ مطارِ الرياض السابق، ويمتدُّ على مساحة 217 كيلومتراً مربَّعاً، وسيكون من أكبر حدائقِ المدنِ في العالم. مع ذلك أهميَّتُه لا ترتبطُ بالحجمِ فقط، بل وأيضاً بالفكرةِ التي يقومُ عليها، فالحديقةُ صُمِّمت لتكون مساحةً للحياةِ اليوميَّة، تجمعُ بين الطبيعةِ، والثقافةِ، والرياضةِ، والتجاربِ المجتمعيَّةِ في قلبِ المدينة.
الحديقةُ ليست مجرَّد مساحةٍ خضراء، إنها منظومةٌ حضريَّةٌ متكاملةٌ، تُتيح للسكَّانِ والزوَّارِ ممارسةَ الرياضة، والتفاعلَ مع الفنون، والاستمتاعَ بالطبيعةِ في تجربةٍ واحدةٍ. المشروعُ يتمُّ تنفيذه على مراحل، وسيُفتَتح عددٌ من مكوِّناته تباعاً خلال الأعوامِ المقبلة، بما يضمنُ تقديمَ تجربةٍ رائعةٍ، تعكسُ طموحَ الرياض بأن تكون مدينةً عالميَّةً ذات جودةِ حياةٍ عاليةٍ.
يمكنك أيضًا الاطلاع على حوار مع رئيسة مؤسَّسة «إدراك» سلاف الجهني

إلى أي مدى يمكن أن يُسهم المشروعُ في تعزيزِ جودةِ الحياةِ والاستدامة بالرياض؟
المدنُ الحديثةُ اليوم لا تُقاس فقط بالبنيةِ التحتيَّة، وحجمِ مشروعاتها فقط، بل وأيضاً بجودةِ الحياة، والتجربةِ اليوميَّةِ التي تُقدِّمها لسكَّانها. مشروعُ حديقةِ الملك سلمان يُمثِّل استثماراً طويلَ الأمد في جودةِ الحياة من خلال توسيعِ المساحاتِ الخضراء، وتوفيرِ مرافقَ رياضيَّةٍ وثقافيَّةٍ متنوِّعةٍ، وخلقِ بيئةٍ حضريَّةٍ أكثر توازناً بين الإنسانِ والطبيعة. إن وجودَ هذه المساحةِ في قلبِ الرياض يمنحُ السكَّانَ الفرصةَ للعيشِ في مدينةٍ أكثر حيويَّةً وصحَّةً، ويُشجِّع على اعتمادِ أنماطِ حياةٍ نشطةٍ، تُعزِّز الصحَّةَ الجسديَّةَ والنفسيَّة. كذلك يعكسُ المشروعُ توجُّهاً حضرياً جديداً، يضعُ الإنسانَ في مركزِ التخطيط العمراني، وهو توجُّهٌ يتماشى مع مستهدفاتِ «رؤية 2030»، و«برنامج جودة الحياة».
ما الحلولُ المبتكرةُ التي يعتمدُ عليها المشروعُ للتصدِّي للتصحُّر؟
التعاملُ مع البيئةِ الصحراويَّةِ كان من أهمِّ التحدِّياتِ في تصميمِ المشروع، لذا تمَّ تبنِّي منهجٍ، يقومُ على الاستدامةِ طويلةِ المدى. سيضمُّ المشروعُ ملايين الأشجارِ والشجيرات، وعناصرَ مائيَّةً متنوِّعةً، بما يُسهم في تحسينِ المناخِ المحلي، وزيادةِ الغطاءِ النباتي في قلبِ العاصمة. أيضاً يعتمدُ على تقنيَّاتٍ متقدِّمةٍ في إدارةِ المياه وأنظمةِ الري الذكيَّة، إضافةً إلى اختيارِ نباتاتٍ ملائمةٍ للمناخِ المحلي لضمانِ الاستدامة.
الهدفُ ليس فقط زيادةَ المساحاتِ الخضراء، بل وأيضاً إعادة دمجِ الطبيعةِ في الحياةِ اليوميَّةِ للمدينة بطريقةٍ مدروسةٍ وقابلةٍ للاستمرار.
إلى جانبِ الترفيه ستحتضنُ الحديقةُ المجمَّعَ الملكي للفنون، ما الدورُ الذي سيلعبه فنياً وثقافياً لسكَّانِ العاصمة؟
المجمَّعُ الملكي للفنون سيكون من أبرزِ المعالمِ الثقافيَّةِ في الحديقة. هو يُمثِّل منصَّةً متكاملةً للفنون والإبداع، إذ سيضمُّ مسارحَ، وقاعاتِ عرضٍ، ومساحاتٍ متعدِّدةٍ للفنون، ما يُعزِّز حضورَ الثقافةِ في الحياةِ اليوميَّةِ لسكَّانِ المدينة. وجودُ هذا الصرحِ الثقافي داخلَ الحديقة، يعكسُ رؤيةً متكاملةً، ترى أن جودةَ الحياةِ لا تتحقَّقُ بالطبيعةِ، والرياضةِ فقط، بل وأيضاً بالثقافةِ، والفنِّ، وما تضيفه الفنونُ من معنى وعمقٍ لتجربةِ المدينة.
ما رأيك بالتعرف على المديرة التنفيذية للمجلس الدولي للتمور ورئيسة الجمعية السعودية للمحافظة على التراث الأميرة سارة بنت بندر بن عبدالعزيز آل سعود

كيف تصفين المرأةَ السعوديَّةَ ضمن رؤيةِ 2030؟
ما شهدته المرأةُ السعوديَّةُ خلال الأعوامِ الأخيرةِ تحوُّلٌ نوعي، يعكسُ رؤيةً قياديَّةً واضحةً، تُؤمن بقدراتِ الإنسانِ السعودي، رجلاً وامرأةً. الرؤيةُ ليست مشروعاً لتمكينِ المرأةِ بمعزلٍ عن المجتمع، بل هي مشروعٌ وطني، يُطلِق طاقاتِ المجتمعِ السعودي بأكمله، بكلِّ مكوِّناته، حيث أصبحت الكفاءةُ، والقدرةُ على الإسهامِ في بناءِ المستقبل المعيارَ الحقيقي. اليوم، نرى المرأةَ السعوديَّةَ تُشارك بفاعليَّةٍ في مختلفِ القطاعات، وتتولَّى أدواراً قياديَّةً في المشروعاتِ الوطنيَّةِ الكبرى جنباً إلى جنبٍ مع الرجلِ في مسارٍ تنموي، يقومُ على التكاملِ لا الاستثناء، فالتحوُّلاتُ الكبرى لا يصنعها طرفٌ واحدٌ، وإنما مجتمعٌ، يعملُ بروحِ التكامل، ويضعُ الكفاءةَ، والإنجازَ في المقدِّمة.
لا تخلو رحلةُ الحياةِ من التحدِّياتِ والعراقيل، كيف تمكَّنتِ من تجاوزها؟
العملُ في مشروعاتٍ كبرى يعني التعاملَ مع منظومةٍ واسعةٍ من الجهاتِ، والفرقِ، والتخصُّصات. أحدُ التحدِّياتِ الأساسيَّة في مجالِ التواصلِ تحويلُ مشروعٍ ضخمٍ قيد التنفيذِ إلى قِصَّةٍ واضحةٍ يمكن للجمهورِ فهمها، والتفاعلُ معها بثقةٍ. تجاوزُ هذه التحدِّياتِ يعتمدُ على وضوحِ الرؤية، والعملِ بروحِ الفريق، إضافةً إلى وجودِ بيئةٍ مؤسسيَّةٍ تدعمُ العملَ التكاملي.
ما معادلةُ النجاحِ التي تنصحين كلَّ مهتمٍّ بالبحثِ عنها؟
النجاحُ لا ينحصرُ في لحظةِ الوصولِ إلى الهدف، بل هو مسارٌ مستمرٌّ من التعلُّمِ والانضباط. وضوحُ الهدفِ نقطةُ البداية، والانضباطُ في التنفيذ هو ما يُحوِّل الطموحَ إلى نتائجَ ملموسةٍ، كما أن العملَ الجماعي عنصرٌ أساسٌ في أي إنجازٍ كبيرٍ، لأن المشروعاتِ التحوُّليَّة لا تُبنى بجهدٍ فردي، بل بعملِ منظوماتٍ متكاملةٍ.

ما نظرتُكِ المستقبليَّةُ لمشروعِ حديقةِ الملك سلمان، وما طموحُكِ المهني؟
اليوم، تشهدُ الرياض تحوُّلاً حضرياً كبيراً، يُعيد تشكيلَ تجربةِ المدينةِ وسكَّانها. المشروعاتُ الكبرى مثل مؤسَّسةِ حديقةِ الملك سلمان، تُمثِّل جزءاً من هذا التحوُّل حيث تُعيد تعريفَ العلاقةِ بين الإنسانِ، والطبيعةِ، والثقافةِ داخل المدينة، كما أنها استثمارٌ طويلُ الأمد لحياتها ومستقبلها. نحن نتطلَّعُ إلى أن تُصبح هذه الحديقةُ جزءاً من ذاكرةِ الرياض اليوميَّة، ومكاناً يلتقي فيه الناسُ وسطَ الطبيعةِ، وعروضِ الفنِّ، والحركة في تجربةٍ واحدةٍ متكاملةٍ. أمَّا عن طموحي المهني، فهو الاستمرارُ في بناءِ منظوماتِ تواصلٍ مؤسسيَّةٍ موثوقةٍ، وتطويرُ الكفاءاتِ الوطنيَّةِ في المجال، بما يواكبُ التحوُّلاتِ الكبيرةَ التي تشهدها السعوديَّة.
يمكنك متابعة الموضوع على نسخة سيدتي الديجيتال من خلال هذا الرابط
