الشعر العربي بين التجارب الحديثة والمبادرات الحكومية لتعزيز مكانته 

الشعر العربي بين التجارب الحديثة والمبادرات الحكومية لتعزيز مكانته 
الشعر العربي بين التجارب الحديثة والمبادرات الحكومية لتعزيز مكانته 
حوراء الهميلي
حوراء الهميلي
لطيفة المسكيني
لطيفة المسكيني
أصالة لمع
أصالة لمع
سحر حيدر
سحر حيدر
الشعر العربي بين التجارب الحديثة والمبادرات الحكومية لتعزيز مكانته 
حوراء الهميلي
لطيفة المسكيني
أصالة لمع
سحر حيدر
5 صور

يتشعب الحديث عن أحوال الشعر، في عصر تسوده التكنولوجيا؛ من المعلوم أن الركن المركزي في الثقافة العربية يشكو قلة المهتمين وتراجعاً في طبع الدواوين، لكن ثمة محاولات للإنعاش، فقد أعلنت المملكة العربية السعودية 2023 عام الشعر العربي، لتعزيز مكانة الأخير في الثقافة، من خلال مبادرات وفعاليات. في هذا التحقيق، تحاول «سيدتي» التقصي عن أحوال الشعر الراهنة، مع تسليط الضوء على تجارب شعرية حديثة.



أشرفت على التحقيق وشاركت فيه | نسرين حمود Nisrine Hammoud

الرياض | محمود الديب Mahmoud AlDeep - تصوير | زهور الرشيد Zohoor AlRasheed

بيروت| عفت شهاب الدين Ifate Shehabdine - ماغي شما Maguy Chamma

تصوير | محمد رحمة Mohamad Rahme

الرباط | سميرة مغداد Samira Maghdad


 


في أي تجمع محوره الشعر، وعلى ندرته أخيراً، سواء تعلق الأمر بتوقيع ديوان جديد أو إلقاء بعض الشباب والشابات المتحمسين لقصائد نثرية، أو استذكار شاعر من المعلمين الكبار، تتكرر العبارة الآتية: «شكراً للشعر لأنه جمعنا»، العبارة التي تجعل الدفء يسري في القلب، خصوصاً أن هذا الصنف الأدبي لم يعد يغري كثيرين، من دور النشر التي يتمنع أصحابها عن طبع الدواوين، لا سيما بواكير الشعراء الشباب، وذلك لأن إدارات دور النشر تدرك أن حركة بيع الدواوين معدومة، خصوصاً مع طفرة الرواية التي أمست إصداراتها تسيل اللعاب، مع جاذبية الجوائز التي ترصدها مسابقات سنوية في المنطقة العربية. أضيفي إلى دور النشر، لا يبدو أن متذوقي الشعر تغريهم حسابات مواقع التواصل الاجتماعي لمن يسمون أنفسهم بالشعراء أو تلك التي تستنسخ من كتب الشعراء الكبار، تبتر قصائدهم أو تنشرها بصورة تضيع سياقاتها. الشعر يلمس الروح، ويفتح دروباً في العقل ويعلي شأن اللغة، ومجتمع الشعر قليل العدد، على الرغم من بعض المبادرات الحديثة، مثل: إعلان اليونيسكو الواحد والعشرين من مارس يوماً عالميّاً للشعر، للحث على تكريم الشعراء وإحياء الأمسيات الشعرية. المملكة العربية السعودية، بدورها، أعلنت العام الجاري عام الشعر العربي، لتعزيز مكانة الأخير في الثقافة، من خلال مبادرات وفعاليات.

للتعرف عن قرب على الشعر نقترح عليك قراءة  أهم مميزات الشعر العربي

 

عام الشعر العربي

حوراء الهميلي

حسب الشاعرة حوراء الهميلي، للشعر أهميةً قصوى في السعودية، لأنها الأرض الخصبة التي منها صُدّر الشعر العربي إلى أنحاء العالم، الشعر الذي تخلّق في رحم هذه الأرض، ونهل من عيونها، واستظل بأفياء نخيلها. الشعر، الذي كان الخليل بن أحمد الفراهيدي يقتفي موسيقاه، ويتغنّى كل مجنونٍ بليلاه، حتى أصبحت الأراجيز والمعلّقات والقصائد من شأنها إعلاء مكانة قوم أو تقليل قدرهم، وهذه مفارقة مهمة وخطيرة، إذ كيف للكلمة أن تُعزّ قوماً، أو تذلّهم؟! كان للشعر هذه السطوة الخفية في النفوس، فالشاعر كان لسان قومه، والقبيلة التي يولد لها شاعر، هي قبيلة آمنة؛ ففي السلم سيفاخر بها، وفي الحرب سيهجو أعداءها.

وعن تسمية العام الجاري (2023)، في السعودية، عام الشعر العربي بعد موافقة مجلس الوزراء على القرار، تقول: «هذه استعادة لمكانة الشعر الأصلية، المكانة التي يتبوأها، فلا ننسى أن هذه الأرض، تخلّقت من طينها اللغة، وأُنزل في حرمها الآمن القرآن، معجزتنا اللغوية الكبرى، إذاً حريّ بهذا الوطن الشامخ أن يظل خالداً، لأن الأمة التي تُعنى بأدبها وتراثها هي أمة خالدة، وهذا الوسام المنقوش على جيد هذا العام وسام حريّ بنا أن نتقلّده، ونباهي به، ونستشعر ثقله وأهميته». وتضيف: «حريّ بنا، بوصفنا شعراء، أن نعي ثقل هذه المسؤولية، مسؤولية الشاعر في أن يجلو غبش المرآة، مرآة الواقع، وأن يحرس اللغة، وأن يحافظ عليها من الشيخوخة، كما عبّر عن ذلك أدونيس، فالشاعر حسبما تقول الأسطورة الكازاخستانية: خُلق قبل العالم بمئة عام».

وعن موضوعات الشعر المعاصر، توضّح الهميلي أن «الشاعر مواكب لكل التحولات النفسية والاجتماعية التي يمرّ بها مجتمعه، شأنه شأن الشيء الوحيد الثابت في هذه الحياة، وهو التغيير المستمر، كما قال الفيلسوف هيراقليطس». وتسلّط الضوء على نقطة جوهرية مفادها أن «الشعر في زمن مضى، كان لسان قومه، والمتحدث الرسمي عن أحزانهم وأفراحهم، وكان اللسان الجمعي لهم. اليوم، تغيّرت أغراض الشعر كما تغيّرت موضوعاته المطروقة، وأصبح ينحو إلى أن يصبح فردياً وذاتياً أكثر من كونه جماعياً، فلكل شاعرٍ صوته الخاص الذي يُميّزه، وبالشعر أصبح شاعرنا المعاصر يكتشف متاهاته الداخلية ويطبّب أوجاعه الحياتية. الشعر أصبح صوته الذي يُحدّث به نفسه كل يوم. لذا، نجد اليوم القصيدة تحمل هواجسه اليومية وتطلعاته المستقبلية، وحتى همومه الشخصية، وهذه ليست دعوةً للانفصال عن الواقع والهموم المجتمعية، فالشاعر الحذق هو الذي يظل متصلاً بجذوره وبهويته ومجتمعه وأرضه وتراثه وأصالته، والذي يستطيع أن يكون ذاته في آن معاً، وهذه معادلة ليست صعبةً في مساحة التجريب والانكشاف على الذات والآخر، الآخر الذي يشبهنا، وربما استعار صوت الشاعر ليعبّر عنه».

«الشعراء يعيدون صياغة العالم»


لمن يكتب الشعراء؟ تسأل «سيدتي» الشاعرة السعودية، فتجيب قائلة إن «الشعراء يكتبون ذواتهم وما يختمر في وجدانهم وأفكارهم ورؤاهم وتطلعاتهم المشرقة، وحتى أيامهم السوداوية، ويعيدون صياغة العالم كما تراه العين الشاعرة المدرّبة على اصطياد الأشياء، والعين التي تفرّ من رتابة النظرة وروتينها، وتلتقط الصورة كما يلتقطها المصور ليجعلها صورةً ناطقةً من منظوره، كما يريد لها أن تكون. والشاعر هو من يحافظ على الطفل الذي يسكنه، الطفل الذي يظل مسكوناً بالتساؤل والبحث والاكتشاف والفضول والمغامرة، الشاعر يكتب ماضيه ويومه، وأيضاً مستقبله، وكما يقول نزار قباني: أكتب للذين سوف يولدون». وتتابع الشاعرة مطالعتها حول أحوال الشعراء بين الأمس واليوم، فتقول: «كان الشاعر ينتظر فرصة مواتية ليعتلي المنبر، ويصدح بشعره، ينتظر أن يصادق الناس على استحقاقه وموهبته وقدرته على خوض هذا الغمار، ينتظر تصفيقهم له ومباركتهم لموهبته. لكن، اليوم، أصبح لكل منا منبر خاصّ، منبره الذي يعتليه وقتما شاء، ليقول ما يريد، وقد أتاحت منصات التواصل الاجتماعي للشاعر فرصة أن يختار جمهوره، وأن يظل على تواصل مع أفراد الجمهور، ويستطيع أن يشف تفاعلهم، ويستنطق الدهشة في عيونهم، فمنصات التواصل الاجتماعي قرّبتنا من الآخر، وربما الصديق آخر هو أنت، كما قال أبو حيان التوحيدي».
 

«أكتب لمتلق مفترض قد يوجد وقد لا يوجد»

لطيفة المسكيني

 

عن تغيّر أحوال الشعر والشعراء وموقعهم في الثقافة العربية بين الأمس واليوم، تقول الشاعرة المغربية لطيفة المسكيني، لـ«سيدتي»، إنه «في وقت مضى، كان الشعر ديوان العرب، وتأثير الشاعر القديم كان مباشراً في مجتمعه، فقد يلقي الشاعر قصيدة لتهب القبيلة للقيام بحرب أو لنجدة أحد أفرادها»، مضيفةً أن «الشاعر كان محكوماً بأعراف وبسياق درامي مرتبط بالحدث، وعليه مسؤولية القول الشعري لتسجيل اللحظة الزمنية التي ينتمي إليها. يكتب بذاته الفردية وبأناه الجمعي للتاريخ، ضد النسيان والزوال والمحو، علماً أن الانتصار باللغة وبالشعر على النسيان والزوال هو ما جعل الجسر بين الأجيال ممتداً. أما راهناً، فقد أضحى الشاعر كينونة مطوقة بأسئلة وجودية أخرى، لها واقع وسياق مغايران من حيث القيم الإنسانية والجمالية ومن حيث الموقف من السؤال حول جدوى الشعر؟».

تتابع الشاعرة السرد عن تغير أحوال الشعر، بالإشارة إلى أن «مشعل الشعر التقطته الرواية لاحقاً، كجنس سردي يتيح حرية أكبر للتفاعل مع الواقع والتاريخ والذات، فأصبحت سيدة الزمن والمرحلة. لكني، لا أظنها سيادة دائمة أو قائمة، في ظل استئثار التكنولوجيا والصورة باهتمام الأفراد في الوقت الراهن».

حسب الشاعرة، التحولات الحاصلة في القيم والطفرة التكنولوجية التي حدثت أخيراً في العالم، جعلت المثقف عموماً، والشاعر على وجه الخصوص، يعيش في عزلة مختارة، وهو الذي كان في الأمس القريب لا يقبل بالهامش وبالمهادنة والحياد، إذ كان يجسد صوت الأمة والمجتمع الإنساني ككل، حاملاً شعاراتٍ قوية تنتصر للقضايا الحضارية والثقافية الكبرى لزمنه، وللقيم الإنسانية والجمالية التي يؤمن بها. أما اليوم، فقد أصبح الشاعر أكثر ميلاً إلى عالمه الداخلي، وأمسى في وضع هروبي ملتبس، انقلب معه إلى الاهتمام بالتفاصيل التي نظنها صغيرة وغير مهمة، لكنه يراها الأجدى للاحتفاء بها في كتابته الشعرية. هو يميل إلى صوته الخاص المنفرد أكثر من القضايا والأسئلة التي تصله من الآخرين عبر الواقعي أو الافتراضي، علماً أن وسائل التكنولوجيا قد ساعدته على توفير سبل عزلته عن مجتمعه، كما مكنته من وسائل المعرفة والاطلاع على ما يجري حوله بنقرة واحدة. على الرغم من ذلك، تبقى الحاجة للشعر قائمة، مهما طرأت من تحولات على الإنسان، لأن الشعر هو خطاب جامع بين الفكرة والشعور، بين الأنا في فرديتها وجمعيتها، بين متخيل وواقعي، بين جمالي ومعرفي، مصدره الإنسان ومنتهاه الإنسان.

عن أسباب الكتابة الشعرية، توضح المسكيني أنها في مشروعها الشعري، تكتب في مقام أول، لمتلقّ مفترض، قد يوجد أو لن ولم يوجد بعد، وللمشترك بين الذوات، أو بمعنى أصح لذاتها الكونية في تعداد تجلياتها ومراياها وانتماءاتها. بين الكتابة للذات والكتابة للآخر، يتحقق المعنى الحقيقي للشعر، وبين تدوين مكنونات النفس والفكر في لحظة صفاء ما، قد تنبثق الطفرة الشعرية. لكن، ترى أن «الحكم عن شعريتها لا يستقيم إلا إذا استكملت عناصرها الجمالية لغةً وتخييلاً وتصويراً وإيقاعاً ورؤيا متصادية مع رؤى وتجارب كتابية أخرى، يتحقق فيها ومن خلالها البعد المعرفي المشخص لملامح التجربة بالأساس. ويبقى هاجس تحقق النص الشعري في أخلص تجلياته الدافع والغاية، وهو ما يعطي فرقاً بين تجربة شعرية وأخرى، تتعزز بوجود متلقّ يرقى إلى استغوار مجهول أسئلة الشعري، وخطاب نقدي مواز وجاد. ومن هنا، قد يجد الشاعر نفسه اليوم أمام أسئلة قديمة قِدم الإنسان والشعر ذاته، لكنها متجددة بفعل ما يجري من تحول في جدوى ومعنى الكتابة، وما يحدث من تغير لأنماط ومستويات التلقي».


«الشعر هو الإرث التاريخي للعرب وحاضرهم ومستقبلهم»

حاتم الشهري

عن واقع الشعر في العالم، اليوم، ومدى تأثره السلبي بتقدم الرواية إلى واجهة الثقافة العربية، يوضح حاتم الشهري، الأديب السعودي أن «الشعر لم يمت، ولن يموت. الشعر هو الإرث التاريخي للعرب، وهو حاضرهم ومستقبلهم. ربما يضعف وتتفاوت مستوياته، لكن من المستحيل أن يموت؛ لأنه موهبة العرب الخاصة والخالدة، وكل الأمم تملك مخزونها من الشعر؛ لكن للشعر العربي الكثير من الخصائص التي تميزه عن شعر باقي الحضارات والشعوب الأخرى بالنسبة لنا على الأقل». عن موضوعات الشعر، يلاحظ الشهري أن «الغربة هي أكثر موضوع يُطرح، وبأساليب مختلفة في الشعر؛ لأن الإنسان بوجود مواقع التواصل الاجتماعي، أصبح يشعر بالغربة الروحية والأخلاقية، وهو في وطنه وداخل غرفته، وهذه الغربة ربما لا تكون حقيقية، ولكنها غربة مزيفة بسبب ما يراه من شلالات لمقاطع المشاهير التي تجعله يزدري نفسه ويزدري حالته... لقد أصبحت هناك غربة عكسية من الخارج للداخل».

وفي ظلّ تسيد الرواية عالم الأدب خصوصاً، وفي حضور جوائز عدة للروائيين، يقول الشهري إن «لكل زمن ديوانه، وقد كان الشعر ديوان العرب لأزمنة طويلة مضت، ولا أعلم إن كان يجدر بنا القول إنه زمن أصبحت الرواية فيه ديوان العرب، كونها الأكثر انتشاراً وتسويقاً، إضافة إلى أنها الأكثر حملاً لهموم وقضايا المجتمع، لكنها ليست الأكثر تأثيراً. وقد يأتي الغد ونرى القصة القصيرة تحتل مكان الرواية مثلاً، وكل هذا لا يلغي أثر الشعر ولا يعطي الرواية أو أي جنس أدبي أفضلية على جنس أدبي آخر. لا يخفى على أحد أن من أهم أسباب شهرة الرواية هو انتقال كثير من الشعراء والقصاص إلى حقلها، فالجوائز الممنوحة للرواية كثيرة، وعائداتها معقولة ومغرية، والأوضاع المادية لكثير من الأدباء العرب ليست جيدة؛ وهذا سبب للانتقال إلى حقل الرواية قد لا يصرح به الكثيرون لكنه حقيقي وواقعي، ولو كان هذا الانتقال على حساب تغيير نوع ونمط الكتابة التي اشتهروا بها سابقاً».

ومن السياق نفسه حيث الغوص في عالم الشعر العربي  اخترنا لك الشعر العربي.. أنواع وأساليب

 

«لم يتركني الشعر وحيدة»

أصالة لمع
                      أصالة لمع

للشاعرة أصالة لمع، قصة جديرة بأن تروى مع الشعر؛ هي اختارت تخصص العلوم السرطانية وحصلت على دكتوراه في فرنسا، ثم بدأت العمل في مجال البحث العلمي منذ عشر سنوات. عن الشعر في حياتها، تقول: «كان حاضراً أحياناً، بصوت خافت، وأحياناً بنبرة أعلى، إنما لا أعتقد أنه تركني وحيدة. أقول دوماً إننا قد نختار مهنتنا، لكننا لا نختار شغفنا... هكذا اخترت الأبحاث واختارني الشعر. أتأرجح باستمرار بين الاثنين، أحاول خلق الوقت والمساحة لممارسة هذا الشغف. لكن هذا التأرجح خارجي، مرتبط بأنني أمارس عملاً ضاغطاً خارج المجال الأدبي». وتضيف: «في داخلي، يبدو الشعر راسخاً وثابتاً، يسكن نظرتي إلى الأشياء، شعوري بها، تعبيري عنها... أتلمّس العالم بالشعر كما يفعل الأعمى، وهو يقرأ كتاباً بأصابعه. نحن لا ننتقل إلى كتابة الشعر، فإما أن ننتمي إلى الشعر، وإما لا ننتمي إليه... وأنا أسكن هذا المكان منذ وقت بعيد. في فترة تحضيري لنيل الدكتوراه، والتي تزامنت مع ولادة ابني الأول، قلّت قراءاتي وكتاباتي، وسحبني الضغط العملي، ولكن كما قلت، لم يتركني الشعر وحيدة حتى وإن تمنّع أحياناً». وتستشهد الشاعرة ببورخيس الذي يقول: «الحياة مكونة من الشعر. الشعر ليس شيئاً غريباً. إنه يترصد عند المنعطف. ويمكن أن يبرز أمامنا في أية لحظة». ثمّ، تنتقل إلى الذاتي لتقول إنه «خلال فترة «كوفيد»، وما إن توفّر لي وقت أكثر، ترصدني الشعر في المنعطفات جميعها وكان ديواني الأول».

تحمل باكورة الشاعرة عنوان «التفاتة نحو نغمة خافتة»، عن الديوان، تقول: «هو باب فتحته في داخلي فكسر صريره صمتاً كان يتفشى في داخلي كبقعة زيت. مثلما تُحدث الفراشة ثقباً في شرنقتها، فتحت هذه القصائد شبابيكَ صغيرةً في جدران النضج التي كانت ترتفع من حولي وتمنعني من الرؤية. كلما تقدم بنا الزمن والتجربة، تقوّسنا، مثل وترٍ عاجز عن الغناء». وتضيف: في «التفاتة نحو نغمة خافتة»، أدون تجربتي مع طحلب الزمن، الذي يتراكم على سطح أيامنا، حتى تفقد شكلها ولونها وطعمها. الديوان هو طريقتي لنفخ الغبار وتلميع الصورة، للعودة في أعقاب الأحلام والخيبات والذكريات وقد اتضحت معالمها بعد أن استعدتُ معها المسافة الآمنة. هكذا كانت التفاتتي للانطفاء، للخوف، للاغتراب، لتبدل الفصول والشعور، للوقت الذي يتمدد وينكمش، لمتاهة الطريق والوصول، للمرأة التي تنفي وجودها حين تجرحها نظرة المجتمع المجحفة... مواضيع عدة تناولها الديوان تعبر في العمق عن الهواجس نفسها، عن أوجه عدة للشعور الإنساني، وتطرح الأسئلة بلا الحاجة بالضرورة للإجابات، إنما كمحاولة للنجاة، كحاجة للتخفّف من كل شيء، كمن يخلع عنه ملابسه الثقيلة لتفادي الغرق. وتستشهد لمع بالشاعر الكولومبي هيكتور هيراثو الذي يقول: «أحسب على أصابعي العشرة، حتى أصل إلى مجموع موسيقي»، لتوضح الآتي: «هكذا إذا جمعنا هذه القصائد معاً فسيكون مجموعها نغمة خافتة، لحن خفيف في خلفية حياتي وهواجسي، أتمنى أن يسمعه القارئ أيضاً». حسب الشاعرة، يكتب الشاعر اليوم وكل يوم لنفسه أولاً. تقول: «أنظر إلى الشعر من زاوية شعورية خالصة، وأرى أن الشاعر يذهب إلى قصيدته كما يذهب طفل إلى أمه، مدفوعاً بالعاطفة والحدس والحاجة. وإذا كان رولان بارت قد «قتل الكاتب»، فالشعر بعد الحداثة وبعد أن تخفّف من القضايا والرسائل، يبدو أحياناً كأنه «قتل القارئ»، ليس بمعنى أن الشاعر غير مهتم بقرائه، وإنما بمعنى أن الشاعر مجرّد من الغايات حين يكتب ولا يريد أن يقنع القارئ بأي شيء. هو يستجيب لقوة تدفعه نحو الكتابة، تزيل عن صدره التراب وتتركه في نشوة الخلق العذبة. وهنا تحديداً يحدث السحر، لأن هذه الذاتية التي ينطلق منها الشاعر، هي مكان رحب وحقيقي، سيتماهى فيه القارئ مع الشاعر كأنه يقف أمام المرآة. الشعر الحقيقي هو هذا الذي يُحَدّث كل قارئ، خارج الزمن وخارج الظروف! نستطيع أن نقول إن كلّ من قرأ القصيدة وتماهى معها ولامس جلدها فهي كأنها كُتبت له. وربما أضيف أنني أحب إجابة بورخيس على سؤال لماذا تكتب؟ إذ كان يقول: «أكتب لنفسي ولأصدقائي، ولأجعل مجرى الزمن ناعماً». هناك متعة بمشاركة القصيدة مع أصدقاء نثق بذائقتهم وننتظر دهشتهم... أحب أن أكتب أيضاً لهؤلاء القرّاء».

 

تجربة شعرية

سحر حيدر
                                   سحر حيدر

 

كما تسلط «سيدتي» الضوء على تجربة سحر حيدر، الدكتورة في التاريخ الاجتماعي والشاعرة، التي تقول: «أحمّل كتاباتي الكثير من الرسائل وأتمنى أن يفهمها الناس والمجتمع، والمرأة خصوصاً. لا أنظم الشعر، بل أنا المرأة الإنسان الذي يتأثر بالبيئة العامة والمحيطين، القريب والبعيد. أتأثر وأفرح وأحزن وأغضب وقد أصاب بالإحباط أو اليأس، وبالتالي يسيل قلمي وتتدفّق العبر، ويروي حبري ما سكبته الحياة دفقاً عطراً فوق الورق». وتتابع الشاعرة اللبنانية: «بين الأمس واليوم، أمور كثيرة تغيّرت؛ الثورة كانت في أوجها مع «عبق الرياحين»، الديوان الأول. ما أزال ثائرة، لكني أصبحت أكثر وعياً في الكتابات اللاحقة وبتّ واثقة أن الصبر والتروي هما السبيل الأنجع إلى النجاح». من الموضوعات التي تركّز الشاعرة عليها، العلاقة بين الرجل والمرأة، العلاقة التي تصفها بـ«الأزلية»، فلا حدود لها. هي حوار الحضارات، ارتباط أبدي لا غنى لأحدهما عن الآخر، إلا أن صورة هذه العلاقة باتت مشوّهة، أقرب إلى الشهوانية منها إلى القدسية. ليس في مجتمعنا الشرقي، حصراً، يعتبر الرجل المرأة «معضلة»: منافسة أم شريكة؟! نراهما في تنافس دائم، يكاد أن يتحوّل إلى صراع. وقد أحببت تجسيد هذه العلاقة بأشكالها على الورق. فعلى صفحات كتابي الأخير «اكتبني... حين أحببتني» صورة المرأة العاشقة الحبيبة والصديقة والضحية المستغلة والحزينة، كما صورة المرأة القوية والمناضلة والمؤمنة بالتغيير». تشرح الشاعرة: «تعتقد المرأة أن الرجل مغامر ولا يتوانى عن اقتحام حصون النساء وتدميرها، غير مدركة بأن للرجل أيضاً مخاوفه وهواجسه، من ناحية الارتباط والاستمرارية والبوح بالمشاعر والوحدة... تكلمت بلسان الرجل مخاطبةً المرأة، لأنقل إليها رسائله من خلال كتاباتي، أدعوها إلى أن تمسك بيده وتمشي إلى جانبه لا خلفه أو أمامه، بل جنباً إلى جنب ليرتقيا معاً على سلّم الحياة. في حضرة الرجل، أراني أتقلّب بين العاطفة والعقل، فتارة أكون العاشقة المتيّمة وطوراً المتمرّدة الثائرة. وتبقى الإنسانية سيدة الموقف من دون منازع».
تابعي المزيد: ما هو الشعر النبطي؟