يشعر العديد من الآباء بالقلق حيال تأثير استخدام التكنولوجيا على نمو أطفالهم الصغار. نعلم أن أطفالنا في مرحلة ما قبل المدرسة يكتسبون مهارات اجتماعية ومعرفية جديدة بوتيرة مذهلة، ومن غير السليم أن تعوق ساعات استخدامهم الطويلة للأجهزة اللوحية هذا النمو. لكن القليلين منا مَن ينتبهون إلى كيفية تأثير استخدام أبنائه المراهقين للتكنولوجيا، بحيث أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي والرسائل النصية، جزءاً لا يتجزأ من حياة المراهقين، تُعزز القلق وتُضعف الثقة بالنفس. والسؤال الذي يطرحه الخراء، هل يؤثر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي على ثقة المراهقين بأنفسهم؟.. هذا ما نوضحه في الموضوع الآتي.
التواصل غير المباشر بين المراهقين ومَن حولهم

المراهقون بارعون في شغل أوقات الفراغ بعد المدرسة وحتى ساعات متأخرة من الليل. فعندما لا يكونون منهمكين في أداء واجباتهم المدرسية (وحتى عندما يكونون كذلك)، تجدهم متصلين بالإنترنت وعلى هواتفهم، يتبادلون الرسائل، وينشرون المحتوى، ويسخرون، ويتصفحون، وغير ذلك الكثير. بالطبع، قبل أن يمتلك الجميع حسابات على إنستغرام، كان المراهقون يشغلون أنفسهم أيضاً، لكنهم كانوا يميلون أكثر إلى التواصل عبر الهاتف، أو وجهاً لوجه أثناء التسكع في مراكز التسوق. قد يبدو الأمر وكأنه تسكع بلا هدف، لكن ما كانوا يفعلونه هو تجربة واختبار مهارات جديدة، والنجاح والفشل في تفاعلات صغيرة وفورية كثيرة يفتقدها جيل اليوم. حيث يتعلم الأطفال والمراهقون المعاصرون إجراء معظم تواصلهم أمام الشاشة، وليس أمام شخص آخر. وبطريقة ما، يضع التواصل عبر الرسائل النصية والإنترنت الجميع في سياق تصبح فيه لغة الجسد وتعبيرات الوجه، وحتى أبسط أنواع ردود الفعل الصوتية، غير مرئية.
أيهما أقل خطراً.. التواصل المباشر أم الإنترنت بالنسبة للأطفال والمراهقين؟
إذا لم يحصل الأطفال على فرص كافية للتدرب على التواصل مع الآخرين وتلبية احتياجاتهم وجهاً لوجه وفي الوقت الفعلي، فسينشأ الكثير منهم ليصبحوا بالغين قلقين بشأن وسيلة التواصل الأساسية لجنسنا البشري - وهي الكلام. وبالطبع، تزداد المفاوضات الاجتماعية صعوبة مع تقدم الناس في السن وبدء خوضهم التواصل العاطفي مع من حولهم، ويواجهون عدة مخاطر منها:
خطر بناء الصداقات عبر الإنترنت على المراهقين والأطفال

لا شك أن التحدث بشكل غير مباشر يُشكل عائقاً أمام التواصل الواضح، ولكن هذا ليس كل شيء. فتعلم كيفية تكوين الصداقات جزء أساسي من النضج، والصداقة تتطلب قدراً من المجازفة. هذا ينطبق على تكوين صداقة جديدة، وكذلك على الحفاظ على الصداقات. عندما تظهر مشاكل تستدعي المواجهة - كبيرة كانت أم صغيرة - يتطلب الأمر شجاعة للتعبير عن مشاعرك بصدق، ثم الاستماع إلى ما يقوله الطرف الآخر. إن تعلم كيفية تجاوز هذه العقبات بفاعلية هو ما يجعل الصداقة ممتعة ومثيرة، ومخيفة في الوقت نفسه. بحيث إن جزءاً من ثقة المراهق السليمة بنفسه هو معرفة كيفية التعبير عما يفكر فيه المراهق ويشعر به حتى عندما يكون على خلاف مع الآخرين أو عندما يشعر بمخاطرة عاطفية".
لكن عندما تُبنى الصداقات عبر الإنترنت والرسائل النصية، فإن المراهقين الأطفال يفعلون ذلك في سياقٍ خالٍ من العديد من الجوانب الشخصية، بل والمخيفة أحياناً، للتواصل. ويجدون أنه من الأسهل توخي الحذر عند المراسلة النصية، لذا فالأمر أقل خطورة. هم لا يرون أو يسمعون تأثير كلماتهم على الشخص الآخر. ولأن المحادثة لا تجري في الوقت الفعلي، يمكن لكل طرف أن يأخذ وقتاً أطول للتفكير في الرد. لا عجب إذن أن يقول الأطفال إن الاتصال الهاتفي "مُرهِق للغاية" - فهو يتطلب تواصلاً مباشراً أكثر، وإذا لم يكونوا معتادين على ذلك، فسيشعرون بالخوف.
هل يشاركنا أصدقاء الابن والسوشيال ميديا تربية أطفالنا؟ 6 خطوات للتوازن
خطر التنمر الإلكتروني ومتلازمة المحتال على المراهقين والأطفال

الخطر الكبير الآخر الناجم عن تواصل الأطفال بشكل غير مباشر هو سهولة التعبير عن القسوة، إذ يكتب الأطفال رسائل نصية تتضمن أشياءً لا يمكن لأحد أن يفكر في قولها وجهاً لوجه. وهذا ينطبق بشكل خاص على الفتيات، اللواتي لا يفضلن عادةً الاختلاف في الرأي في الحياة الواقعية.
بالتأكيد أنت تأملين أن تعلميهم أنه بإمكانهم الاختلاف دون تعريض العلاقة للخطر، لكن ما تعلمه لهم وسائل التواصل الاجتماعي هو الاختلاف بطرق أكثر تطرفاً، وهذا ما يعرض العلاقة للخطر فعلاً. وهذا بالضبط ما لا تريدين حدوثه".
الفتيات أكثر عرضة للخطر. حيث ينشأن على مقارنة أنفسهن بالآخرين، لتطوير هويتهن، مما يجعلهن أكثر عرضة لآثار هذا الوضع السلبية، يحذر الخبراء النفسيون، من أن انعدام الثقة بالنفس عند الأطفال غالباً ما يكون السبب. الذي يتسبب بانعدام الأمان والشعور بالسوء تجاه الذات، والرغبة في التقليل من شأن الآخرين للشعور بتحسن.
يُضاف إلى ذلك حصول الأطفال اليوم على بيانات استطلاعات رأي فعلية حول مدى إعجاب الناس بهم أو بمظهرهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي مثل "الإعجابات". هذا كفيلٌ بجذب انتباه أي شخص. من منا لا يرغب في أن يبدو أكثر جاذبية لو أتيحت له الفرصة؟ لذا، يقضي الأطفال ساعات في تنقيح حساباتهم على الإنترنت، محاولين إظهار صورة مثالية. تُقلّب الفتيات المراهقات بين مئات الصور، في حيرةٍ من أمرهنّ لاختيار ما ينشرنه. يتنافس الأولاد على جذب الانتباه من خلال محاولة التفوّق على بعضهم البعض في المظهر، متجاوزين الحدود قدر الإمكان في بيئة الإنترنت المتحررة أصلًا. يتكتّل الأطفال ضد بعضهم البعض.
لطالما كان المراهقون يفعلون ذلك، ولكن مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، يواجهون فرصاً أكثر - ومخاطر أكثر - من أي وقت مضى. عندما يتصفح الأطفال صفحاتهم ويرون كم يبدو الجميع رائعين، يزيد ذلك من الضغط عليهم. في الحقيقة أننا اعتدنا على القلق بشأن المثل العليا غير الواقعية التي تقدمها صور عارضات المجلات المعدلة لأطفالنا، ولكن ماذا لو كانت صور الأشخاص العاديين معدلة أيضاً؟ والأكثر إرباكاً، ماذا لو لم يعكس ملفك الشخصي شخصيتك الحقيقية؟
خطر المطاردة (والتجاهل) على المراهقين والأطفال

من أبرز التغييرات التي طرأت مع التكنولوجيا الحديثة، وخاصة الهواتف الذكية، أننا لم نعد نشعر بالوحدة أبداً . يُحدّث الأطفال حالتهم، ويشاركون ما يشاهدونه ويستمعون إليه ويقرأونه، ولديهم تطبيقات تُتيح لأصدقائهم معرفة موقعهم بدقة على الخريطة في جميع الأوقات. حتى لو لم يكن الشخص يُريد إبقاء أصدقائه على اطلاع، فإنه يبقى دائماً في متناول رسالة نصية. والنتيجة هي أن الأطفال يشعرون بتواصلٍ وثيقٍ مع بعضهم البعض. لا تتوقف المحادثة أبداً، ويبدو أن هناك دائماً شيئاً جديداً يحدث.
بغض النظر عن رأينا في "العلاقات" التي تُبنى، وفي بعض الحالات تُنشأ، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فإن الأطفال لا يحصلون على أي راحة منها. وهذا بحد ذاته قد يُسبب القلق. يحتاج كل شخص إلى فترة راحة من متطلبات التواصل؛ وقتٌ بمفرده لإعادة ترتيب أفكاره، واستعادة نشاطه، والاسترخاء. عندما لا يتوفر ذلك، يسهل استنزاف المشاعر، مما يُهيئ بيئة خصبة لنمو القلق عند الطفل.
ومن السهل، بشكلٍ مفاجئ، الشعور بالوحدة وسط كل هذا التواصل المفرط. فالأطفال اليوم يدركون، بيقينٍ مُحبط، متى يتم تجاهلهم. جميعنا نملك هواتف، وجميعنا نستجيب بسرعة، لذا عندما تنتظر رداً لا يأتي، يكون الصمت مطبقاً. قد يكون التجاهل إهانةً مُتعمدة، أو مجرد أثر جانبي مؤسف لعلاقة عاطفية عبر الإنترنت بين المراهقين، تبدأ بقوة ثم تتلاشى.
في الماضي، عندما كان المراهق ينوي إنهاء تواصله مع فتاة، كان عليه أن يتحدث معها، أو على الأقل أن يتصل بها. أما اليوم، فقد يختفي فجأة من على الشاشة، ولن تتاح لها فرصة التحدث معه عن أفعاله، غالباً ما يضطر الأطفال إلى تخيل أسوأ السيناريوهات عن أنفسهم.
لكن حتى عندما لا تنتهي المحادثة، فإن البقاء في حالة انتظار مستمرة قد يثير القلق. قد نشعر بأننا مهمشون، ونهمل الآخرين، وتُهمَل حاجتنا الإنسانية للتواصل أيضاً.
مخاطر يواجهها الأطفال على الإنترنت وإليك كيفية حماية طفلك
ما الذي ينبغي على الآباء فعله؟

يتفق الخبراء على أن أفضل ما يمكن للوالدين فعله لتقليل المخاطر المرتبطة بالتكنولوجيا هو الحد من استخدامهم لها أولاً. يقع على عاتق الوالدين أن يكونوا قدوة حسنة في الاستخدام الصحي للأجهزة. معظمنا يتفقد هواتفه أو بريده الإلكتروني بكثرة، إما بدافع الاهتمام الحقيقي أو بدافع العادة، وما عليهما إلا اتباع الآتي:
- اجعلوا الأطفال يعتادون على رؤية وجوهكم، لا رؤوسكم المنحنية على الشاشة.
- خصصوا أماكن تقاطع التكنولوجيا في المنزل، وساعات لا يستخدم فيها أحد الهاتف، بما في ذلك الأم والأب.
- لا تدخلوا المنزل بعد العمل وأنتم تتحدثون. لا تدخلوا بعد العمل، وتلقوا التحية بسرعة، ثم تقولوا: "فقط تفقدوا بريدكم الإلكتروني".
- في الصباح، استيقظوا قبل أطفالكم بنصف ساعة وتفقدوا بريدكم الإلكتروني حينها. امنحوهم كامل انتباهكم حتى يخرجوا من المنزل. ولا ينبغي لأي منكما استخدام الهواتف في السيارة من وإلى المدرسة، لأن هذا وقت مهم للتحدث.
- ابتكروا البدائل الصحية، التي تعزز أيضاً الرابطة بين الوالدين والأبناء، وتجعل الأطفال يشعرون بمزيد من الأمان، مثل الأنشطة التفاعلية للأطفال.
- عرفوا الأطفال أنكم موجودون لمساعدتهم في حل مشاكلهم، والتحدث معهم عن يومهم، أو حتى تنبيههم إلى الواقع.
- احرصوا على الا تمد التكنولوجيا الأطفال بمعلومات أكثر مما يمكنك أنت، فهي لا تُراعي قيمك. ولن تكون حساسة لشخصية طفلك، ولن تُجيب على أسئلته بطريقة مناسبة لمرحلة نموه.
- إذا كان طفلك يستخدم إحدى منصات التواصل الاجتماعي، فيجب عليك إضافته كصديق ومراقبة صفحته. لكن لا تطلعي على الرسائل النصية إلا إذا كان هناك سبب يدعو للقلق على الطفل. ومن الأفضل أن يكون سبباً وجيهاً.
- ابدأوا بالثقة بأبنائكم. إن عدم منح طفلك فرصة الشك يُلحق ضرراً بالغاً بالعلاقة. يجب أن يشعر الطفل بأن والديه يعتقدان أنه طفل صالح.
- ازرعوا ثقتكم بأنفسهم من خلال في إشراكهم في شيء يثير اهتمامهم. قد يكون ذلك رياضة أو موسيقى أو حتى تفكيك أجهزة الكمبيوتر أو العمل التطوعي - أي شيء يثير اهتمامهم ويمنحهم الثقة.
- علموا الأطفال الشعور بالرضا بدلاً من الاهتمام بمظهرهم أو بممتلكاتهم، بذلك يصبحون أكثر سعادة وأكثر استعداداً للنجاح في الحياة الواقعية. إن كون معظم هذه الأنشطة تتضمن أيضاً قضاء وقت في التفاعل مع أقرانهم وجهاً لوجه يُعد إضافة رائعة.
*ملاحظة من «سيدتي»: قبل تطبيق هذه الوصفة أو هذا العلاج، عليك استشارة طبيب متخصص






