العطرُ، ليس طقساً عادياً، أو رفاهيَّةً في حياةِ المرأة، بل هو مساحةٌ خاصَّةٌ، تُعبِّر عن داخلها، ومزاجها، وشخصيَّتها، ولغةٌ، تُحاكي فيها نفسها والعالمَ الخارجي. ويعدُّ العطرُ المصمَّمُ بشكلٍ خاصٍّ للنساءِ أكثر من مجرَّدِ رائحةٍ. إنه تعبيرٌ فريدٌ عن الاهتمامِ والتقدير، فاختيارُ تركيبةٍ عطريَّةٍ شخصيَّةٍ، وتقديمها بوصفها هديَّةً، يعكسُ الجهدَ، والحرصَ على إسعادِ المتلقية، ويُؤكِّد قيمتها، وتفرُّدها، وهويَّتها الخاصَّة.
إعداد: عفت شهاب الدين

العطرَ يُنعِش الذاكرة والمشاعر
العطرُ المصمَّم حسب الشخصية، لا يُعدُّ هديَّةً فقط، بل هو أيضاً رمزٌ للعنايةِ، والمودَّةِ، والتفرُّد، ويترك أثراً نفسياً وعاطفياً طويلَ الأمد.عن ذلك، تجيبُ منال زريقة، الاختصاصيَّةُ النفسيَّةُ والاستشاريَّة، في حديثها لـ «سيدتي»، إذ تُبيِّن أن «العطرَ المخصَّصَ للسيِّدة، ليس فقط رائحةً جميلةً، إنه أيضاً تعبيرٌ فريدٌ عن شخصيَّتها وذوقها. هو يمنحها التميُّزَ بترك انطباعٍ دائمٍ لدى مَن حولها، كما يتوافقُ مع كيمياءِ جسدها، ليُصبح أكثر ثباتاً وجاذبيَّةً، ويضيفُ تجربةً حسيَّةً متكاملةً، تعكسُ اهتمامها بالتفاصيل، ويُضفي شعوراً بالترفِ، والرعايةِ الذاتيَّة، ليتحوَّلَ بذلك إلى هديَّةٍ قويَّةٍ، تُعزِّز الثقة، وتُعبِّر عن الذاتِ بأسلوبٍ راقٍ ومميَّزٍ على قدرِ أمنياتها».
تضيفُ: «أهميَّةُ الهديَّةِ بأنها مصنوعةٌ حسبَ الطلب، وهذا ليس بأمرٍ عادي، أو بسيطٍ، إنه فعلٌ نفسي عميقٌ، يرتبطُ بصورةِ الذات، والحالةِ العاطفيَّةِ والانفعاليَّة، والذاكرةِ والمشاعر، وحتى بالرغباتِ غير المُعلَنة. هل نتعطَّرُ لنملأ المكانَ برائحتنا، أم أنها هويَّةٌ صامتةٌ، تحملُ رسائلَ عن مَن نكون، أو مَن نريدُ أن نكون؟». وتستطردُ زريقة: «لكلِّ امرأةٍ عطرٌ، ترتاحُ له، وتشعرُ بأنه يشبهها، بل إنها تهوى تركيبَ عطرٍ ما، كانت قد شمَّته على إحدى السيِّداتِ، لكنَّها تتراجعُ على مبدأ: إنه لا يشبهني، أو هذه ليست أنا. في حين تُفضِّل أخرياتٌ العطورَ الناعمةَ والخفيفة، بينما تميلُ نساءٌ للروائحِ القويَّةِ والعنبريَّة، وهذا لا يأتي من فراغٍ، وإنما يعكسُ شيئاً من الشخصيَّة، والحالةِ النفسيَّة، وحتى التوقُّعاتِ من الآخر. إن اختيارَ العطر، هو شكلٌ من أشكالِ التعبيرِ غير اللفظي، وطريقةٌ تقولُ بها المرأة: هذه أنا دون أن تتحدَّث».
وحول شعورِ المرأةِ بالسعادةِ عند تقديمِ عطرٍ مصمَّمٍ بشكلٍ خاصٍّ لها، وما رمزيَّةُ هذه الهديَّةِ بالنسبة إليها، تُوضح الاختصاصيَّة النفسيَّة، أن «العطرَ، يُنعِشُ الذاكرةَ والمشاعر، ويُعزِّز التعبيرَ عن الذات، وعندما تتلقَّى المرأةُ عطراً بوصفه هديَّةً، غالباً ما يكون شعورها بالبهجةِ أعمقَ من قيمتها الظاهريَّة. هناك اتِّصالٌ عميقٌ حيث ترتبطُ حاسَّةُ الشمِّ لدينا ارتباطاً مباشراً بجزءِ الدماغِ المسؤولِ عن العواطفِ والذاكرة، لذا يمكن لرائحةٍ مألوفةٍ، أو مُبهجةٍ، أن تنقلَ المرءَ على الفورِ إلى لحظةٍ عزيزةٍ، أو تُضفي عليه شعوراً بالهدوء، أو تُشعِل مشاعرَ الفرح، وبهذا الشكلِ، يُصبح العطرُ أكثر من مجرَّدِ مُنتَجٍ تجميلي، إذ يتحوَّلُ إلى تجربةٍ عاطفيَّةٍ. ثم إن الشعورَ بالفهمِ، والاهتمامِ من ناحيةِ تلقِّي عطرٍ، يُناسب شخصيَّةَ المرأة، أو ذوقها، يمكن أن يُشعِرها بثقةٍ كبيرةٍ. إنه يُعبِّر عن مشاعرها: أراكِ، وأفهمُ أسلوبكِ، وأهتمُّ بمشاعركِ».
وتحدَّثت زريقة عن المُركَّباتِ التي تدخلُ في تصميمِ العطرِ الخاصِّ بالمرأة. تقولُ: «المرأةُ، تختارُ ما يُعبِّر عنها من عطرٍ، ومن تفاعلٍ كيميائي بين العطرِ نفسه، ورائحةِ الجسد. هذا التفاعلُ الكيميائي، يُسهم في تحديدِ العطرِ الخاصِّ بها. الجسدُ، ورائحتُه، ونوعُ الجلد، وحرارةُ الجسم كلّها عناصرُ، تتضافرُ، لتُحدِّد هويَّةَ هذا العطر. نضيفُ إلى ذلك نوعَ الشخصيَّة، والسماتِ التي تمتلكها المرأةُ في اختيارِ ما يناسبها، فالشخصيَّةُ القويَّةُ المسيطرة، تميلُ إلى استعمالِ ما يُعبِّر عن قوَّتها، لذا قد تختارُ الروائحَ القويَّةَ التي تترك أثراً، أمَّا الخجولةُ الحسَّاسةُ فقد تحاول حجبَ حضورها، لتمرَّ دون أن يُلاحظها أحدٌ، وفي كثيرٍ من الأحيان قد تضع عطرها المفضَّل بوصفه طقساً داخلياً، يمنحها الشعورَ بالتماسك، ويصبح درعاً، يساعدها في مواجهة العالم نفسياً».
وتختمُ زريقة: «المرأةُ، تمرُّ بتغيُّراتٍ كثيرةٍ في حياتها: المراهقةُ، والدراسةُ، والمهنةُ، والزواجُ، والولادة، وقد يكون لكلِّ مرحلةٍ عطرٌ خاصٌّ بها، ورائحةٌ جديدةٌ، وكأنَّها تعيدُ تشكيلَ نفسها من رائحةٍ مختلفةٍ، تُعبِّر هن هويَّتها الجديدة».
ما رأيك بالاطلاع على للعروس: الروائح العطرية تلعب دوراً حاسماً في الصحة الإنجابية
"العطر المركب بمثابة هدية، تتجاوز حدود الجمال، لتصبح لغة شخصيَّةً، تُروى بالروائح، ونافذة على عالم المشاعر والذكريات والخصوصية المطلقة."
صانع العطور محمد علي طولمبه جي
تهافت على العطور المركّبة

في زمنٍ، تتشابه فيه الروائح، وتُكرِّر العلاماتُ التجاريَّةُ وصفاتها الجاهزة، تبرزُ صيحةٌ جديدةٌ، تعيدُ تشكيلَ العلاقةِ بين المرأةِ وعالمِ العطور: تركيبُ عطرها الخاص. هذه ليست مجرَّد موضةٍ عابرةٍ، وإنما خطوةٌ، تحملُ بُعداً نفسياً عميقاً، يكشفُ كيف يمكن لزجاجةٍ صغيرةٍ ممزوجةٍ بالأنامل، أن تعيدَ صياغةَ هويَّتها، وتمنحها شعوراً مضاعفاً بالثقةِ، والسيطرةِ، والانتماءِ إلى ذاتها. إنها هديَّةٌ، تتجاوزُ حدودَ الجمال، لتُصبح لغةً شخصيَّةً، تُروى بالروائح، ونافذةً على عالمِ المشاعرِ والذكرياتِ والخصوصيَّةِ المُطلَقة.
وعن أهميَّةِ الهديَّةِ المصنوعةِ حسبَ الطلب، وزيادةِ التهافتِ على تركيبِ العطورِ بوصفه مهارةً جديدةً في العامِ الجديد، يبدأ محمد علي طولمبة جي حديثه معنا، مشيراً إلى أن العطورَ المصمَّمة بشكلٍ خاصٍّ وثيقةٌ عاطفيَّةٌ وزمنيَّةٌ. يقولُ: «ابتكري عطركِ الخاص، أو لمَن تُحبِّين، واختاري الروائحَ التي تحكي قِصَّةً ما، وتمنحُ التميُّزَ في كلِّ لحظةٍ، فالعامُ الجديدُ، يستحقُّ أن يبدأ بعطرٍ، يترك أثره، تماماً مثلكِ». ويضيف صانع العطورمحمد علي طولمبة جي أن محترف Aroma Archive يعد مساحةٌ تأمُّليَّةٌ لاستكشافِ وصناعةِ العطور، وتشكًل التجربة مفهوما فنِّيا وحسِّيا، تربطُ العطرَ بالذاكرةِ والهويَّة. والفكرةُ الأساسيَّةُ في الدارِ، أن العطرَ، ليس رائحةً فقط، إنه أيضاً وثيقةٌ حيَّةٌ، تُسجِّل المشاعرَ، واللحظاتِ، والأماكن، والهدفُ الأساسُ لديها، ليس بيعَ العطورِ فقط، فهي تهتمُّ كذلك بسردِ قِصَّةٍ عطريَّةٍ، ومشاركةِ الناس، وتقديمِ النصائحِ والإرشاداتِ لهم لابتكارِ، أو صنعِ العطرِ الخاصِّ بهم، وعيشِ لحظاتٍ استثنائيَّةٍ لا تتكرَّر مع كلِّ عطرٍ فريدٍ من نوعه.
ويرى محمد، أن صناعةَ العطر، تخضعُ بالدرجةِ الأولى لشخصيَّةِ الفرد وطباعه، لذا ينصحُ مَن يقصده لتركيبِ عطره الخاصِّ، أو حتى تقديمه بوصفه هديَّةً بأن يتحرَّرَ من العطورِ التجاريَّة، وأن يبحثَ عن رائحةٍ، تُعبِّر عنه لا عن موضةِ السوق، لأن الرائحةَ بوَّابةُ الذاكرةِ الأقوى. Scientifically، تمرُّ حاسَّةُ الشمِّ من خلال الـ Limbic System في الدماغ، وهو المركزُ المسؤولُ عن الذكريات، لذا يمكن لرائحةٍ معيَّنةٍ أن تُعيدنا إلى لحظةٍ، عشناها قبل أعوامٍ وكأنَّها تقعُ الآن».
هذا، ويلاحظُ صانعُ العطور، أن «جيل Z»، يُقبِلُ بكثرةٍ على اقتناءِ العطور، لكنْ مع تفضيلِ العطورِ ذات الأسعارِ المعقولة، ويشرحُ: «يميلون إلى الروائحِ الحلوةِ مثل الفانيليا، وجوزِ الهند، والفاكهة. هذا ما يجذبهم بشكلٍ خاصٍّ».
وحول الزبائنِ الأكثر حضوراً، يجيبُ: «على الرغمِ من أن كلَّ الأعمارِ تقصدني إلا أن الشريحةَ الأكبر، تتراوحُ بين 25 و50 عاماً». لافتاً إلى وجود تساوٍ بين الرجالِ والنساء، لكنْ مع ميلٍ بسيطٍ للرجال «ربما لأنهم يعدُّون العطرَ المادةَ التجميليَّةَ الأساسيَّةَ لديهم».
يمكنك أيضًا الاطلاع على 5 زيوت عطرية تساهم بالتخفيف من حدّة التوتر والقلق لديكِ
العطر بوصفه هدية شخصية.. ومناسبات تُصنع بالرائحة

تحوَّل المكانُ الذي يعمل فيه محمد إلى مساحةٍ للاحتفالاتِ الخاصَّة، لا سيما الاحتفال بأيام الميلاد، وعن هذا الجانبِ يقول: «أجملُ المفاجآتِ تكون حين يصنعُ صاحبُ المناسبة عطرَه الخاص. إنها هديَّةٌ شخصيَّةٌ جداً».
وعمَّا إذا كان يملك عطراً مفضَّلاً، يردُّ: «كلا. كلُّ عطرٍ أصنعه، يحملُ فكرةً، أو ذكرى، لكنْ على مستوى الروائحِ الطبيعيَّة، أحبُّ الجاردينيا، والياسمين».
العطر.. لغة شخصية للتعبير عن الذات

يُوضح محمد، أن العطرَ عنصرٌ أساسٌ في إبرازِ الشخصيَّة، إذ إن «الشخصَ الاجتماعي، يميلُ إلى العطورِ التي تفوحُ، وتلفتُ الانتباه، أمَّا الشخصُ الهادئ، أو الانطوائي، فيُفضِّل الروائحَ الخفيفة، وهذا ينطبقُ حتى على الشعوب فالأوروبيون مثلاً، يُحبُّون العطورَ التي يشمُّونها هم فقط، لأنها تُعبِّر عن فرديَّتهم».
وحول إذا كانت الأناقةُ تكتملُ دون عطرٍ، يؤكِّدُ صانعُ العطور، أن هذا الأمرَ مستحيلٌ بالنسبةِ إليه. يشرحُ: «العطرُ جزءٌ لا يتجزَّأ من الأناقة، وهذا ما تفعله دورُ الأزياءِ العالميَّة، إذ تُطلِقُ عطورَها الخاصَّة، لتُكمِّل هويَّةَ أزيائها، ثم إن بعض مكوِّناتِ العطر، تعملُ في الدماغِ على زيادةِ جاذبيَّةِ الشخص».
ويُسهم العطرُ، حسبَ محمد، في تحسينِ العلاقاتِ الاجتماعيَّةِ عبر تأثيره في الدماغِ والمشاعر، فبعضُ الموادِّ الطبيعيَّةِ والكيميائيَّة، تزيدُ جاذبيَّةَ الأشخاص، وتساعدُ في تقبُّلهم أكثر، كذلك قد نربطُ رائحةَ شخصٍ بذكرى، أو موقفٍ معيَّنٍ، ما يُعزِّز الارتباطَ العاطفي.
أمَّا عن الجانبِ النفسي، فيقولُ: «الروائحُ قادرةٌ على تخفيفِ التوتُّر، وإحداثِ شعورٍ بالراحة، لأن مناطقَ الشمِّ مرتبطةٌ مباشرةً بمراكزِ العواطفِ في الدماغ، بالتالي يمكن للعطرِ أن يُحسِّن المزاج، أو يُعيد التوازنَ النفسي».
يمكنك متابعة الموضوع على نسخة سيدتي الديجيتال من خلال هذا الرابط





