كورونا يعيد المدرسة العمومية إلى الواجهة في المغرب

عبدالسلام عمور، رئيس رابطة التعليم الخصوصي
سعيد أمزازي، وزير التعليم
صورة تعبيرية
الإعلامي محمد العباسي
5 صور

وضعت جائحة كورونا مدارس التعليم الخصوصي في المحك؛ حيث اندلع سجال واسع بخصوص أداء الواجبات الشهرية في ظل التعليم عن بعد؛ فالمدارس الخاصة تعبر عن تخوفاتها من الكساد الذي قد يلحق بها بسبب تداعيات جائحة كورونا، بعد امتناع جل الآباء عن أداء المصاريف الشهرية كاملة؛ ففي الوقت الذي تصر فيه المدارس لاستخلاص حقوقها كاملةً؛ قصد الوفاء كما تقول مع جميع الجهات بالتزاماتها تجاه الأساتذة والبنوك، يتذرع الآباء بأسباب مختلفة كمبرر من وجهة نظرهم التي تخول لهم إما الإعفاء من أداء واجبات التمدرس الشهرية أو اعتماد تسهيلات في الأداء، وخاصة لفائدة الأسر التي تراجعت مداخيلها بسبب الوباء، وأبدت مدارس محدودة جداً تفهمها للوضع، واجتهدت في الوصول إلى صيغة مرنة مع الآباء، بينما عبرت جل المدارس عن جشعها الكبير بإلزام الآباء بضرورة سداد واجبات التمدرس كاملة.


قضية ساخنة

6812071-1188581057.jpg


يأتي هذا الجدال الحاد الذي لم يخلُ من الاتهامات المتبادلة بين طرفي النزاع، بعدما سبق وأن طالبت هذه المدارس الخاصة الاستفادة من الامتيازات والدعم المالي الذي يوفره من صندوق كوفيد 19، الذي استحدث في المغرب لمواجهة أزمة كورونا، وتزامن طلب المدارس بالفترة الحرجة التي تمر بها البلاد بسبب تداعيات انتشار فيروس كورونا، بدعوى أن الجائحة أثرت على مؤسساتهم؛ مما سيحول دون وفائهم بالتزاماتهم المالية تجاه الأساتذة والبنوك وغيرها؛ مؤكدين أن أزمة الجائحة ستدفع العديد من مدارس التعليم الخصوصي إلى الإفلاس وإغلاق أبوابها، باعتبار أن هذا القطاع من وجهة نظرهم يعتبر من القطاعات الهشة التي يستوجب دعمها مادياً من خلال صندوق جائحة كورونا.


مطالب ومقترحات

6812066-918083261.jpg


أثار الطلب أو الالتماس موجةَ غضب على مواقع التواصل الاجتماعي وانتقادات عنيفة، في وقت كان أولى بهم حسب عدد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي، التحلي بالمواطنة والتضامن والمساهمة في الصندوق بدلاً من البحث عن الامتيازات الذاتية بطرق براغماتية، إلا أن تدخل سعيد أمزازي وزير التعليم حسم الموقف، بإصداره لقانون وقتئذ يستثني المدارس الخصوصية من التعويضات، ووعد بالتدخل لدى وزير المالية لتعويض الأساتذة والعاملين بالمدارس الخصوصية من الصندوق المذكور؛ فإن عبدالسلام عمور رئيس رابطة التعليم الخصوصي بالمغرب، أكد على رفضه لهذا الوعد، وأشار إلى أن المدارس الخصوصية ترفض تخصيص تعويضات للأساتذة والعاملين فيها من صندوق كورونا، وذهب إلى درجة التأكيد بأنه حتى في حالة تخصيص هذا الدعم؛ فإنه لا أحد سيتقدم بطلب للحصول عليه؛ مشدداً في نفس الوقت على أمل تفهم الآباء للوفاء بالتزاماتهم المالية تجاه المدارس وأدائهم للمستحقات الشهرية.
وحسب رئيس الرابطة؛ فإن الأسر المتضررة من الجائحة يمكنها أن تطلب منهم إما تأجيل الأقساط أو الإعفاء من المستحقات الشهرية، وخاصة بالنسبة للأسرة التي تراجعت مداخيلها بسبب الوباء، إلا أنه يبدو أن عمور لم يتم التفاعل معه إيجابياً من طرف بعض المؤسسات التي رفض أغلبها إيجاد حل وسط لهذه القضية؛ حيث تعالت أصوات الآباء والفاعلين في المجتمع المدني على مواقع التواصل الاجتماعي، كرد فعل على هذا الجشع، وانتقد النشطاء من آباء وأولياء موقف هذه المدارس وطريقة تعاطيها مع مطالب الآباء دون الأخذ بعين الاعتبار للمرحلة التي تعيشها البلاد، من خلال حملة فيسبوكية تدعو إلى الهجرة نحو المدرسة العمومية ورد الاعتبار لها من طرف الجهات الحكومية المختصة، كما عبر النشطاء عن رغبتهم في تخصيص مساهمات شهرية أو سنوية للمشاركة في تجويد وتحسين بنيتها التحتية، وظروف استقبال أمنائهم بها من قبيل توفير مستلزمات النظافة أو عملية التدريس، والتكفل بمصاريف النقل والديمومة؛ إضافةً إلى العمل على إضافة بعض المواد الأخرى مثل الموسيقى والمسرح.


عودة إلى المدرسة العمومية

6843841-657188091.jpg


ويؤكد الإعلامي محمد العباسي «فاعل حقوقي وأب» على أن هناك قانوناً يضبط النظام الأساسي للمدارس الخصوصية ونوع الخدمات التي يجب أن توفرها للزبناء، باعتبارها مقاولة «شركة» تجارية لا يمكن اختزال خدماتها في تلقين الدروس ولو عن بعد، رغم كون هذه الأخيرة كانت تتم أحياناً بطرق متخلفة وغير منتظمة؛ لأن هناك خدمات لم تقدمها هذه المدرسة، بما في ذلك الغلاف الزمني المعمول به والأنشطة الموازية والنقل المدرسي، وبالتالي فهي مقاولة تجارية قابلة للربح والخسارة؛ فالناس تطالب فقط بتقنين الأرباح واعتماد المرونة والبحث عن الصيغ المرنة والمعقولة للحيلولة دون الوصول إلى العدالة، بيد أنه للأسف هناك مدارس أبانت عن جشع مطلق لا علاقة له بما هو تربوي؛ حيث تتمسك بتعنت بموقفها وإلزام الآباء بأداء جميع المستحقات بالكامل، وهي تدرك أن خدماتها كانت غير مستوفيةٍ للشروط التي تربط بين المقاولة والزبون وفق قانون 06.03؛ فأنا شخصياً لم أخبر، يوضح العباسي ما يسمونه بالتعليم عن بعد، ولم نتفاوض بخصوصه، ويبقى مجرد اجتهاد يهم المدرسة، قانون لا علاقة له بما ينص عليه المشرع؛ فرأي لم يؤخذ به، وإذا ما أغلق باب الحوار نهائياً فسألجأ للقضاء.
أما بخصوص لجوء الآباء للمدرسة الخصوصية عن طواعية كما يدعي بذلك أربابها؛ فلأن هناك أسباباً دفعت الآباء إلى اللجوء إلى مؤسساتهم، بما في ذلك قربها من الأحياء السكنية وبعد المدرسة العمومية، واكتظاظ أقسامها، إلا أنه اليوم أصبح جل الآباء على اقتناع بأن هدف مدارس التعليم الخصوصي تجاري صرف؛ مما يجعلهم يقررون العودة إلى المدارس العمومية.
وهو نفس الرأي الذي عبر عنه جل الآباء الذين عابوا على المدارس الخصوصية العملية التعليمية أيام الجائحة؛ فكان حرياً بهذه المدارس أن تستحضر عيوبها ونقائصها وهي تطالب بالواجب الشهري كاملاً، يقول سعيد أبو قوس موظف: فهذه المدارس لم تتكفل بالتلاميذ ثماني ساعات في اليوم، ولم تتواصل معهم لمعرفة ظروفهم النفسية والاجتماعية، ولم يستفيدوا من الأنشطة الثقافية والرياضية، وتم التركيز فقط في خطابهم مع الآباء عن التعليم عن البعد الذي كان مكلفاً مادياً ونفسياً بالنسبة للأسر، ناهيك عن مدى فاعلية هذا التعليم الذي يحتمل نقاشاً آخر، والقضاء هو الكفيل بأن يحسم الأمر بين طرفي النزاع.
بيد أن أحد مديري المدارس الخصوصية فضل عدم الكشف عن هويته في ظل الجدال القائم، أوضح أن نزع الفتيل يتوقف على شطارة وذكاء مسئول كل مؤسسة، وأن الأمور بالنسبة إليه تمت بسلاسة لأن سمعة المؤسسة هي رأسماله الحقيقي.
والملاحظ أن مدارس التعليم الخصوصي كانت إلى وقت قريب خاصة بأبناء الميسورين وذوي الحظوة، إلا أنه مع تزايد عددها والتنافس فيما بينها بتخفيض الواجب الشهري من جهة، ونسبة المتفوقين المرتفعة والناجحين من تلامذتها، أسال لعاب الآباء والأبناء معاً، الذين يتابعون دراستهم في التعليم الحكومي من أجل الانتقال ومتابعة الدراسة في المؤسسات الخصوصية التي سبق في كثير من المرات أن وجهت إليها انتقادات من طرف الفاعلين التربويين، بسبب ما وصفوه بالتساهل في فروض المراقبة المستمرة، والتعامل بسخاء في التقييم والتنقيط؛ مما يرجح دائماً كفة تلامذة القطاع الخاص في الحصول على أعلى المعدلات، ويمكنهم من ولوج المؤسسات والمعاهد العليا.
ومع استمرار شد الحبل بين الآباء والمدارس الخصوصية، عاد الحديث بقوة إلى المطالبة بإلحاح من طرف مختلف مكونات المجتمع المدني، إلى ضرورة فتح النقاش لأجل تجويد منتوج المدرسة العمومية، التي يتوقع كثير من المهتمين بالشأن التربوي، أن تشهد هجرة جماعية صوبها مع حلول موسم الدراسة المقبل.