مع انطلاق فعاليات الدورة الثانية والثمانين من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، الممتدة من 28 أغسطس إلى 7 سبتمبر 2025، يلفت قسم "فينيسيا إميرسيف" (Venice Immersive) الأنظار باعتباره أحد أكثر المبادرات طموحًا وابتكارًا في تاريخ المهرجان. القسم، الذي يُخصص لعروض الواقع الافتراضي (VR) والواقع المعزز (AR) والتجارب التفاعلية، لم يعد مجرد مساحة جانبية للابتكار، بل تحوّل إلى واجهة رئيسية تعيد صياغة مفهوم السرد السينمائي نفسه، وتفتح آفاقًا جديدة لمستقبل الفن السابع.
جزيرة لازاريني: من حجر صحي إلى معمل للإبداع
يُقام القسم في موقع استثنائي على جزيرة لازاريني دي سانتا ماريا (Lazzaretto Vecchio)، تلك الجزيرة التاريخية في بحيرة فينيسيا التي كانت تُستخدم في القرن الخامس عشر كمستشفى للحجر الصحي خلال وباء الطاعون. بعد قرون من الإهمال، أعاد المهرجان منذ عام 2016 استثمار أكثر من 3.5 مليون يورو لتحويل المكان إلى مركز ثقافي متطور ومختبر إبداعي مفتوح على المستقبل.
اليوم، تضم الجزيرة أجنحة عرض مجهزة بأحدث التقنيات: شاشات بانورامية بزاوية 360 درجة، سماعات رأس متطورة، وأنظمة تتبع حركي تسمح للزوار بالتحرك داخل التجارب الافتراضية والتفاعل معها مباشرة. هذا التزاوج بين الإرث التاريخي والابتكار التكنولوجي يجعل من لازاريني فضاءً فريدًا يعكس روح فينيسيا كمدينة تجمع بين الماضي والحداثة.
28 مشروعًا في المنافسة: تنوع عالمي وجرأة موضوعية
هذا العام، يقدّم "فينيسيا إميرسيف" 28 عملًا في المسابقة الرسمية، إلى جانب 11 مشروعًا خارج المنافسة، بمشاركة 18 دولة من بينها الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، الصين، كوريا الجنوبية وكندا.
الأعمال تتنوع بين تجارب واقع افتراضي، تركيبات متعددة الوسائط، ومشاريع واقع معزز، وتتناول موضوعات شديدة التنوع: من التغير المناخي إلى الهويات الثقافية، مرورًا بالتاريخ الشخصي والجماعي وصولًا إلى القضايا الاجتماعية المعاصرة.
يُمكنكم قراءة: الإعلان عن تكريم المخرج الأمريكي جوليان شنابل بالدورة المقبلة من مهرجان فينيسيا السينمائي
من أبرز المشاريع المشاركة:
"The 7th Guest VR" (إخراج بول فان دير مير): إعادة إبداعية تفاعلية للعبة الفيديو الكلاسيكية الشهيرة من التسعينيات، حيث ينغمس الزائر في قصر مسكون مليء بالألغاز، باستخدام إمكانات الواقع الافتراضي لخلق تجربة بصرية وحسية غامرة.
"The Art of Change" (إخراج سابين غيث وجيسيكا موني): تجربة غامرة تستكشف آثار التغير المناخي بأسلوب بصري شاعري يحفّز الجمهور على التفكير في مسؤوليتهم تجاه الكوكب.
"Letters from Drancy" (إخراج دارين إيمرسون): عمل وثائقي مؤثر يعيد بناء ذكريات ناجية من الحرب عبر تقنيات الواقع الافتراضي، في مزيج يجمع بين التوثيق التاريخي والحميمية العاطفية.
أما الأعمال المعروضة خارج المسابقة فتندرج ضمن مبادرة "Best of Venice Immersive"، التي تحتفي بأعمال لاقت نجاحًا في دورات سابقة، إضافة إلى برنامج "Worlds in Focus" المكرس للتجارب السردية المبتكرة، بما فيها عوالم الميتافيرس والتجارب متعددة المستخدمين.
إعادة تعريف السينما: فلسفة القسم ورؤيته
منذ تأسيسه عام 2016، أصبح "فينيسيا إميرسيف" مرجعًا عالميًا في تقديم الأعمال المغامرة، بفضل إشراف المخرجين ليز روزنتال وميشيل رايموند، اللذين يحرصان على اختيار مشاريع تجمع بين التنوع الثقافي والابتكار التكنولوجي.
وتقول روزنتال حسب بيان صحفي صادر عن إدارة المهرجان: "هدفنا ليس عرض أعمال فنية فقط، بل إعادة صياغة العلاقة بين الجمهور والقصة. نحن نريد من المشاهد أن يتحوّل إلى مشارك، جزء حي من الحكاية."
هذه الرؤية تجعل من المهرجان نموذجًا فريدًا مقارنة بمهرجانات كبرى مثل كان أو برلين، التي لم تصل بعد إلى هذا المستوى من الاستثمار في تقنيات الواقع الافتراضي. وفي دورة هذا العام، يتجلى التكامل بين السينما التقليدية والتجارب التفاعلية بوضوح، إذ يتزامن "فينيسيا إميرسيف" مع عروض أفلام بارزة مثل "Jay Kelly" لجورج كلوني وآدم ساندلر، ليعكس المهرجان ثنائية الفن الكلاسيكي والابتكار المعاصر.
مبادرات تعليمية وجوائز محفزة
لا يقتصر القسم على العروض الفنية، بل يقدم برنامجًا تعليميًا متكاملًا يتضمن ورش عمل، جلسات نقاش، ومحاضرات متخصصة بمشاركة فنانين ومطوري تقنيات الواقع الافتراضي. الهدف هو دعم المبدعين الشباب، خصوصًا من الدول الناشئة في هذا المجال، وخلق جسور تعاون بين الفن والتكنولوجيا.
كما يمنح القسم جائزة "فينيسيا إميرسيف" لأفضل تجربة غامرة، بناءً على تقييم لجنة تحكيم دولية تضم خبراء في السينما والوسائط التفاعلية. في السنوات الماضية، فازت أعمال بارزة مثل "The Line" و**"Goliath: Playing with Reality"**، ما ساهم في تعزيز حضورها على الساحة العالمية وفتح أبواب جديدة أمام مخرجيها.
تجربة الزوار: بين العوالم الافتراضية وسحر الجزيرة
الزائرون لجزيرة لازاريني يخوضون رحلة فريدة، حيث تُتيح لهم التقنيات المتقدمة مثل Oculus Quest 3 وأنظمة التتبع الحركي الغوص في عوالم افتراضية قد تتحكم فيها قراراتهم المباشرة. بعض المشاريع تمنح الجمهور حرية التجول، التفاعل مع شخصيات افتراضية، بل والتأثير على مجريات القصة.
ولضمان تجربة مريحة، تُنظم العروض في جلسات محددة، مع حجز مسبق بسبب محدودية الأماكن. كما يُشجَّع الحضور على استكشاف الجزيرة نفسها، التي تحولت إلى متحف مفتوح يروي تاريخ فينيسيا. وقد وفّر المهرجان قوارب مكوكية مجانية لنقل الزوار من ليدو إلى الجزيرة، ما جعل الرحلة جزءًا من سحر المهرجان وتجربته الكاملة.
تأثير عالمي ورؤية مستقبلية
ينعقد "فينيسيا إميرسيف" في سياق عالمي يشهد نموًا غير مسبوق لصناعة الواقع الافتراضي والمعزز، التي صارت اليوم أداة رئيسية ليس فقط في السينما والألعاب، بل في التعليم والمتاحف والمؤسسات الثقافية. وغالبًا ما تجد الأعمال التي تعرض هنا طريقها إلى فضاءات أخرى، مثل Meta Horizon Worlds أو المتاحف الكبرى. على سبيل المثال، قد يُعرض "Letters from Drancy" مستقبلًا في مؤسسات تعليمية لتوثيق تجربة الهولوكوست للطلاب، ما يبرز البعد الثقافي والتوعوي لهذه المشاريع.
نحو أفق جديد للفن السابع
مع تقديم 28 عملًا تنافسيًا و11 عملًا إضافيًا في فضاء استثنائي مثل جزيرة لازاريني، يرسخ قسم "فينيسيا إميرسيف" مكانته كأحد أكثر أقسام مهرجان فينيسيا إبداعًا ورؤيةً للمستقبل. فهو لا يقدم فقط منصة للابتكار الفني، بل يضع الجمهور في قلب التجربة، ليصبح جزءًا من الحكاية بدل أن يبقى متفرجًا سلبيًا.
إنه إعلان واضح بأن السينما قادرة على التطور والتكيف مع التكنولوجيا الحديثة دون أن تفقد جوهرها الإنساني، وأن فينيسيا، أعرق المهرجانات، ما زالت سبّاقة في رسم ملامح الفن السابع للقرن الحادي والعشرين.
يُمكنكم قراءة: أبرز المعلومات عن الأفلام المُنافسة في المسابقة الرسمية بـ مهرجان فينيسيا 2025
لمشاهدة أجمل صور المشاهير زوروا «إنستغرام سيدتي».
وللاطلاع على فيديوغراف المشاهير زوروا «تيك توك سيدتي».
ويمكنكم متابعة آخر أخبار النجوم عبر «تويتر» «سيدتي فن».