المعلّم لا يفقد شغفه في لحظة، ولا يُطفئ النور بنفسه. هو يتآكل بصمت، تماماً كما تُطفأ شمعة في غرفة مزدحمة، لا يلاحظ فيها أحد أن الضوء بدأ يبهت. وراء كل نظرة تعب، دفتر واجب لم يُسلَّم، ووراء كل تنهيدة، كلمة محبطة جاءت في غير وقتها. إنه نزيف غير مرئي، يحدث تحت غطاء الروتين العادي، توضح الخبيرة التربوية في مجال الصحة النفسية، أبرار المعايطة، من الجامعة الأردنية كيف تؤثر هذه التفاصيل على الدافعية المهنية لدى المعلم. وما هي السلوكيات اليومية التي تسرق الحماس من المعلم دون أن يشعر؟
حين يُقاطَع أكثر مما يُنصَت له
لا يحتاج المعلم إلى ضجيج ليشعر بالإرهاق، يكفي أن يُقاطع عدة مرات في الحصة الواحدة؛ ليشعر بأن ما يقوله غير مرئي. بين طرقات الباب، ودفاتر تُطلب، وطلاب يتأخرون، تتكسر أفكاره مراراً كما لو كانت زجاجاً هشاً. كل مقاطعة تُجبره على إعادة ترتيب صوته وذهنه، وتُضعف تواصله مع الطلاب. وعندما يصبح التشويش عادة، يبدأ الشك بالتسلل إلى داخله: هل أحد يهتم حقاً بما أقول؟ وهل ما أقدّمه له قيمة في هذه الفوضى الصامتة؟
لماذا تؤثر المقاطعات المتكررة على حماسه أكثر مما يبدو؟
- لأنها تقتل اللحظة التعليمية في مهدها قبل أن تكتمل.
- لأنها تضعه في حالة دفاع ذهني دائم لا تتيح له الإبداع.
- لأنها تشعره بأنه ثانوي في معادلة الصف، لا المحور الأساسي.
لتجنبك الفشل.. ماذا تفعل إذا لم تكن متأكداً من خططك المهنية طويلة المدى؟
حين يُحمّل أكثر مما يستطيع دون تفويض أو دعم
من تصحيح الواجبات، إلى ترتيب الأنشطة، إلى التوثيق الإداري، يُكلف المعلم أحياناً بما يتجاوز طاقته دون اعتبار لحجمه البشري. يُطلب منه الإبداع والتفاعل، وفي الوقت نفسه أن يُنجز مهام لا نهاية لها. هذا التراكم الصامت لا يظهر في أول أسبوع، لكنه مع الوقت يتحول إلى شعور دائم بالإرهاق، ويغدو يومه سباقاً مرهقاً لا متعة فيه.
كيف تسحب المهام الإدارية من المعلّم ما يفوق إنجازه؟
- لأنها تسرق من وقته المخصص للتأمل والتحضير.
- لأنها تفرّغ الطاقة الذهنية فيما لا يلهم.
- لأنها تجعله يرى نفسه كموظف مثقل، لا معلم مؤثر.
حين يُختزل إلى منجِز للمادة فقط
المعلم لا يريد إتمام المنهاج فقط، بل أن يوصله كرسالة. لكن حين يتحوّل هدفه إلى إنهاء المادة تحت ضغط الإدارة، تفقد الحصة معناها، وتتحوّل الفكرة إلى صفحة مطلوب إنهاؤها. يُدفع للتسريع، فيفقد لحظات التفاعل، ويُطلب منه الكمّ لا الكيف، فيشعر أنه مجرد آلة تدور لا معلّم يُلهم. هذا الضغط المستمر لا يُطفئ حماسه دفعة واحدة، بل يقضم روحه قطعة قطعة.
لماذا يُعتبر ضغط الكمّ أحد أسباب الانطفاء العاطفي لدى المعلم؟
- لأنه يُجبره على تجاوز اللحظات التعليمية الحقيقية.
- لأنه يجعله يرى الحصة كحمل لا كفرصة.
- لأنه يسحب منه حريته التي كانت مصدر شغفه.
حين تُقال له كلمات صغيرة، تُحدث داخله جروحاً كبيرة
كلمة واحدة قد تمرّ على السامع، لكنها تبقى مشتعلة داخل المعلّم أياماً. تعليق ساخر من زميل، أو ملاحظة قاسية من إداري، أو حتى تلميح بأن غيره أنجح منه، قد يهز ثقته في نفسه. لا يُظهر ذلك، لكن الشرخ يبدأ داخلياً؛ حيث يبدأ بالتشكيك في كل شيء: أسلوبه، كفاءته، وحتى اختياره للمهنة. الكلمات الصغيرة التي لا تُمحى، قد تكون الشرارة الأولى لاختفاء الشغف تماماً.
ما الذي يجعل الكلمة العابرة أداة حقيقية لتدمير الحماسة؟
- لأنها تضرب في مكان هشّ: الكرامة المهنية.
- لأنها تُعيد تعريف المعلم لنفسه بصورة سلبية.
- لأنها تحوّل البيئة إلى مساحة نقد لا دعم.
حين يشرح لوجوه لا تتحرّك

التفاعل هو نبض الحصة، وعندما يختفي هذا النبض، يصبح المعلّم كمن يتحدث إلى جدار. صمت الطلاب لا يكون دائماً احتراماً، بل أحياناً علامة انقطاع ذهني كامل. يسأل فلا يجيبه أحد، يشرح ولا يرى رد فعل، ويبدأ داخلياً في التساؤل: هل أفقدت الدروس روحها؟ هل أصبحت غير ملهم؟ هذه البرودة الصامتة تستنزف طاقته؛ لأنها تُفقده الشعور بالاتصال، وتجعل حديثه بلا صدى ولا تأثير.
لماذا يقتل غياب التفاعل الداخلي شعلة المعلم؟
- لأنه يعزله شعورياً عن صفه ويتركه وحيداً في أدائه.
- لأنه يُحرم من ملاحظة نتائج فورية تُعيد له الثقة.
- لأنه يُغذّي داخله اعتقاداً بأن ما يفعله لم يعد مهماً.
حين لا يُرى ولا يُشكر
يمضي المعلم شهوراً من العطاء، يُعدّ ويشرح ويتابع، لكنه لا يسمع كلمة "شكراً" واحدة. في الاجتماعات يُغفل اسمه، وفي التكريم يُسبق بغيره، وكأن وجوده بديهي لا يحتاج تقديراً. هذا الصمت لا يكون محايداً بل جارح. فالمعلّم، مثل كل إنسان، يحتاج أن يشعر بأن ما يصنعه يُرى ويُقدَّر، لا أن يتحوّل إلى "ظلّ" يُنجز بصمت ويُنسى بصمت.
لماذا يبدو غياب التقدير كفعل سلبي صامت لكنه عميق الأثر؟
- لأنه يُشعره أنه لا يُحدث فرقاً مهما اجتهد.
- لأنه يسحب من داخله دافعية العطاء.
- لأنه يخلق مسافة عاطفية بينه وبين المهنة.
حين لا يعرف إنْ كان أحدث فرقاً
أحياناً، ما يحتاجه المعلّم لا يتجاوز عبارة من طالب: شرحك غير تفكيري، أو رسالة شكر من وليّ أمر. لكنه لا يسمع شيئاً، وتمضي الأعوام وكأن أثره يتبخر بعد كل حصة. في غياب أي تغذية راجعة، يبدأ شعور داخلي بالتآكل: لماذا أستمر؟ هل أنا مجرّد عابر في حياة طلاب لا يتذكرونني؟ دون هذا الصدى، تفقد المهنة معناها الإنساني الأول.
ما أثر غياب الصدى على رؤية المعلم لدوره؟
- لأنه يُفرغ المهنة من بُعدها العاطفي والتربوي.
- لأنه يُشعره أن جهده يُنسى بمجرد انتهاء الحصة.
- لأنه يزرع شعوراً صامتاً بأن كل ما يقدمه لا يُثمر.
شاركنا رأيك: ما هي أفضل الوظائف للأشخاص الخجولين والانطوائيين في العمل؟