mena-gmtdmp

الخزافة اللبنانية ماغالي الشمالي: أعمالي تُغري بلمسها وتمنح المنزل دفئاً

فنانة الخزف اللبنانية ماغالي الشمالي
الخزافة اللبنانية ماغالي الشمالي

ماغالي الشمالي، خزافة من لبنان، لا تكتفي بتشكيل السيراميك لإخراج قطع وأكسسوارات زخرفية جذابة بل تحرص على ربط الناس أكثر بهذه الحرفة من خلال تنظيم دورات تدريبية. تحبّ الفنانة المجازة بهندسة التصميم الداخلي أن تعكس أعمالها حالة عدم الكمال مع عيوب طفيفة وأن تغري بلمسها. تُسلّط السطور الآتية على رحلة الخزافة، وأبرز محطّاتها.

محطة فارقة في حياتي

من أعمال فنانة الخزف ماغالي الشمالي
مزهرية من أعمال الخزافة ماغالي الشمالي

بدأتِ مغامرة الفنّ بمادة الطين الجاف زمن كورونا؛ كيف تقيّمين تجربتك اليوم بعد انقضاء كل هذه الأعوام؟

ما بدأ كتجربة عفوية خلال فترة الإغلاق اتقاءً من كوفيد-19، تحوّل تدريجياً إلى محطّة فارقة في حياتي. كان الطين الجاف مدخلي إلى العمل اليدوي وإعادة التواصل مع الإبداع في وقتٍ ساد فيه عدم اليقين. بالنظر إلى الوراء، راهناً، أراه حجر زاوية لا مجرد مرحلة مؤقتة. لقد علّمني الصبر والمثابرة وأهمية الثقة بالحدس. على مرّ السنين، توسّعت هذه الرحلة بطرقٍ لم أخطّط لها أبداً -على الصعيدين الشخصي والمهني- ممّا قادني في النهاية إلى فن الخزف، وإنشاء "استوديو" خاص بي، مع ممارسة الفن بدوام كامل. أنا ممتنةٌ للبداية، لأنه لولا تلك اللحظة، لما كان أيٌّ مما تلاها موجوداً.


قد يهمك أيضاً الاطلاع على: تجربتان فنيتان غنيتان .. أكسسوارات ومنحوتات يدوية

أنواع من الطين

علب المناديل الخزفية
علب المناديل الخزفية بتوقيع ماغالي الشمالي

ما هي الفروق بين مادتي الطين الذي يجف بالهواء والطين الخزفي؟ وكيف أثّر انتقالك إلى الخزف على ممارستك الفنية؟

كانت مادة الطين الذي يجف بالهواء نقطة انطلاق مشروعي؛ ولأنها لا تتطلب الإحراق في فرن، فقد أتاح لي فرصة كبيرة للتدرب والتجربة بحرية، وتطوير مهاراتي بالتزامن مع نمو مشروعي الفني. لقد كان أساساً جوهرياً. قبل عامين، قررت ترك وظيفتي والتفرغ تماماً للخزف. حصلت على فرني الخاص وأسّست "استوديو" أكبر للخزف، ممّا شكّل نقطة تحول رئيسية. أدخل العمل بالطين الخزفي عملية أكثر تعقيداً من الناحية التقنية، ولكنه مكّنني من ابتكار قطع متينة وعملية تدوم لفترة أطول. ساهم هذا التحول في الارتقاء بعملي وساعدني على ترسيخ مكانتي كخزافة مُحترفة بدوام كامل.

ملاذي الإبداعي

إبريق سيراميكي
إبريق سيراميكي في مجموعة الخزافة ماغالي الشمالي

هل تتبعين روتيناً يومياً، أم أن هذه الحرفة تتطلب التركيز على لحظات إبداعية محددة؟

لديّ "استوديو" خاص بي لصناعة الخزف في منطقة سهيلة بكسروان (شمال العاصمة بيروت) والذي أصبح مكان عملي وملاذي الإبداعي. وعلى الرغم من وجود بعض أوقات الروتين المتعلّق بالعمل -كتحضير الطين، والتزجيج، والحرق، والتدريس- إلا أن الإبداع نفسه لا يلتزم بجدول زمني صارم. بعض الأيام منظمة، بينما تُدار أيام أخرى بالكامل بالحدس. تتطلب هذه الحرفة الإصغاء جيداً للمادة، ولإيقاع اليوم، وللحالة الذهنية لمن يشتغل بها. لقد تعلّمتُ احترام هذه الإيقاعات بدلاً من إجبار نفسي على الإنتاجية. على مدار العام ونصف العام الماضيين، طورتُ أيضاً إيقاعاً أسبوعياً أكثر تنظيماً، فصناعة الخزف عملية بطيئة ومتدرجة -من التشكيل والتجفيف، إلى الحرق الأولي، والتزجيج، والحرق النهائي- وكل مرحلة تحتاج إلى توقيت دقيق وأولوية محددة. الصبر هو أساس كل شيء. لأنني غالباً ما أقوم بإنشاء كميات كبيرة كهدايا تذكارية إلى جانب الطلبات الخاصة وورش العمل في "الاستوديو"، فأنا الآن أخطط لأسبوعي بوعي، مما يسمح للإبداع والحرفية بالتعايش معاً.

من الشباب إلى المسنين

فنانة الخزف ماغالي الشمالي في الاستديو الخاص بها
الخزافة ماغالي الشمالي في الاستوديو الخاص بها أثناء ورشة تدريب

ماذا عن تعليم هذه الحرفة و"المجتمع" الذي تبنينه حولها؟ من هم الأشخاص الأكثر اهتماماً بها؟

أصبح التدريس جزءاً أساسياً من عملي من خلال ورش عمل Clay with Gäli التي أقدمها في "الاستوديو" الخاص بي. تستغرق الواحدة من هذه الجلسات حوالي ثلاث ساعات، وهي مُصمّمة لتكون مُرحِّبة وممتعة وباعثة على السكينة. هذه الممارسة مُناسبة للجميع، لكنني أُركّز على البالغين -من الشباب في العشرينيات من أعمارهم إلى المشاركين في الستينيات والسبعينيات- الذين يأتون جميعاً لتجربة الاشتغال بالطين كشكل من أشكال العناية الذاتية والاستراحة الإبداعية. يجيء بعض الأشخاص بمفردهم، وآخرون مع أصدقائهم أو أحبائهم، لكن الجميع يشتركون في الرغبة نفسها في التباطؤ، والتواصل مع ذواتهم، والاستمتاع بلحظة هادئة مُريحة غالباً مع فنجان قهوة في اليد والطين بين أصابعهم. بالإضافة إلى تعلم التقنيات، تُهيئ ورش العمل مساحة للتواصل والحضور والبهجة الهادئة. كما أُدرِّس خارج "الاستوديو" على مستوى شخصي أكثر، مما يسمح لي بالوصول إلى أشخاص جدد والتواصل مع مجتمعات مختلفة.


قد يهمك الاطلاع أيضاً على: من طواجن الفخار إلى الأكسسوارات حرفة الأجداد تزين منازل الأحفاد

التصميم الداخلي

إكسسوار لحمل البخور
حامل للبخور

هل تتطلب هذه الحرفة اتباع قواعد محددة بدقة، أم أنها تتيح مساحة واسعة للتعبير الشخصي؟ وكيف أفادتك شهادتك الجامعية في التصميم الداخلي؟

للخزف قواعده الفنية، خاصةً فيما يتعلق بالبنية والتجفيف والحرق، ولكن ضمن هذه الحدود، هناك مساحة هائلة للتعبير الشخصي. أعمل بشكل أساسي بالتشكيل اليدوي، وهي طريقة أبطأ وأكثر حميمية لتشكيل الطين. تعتمد هذه الطريقة على بعض التقنيات الأساسية التي يمكن لأي شخص تعلمها والتطور معها، ومع ذلك فهي تسمح لكل قطعة بأن تظل معبرة، وغير كاملة، وإنسانية للغاية. هنا أشعر بأكبر قدر من الارتباط بعملي، فبناء الأشكال يدوياً يسمح لي بترجمة المشاعر والحركة والنوايا مباشرةً إلى الطين. تؤثر خلفيتي في التصميم الداخلي بشكل كبير على طريقة إبداعي. أُصمّم بشكل أساسي قطعاً خزفية لمنازل وأماكن محددة، لذلك أفكر دائماً في التناسب والتوازن والملمس، وكيف سيتناغم الشيء مع بيئته. يساعدني كوني مصممة ديكور داخلي على فهم رؤية العميل، ومساحته، وأسلوب حياته، وترجمة ذلك إلى قطعة لا تبدو جميلة فحسب، بل متناغمة وذات معنى في منزله.

إبريق سيراميكي

إبريق مصنوع من السيراميك في مجموعة الخزافة ماغالي الشمالي
نسخة أخرى من الإبريق السيراميكي في مجموعة الخزافة ماغالي الشمالي

حدّثينا أكثر عن تصميمك الإبريق (إناء الماء التقليدي في بلاد الشام) باستخدام الطين بأسلوب معاصر.

يحمل الإبريق دلالات ثقافية عميقة في منطقتنا، ولم يكن هدفي استنساخه قطّ، بل إعادة تفسيره. بدأت العمل عليه خلال فترة عصيبة، أثناء الحرب (2024). ففي أحد أيام الأحد، شعرتُ بثقلٍ وإرهاق، فذهبتُ إلى "الاستوديو" ولاحظتُ إبريقاً زجاجياً أملكه. أشعلت تلك اللحظة فكرة تحويله إلى سيراميك بأسلوبي الخاص. أضفيتُ انسيابية على بعض الخطوط، وأعدتُ تصميم المقبض، وأضفتُ زخارف وألواناً وقواماً مرحة. بعض النسخ التي أعددتها من الإبريق نابضة بالحياة ومعبرة، والبعض الآخر هادئ وبسيط. ما زلتُ أجرب، لكن الإبريق أصبح بطبيعة الحال بصمتي المميزة، وقطعة أشعر بارتباط عميق بها.

لم يكن هدفي استنساخ الإبريق التقليدي بل منحه لغتي الخاصة

أكسسوارات منزلية

ما هي أبرز أكسسوارات المنزل ضمن مجموعتك؟

إلى جانب الإبريق، تضم مجموعتي قطعاً هي الأكثر مبيعاً، مثل علب المناديل الخزفية، وحوامل الشموع، والمزهريات، وحوامل البخور، وغيرها من القطع الزخرفية. يستهويني الجمع بين الوظيفة والجمال، وأن أصمم قطعاً للاستخدام تغري باللمس والعيش معها. الملمس، والعيوب الطفيفة، والشعور بالدفء عناصر متكررة في أعمالي، مما يمنح كل قطعة طابعها الخاص الهادئ بدلاً من السعي نحو الكمال.

ديكور المنزل

ما هي نصائحكِ لتزيين المنزل بأكسسوارات خزفية مصنوعة يدوياً؟

تبدو قطع السيراميك المصنوعة يدوياً في أبهى حُللها عندما تُترك لها مساحة "للتنفس". لذا، أنصح دائماً بمزجها بعناصر بسيطة وأنيقة لتبرز بملمسها وأشكالها. كما أن تجميع القطع الخزفية بأعداد فردية، وترتيب تلك ذات الأطوال المختلفة بالقرب من بعضها البعض، ودمج القطع العملية بالقطع الزخرفية، يخلق تناغماً طبيعياً. والأهم من ذلك، اختاري قطعاً تُلامس مشاعركِ، فالأشياء المصنوعة يدوياً تحمل قصصاً، ويجب أن يعكس المنزل ذلك.