في يومين متتاليين من يناير، تتقاطع الذاكرة السينمائية العربية عند اسمين من أثقل رموزها؛ إذ تحلّ ذكرى ميلاد ومئوية المخرج الكبير يوسف شاهين، صاحب المشروع السينمائي الأكثر جدلًا وجرأة، في 25 يناير من كل عام، بينما تحلّ في اليوم التالي، 26 يناير، ذكرى ميلاد الممثلة الاستثنائية سعاد حسني، التي جمعت بين الخفة والعمق، والنجومية والموهبة الحقيقية، وكأن قدرًا مشتركًا أراد أن يربط بين هذين العملاقين في الذاكرة الفنية العربية.
ورغم مسيرتين حافلتين امتدتا لعقود، فإن اللقاء بينهما على الشاشة لم يتحول إلى شراكة طويلة، بل اقتصر على فيلمين فقط، لكنهما كانا كفيلين بترك أثر بالغ في تاريخ السينما المصرية، وكشف الكثير عن رؤية كلٍّ منهما للفن، وللإنسان، وللمرأة.

تعاون محدود... لكن دلالته كبيرة
لم تجمع سعاد حسني ويوسف شاهين سوى تجربتين سينمائيتين مؤكدتين: الاختيار (1971)، الناس والنيل (1972).
ورغم قلة العدد، فإن الفيلمين لا يبدوان عابرين أو هامشيين، بل يمثلان لحظتين دالتين في مسيرة كلٍّ منهما، حيث قامت العلاقة على التجريب والمخاطرة، لا على استثمار النجومية أو تكرار القوالب.
«الاختيار» (1971): المرأة داخل المتاهة النفسية
في فيلم الاختيار، يقدّم يوسف شاهين واحدة من أكثر تجاربه نضجًا وتعقيدًا، مستخدمًا الجريمة لا بوصفها لغزًا بوليسيًا، بل بوابة للغوص في أعماق النفس البشرية، حيث تتصارع الهوية مع الرغبة، والظاهر مع الباطن.
في قلب هذا العالم المضطرب، تظهر شخصية شريفة التي أدّتها سعاد حسني، لا كعنصر رومانسي تقليدي، بل كقوة كامنة تُفجّر الصراع.
شريفة ليست فقط امرأة يحبها رجلان، بل رمز للرغبة المكبوتة، والأنوثة التي تهدد التوازن الهش للهوية الذكورية، وتكشف ما يحاول الجميع إخفاءه.
تعتمد شخصية شريفة على أداء داخلي بالغ الدقة، من خلال الصمت الذي يدوم أطول من اللازم، والنظرات التي تسبق الحدث، والهشاشة الظاهرة التي تخفي توترًا عميقًا.
بهذا الدور، كسرت سعاد حسني صورتها الرومانسية السائدة، وقدّمت واحدة من أكثر شخصياتها عمقًا، مؤكدة قدرتها على حمل المعنى دون خطاب مباشر.

«الناس والنيل» (1972): المرأة داخل المشروع الكبير
بعد الغوص النفسي في الاختيار، ينتقل يوسف شاهين في الناس والنيل إلى مساحة مختلفة تمامًا.
الفيلم درامي تاريخي، يدور في خلفية بناء السد العالي، بإنتاج مصري–سوفيتي مشترك، ويقدّم الحدث الوطني من خلال البشر لا الشعارات.
تؤدي سعاد حسني هنا دور نادية، الفنانة التشكيلية التي تواجه صراعًا مركبًا بين حياتها الخاصة، وعلاقتها بزوجها الطبيب، ومتطلبات واقع جديد يفرضه المشروع الوطني.
نادية ليست معارضة للسد، ولا صوتًا دعائيًا له. هي امرأة تحاول أن تحافظ على فرديتها، وحقها في الاختيار، داخل سياق عام ضاغط.
وفي هذا الإطار، تتحرك سعاد داخل بطولة جماعية، دون افتعال مركزية أو استعراض، مقدّمة أداءً هادئًا وطبيعيًا ينسجم مع روح الفيلم.
هنا، تصبح المرأة عند شاهين: جزءًا من السرد الجماعي لا ذائبة فيه ولا متعالية عليه، حاضرة بإنسانيتها لا برمزيتها.

بين «شريفة» و«نادية»: صورتان لامرأة واحدة
تكشف التجربتان عن وجهين مختلفين لسعاد حسني:
في الاختيار: امرأة محاصرة داخل النفس، تتآكلها الأسئلة والصمت
في الناس والنيل: امرأة وسط مجتمع وتاريخ وحركة، تفاوض الواقع بدل الاستسلام له
وفي الحالتين، يقدّم يوسف شاهين المرأة كجزء من السؤال، لا كإجابة جاهزة، ويجد في سعاد ممثلة قادرة على حمل هذا التعقيد دون افتعال.
إعجاب بلا مجاملة... وحدود صارمة
لم يُخفِ يوسف شاهين إعجابه بموهبة سعاد حسني، واصفًا إياها في أكثر من مناسبة بأنها موهبة فطرية نادرة، تمتلك صدقًا إنسانيًا وقدرة على التماهي مع الدور.
لكن هذا الإعجاب لم يكن مصحوبًا بمجاملة أو تساهل، إذ عُرف عن شاهين صرامته الشديدة في العمل، ورفضه لما يسميه “دلع النجوم” أو فرض الشروط على الكادر.
وترد في كواليس الاختيار حكايات متداولة عن توتر مهني بينهما، تعكس طبيعة العلاقة: مخرج يرى الممثل أداة للمعنى، وممثلة تبحث عن الكمال، في مساحة لا تحتمل أنصاف الحلول.
مشاريع لم تكتمل: لماذا لم تتحول العلاقة إلى شراكة طويلة؟
رغم التقدير الفني الواضح بين يوسف شاهين وسعاد حسني، لم تتحول العلاقة بينهما إلى تعاون ممتد.
وتشير الوقائع الموثقة، إلى أن غياب الاستمرارية لم يكن نتيجة قطيعة أو خلاف شخصي، بقدر ما كان انعكاسًا لاختلاف المسارات، وطبيعة اختيارات كل طرف في مراحل مختلفة.
«حدوتة مصرية» (1982): الدور الذي لم تلعبه سعاد
يُعد فيلم حدوتة مصرية من أبرز الأعمال التي كان من المفترض أن تجمع بين شاهين وسعاد، دون أن ترى هذا اللقاء النور.
الفيلم، الذي عُرض لأول مرة في 27 سبتمبر 1982، من تأليف وإخراج يوسف شاهين، وبطولة نور الشريف، يسرا، سهير البابلي، ماجدة الخطيب، ومحمد منير، كان مطروحًا في بداياته لتجسيد سعاد حسني شخصية «آمال»، زوجة يوسف شاهين.
غير أن سعاد اعتذرت عن الدور، بحسب ما أُعلن لاحقًا، ليقع الاختيار على الفنانة يسرا.
وقد صرّحت يسرا في لقاءات لاحقة أنها علمت بعد عرض الفيلم أن سعاد حسني كانت المرشحة الأولى للدور، لكنها اعتذرت لأسباب صحية، وهو ما يؤكد أن غياب سعاد عن الفيلم لم يكن قرارًا فنيًا إقصائيًا، بل ظرفًا حال دون إتمام التعاون.

«وتمضي الأيام»: مشروع العمر مع العندليب الأسمر
من بين المشاريع التي لم تكتمل أيضًا فيلم وتمضي الأيام، الذي كان من المفترض أن يقوم ببطولته عبد الحليم حافظ وسعاد حسني، بحسب ما ورد في كتاب «حليم وأنا» لطبيب عبد الحليم الخاص هشام عيسى.
وفقًا لرواية الكتاب، كان عبد الحليم يبحث عن مخرج للمشروع، واقترح عليه صديقه حسام عيسى إسناد الإخراج إلى يوسف شاهين. وبالفعل، وافق شاهين وبدأ العمل على السيناريو، مضيفًا بصمته المعتادة، ومن بينها إدخال شخصيات جديدة مثل أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام.
غير أن هذه التعديلات أثارت اعتراض عبد الحليم، الذي رأى في السيناريو خروجًا عن التصور الذي كان يبحث عنه، وهو ما أدى إلى توقف المشروع بالكامل، في واقعة تكشف بوضوح طبيعة سينما شاهين:
سينما لا تقبل أنصاف الحلول، ولا تتنازل عن رؤيتها، حتى لو كان الثمن توقف المشروع.
اعتذارات واختيارات بديلة: «الأرض» و«شفيقة ومتولي»
تتكرر صورة “الفرصة التي لم تكتمل” في أعمال أخرى داخل مشروع يوسف شاهين:
في فيلم الأرض، كانت سعاد حسني مرشحة في البداية لدور «وصيفة»، لكنها اعتذرت دون إبداء أسباب، ليفاجئ شاهين الجميع باختيار نجوى إبراهيم، وهو الدور الذي شكّل نقطة تحوّل في مسيرتها.
أما فيلم شفيقة ومتولي، فقد كان من المشروعات التي ارتبط اسم شاهين بها في مراحل الإعداد الأولى، قبل أن تنتقل مهمة الإخراج إلى علي بدرخان لأسباب إنتاجية وصحية، في واحدة من الحالات التي توضّح كيف كانت مشاريع شاهين عرضة للتغيّر تبعًا للظروف.
علاقة لم تُستهلَك
الجميل في علاقة يوسف شاهين وسعاد حسني أنها لم تُستهلَك.
فيلمان فقط كانا كافيين ليضعا سعاد في اختبار فني حقيقي خارج منطقة الأمان، ويمنحا شاهين ممثلة قادرة على حمل الصمت والمعنى.
في ذكرى ميلادهما، يعود هذا التعاون المحدود ليؤكد أن بعض اللقاءات الفنية لا تُقاس بعدد الأعمال، بل بقدرتها على كشف جوهر الفنان، وترك أثر لا يزول مع الزمن.
لمشاهدة أجمل صور المشاهير زوروا «إنستغرام سيدتي».
وللاطلاع على فيديوغراف المشاهير زوروا «تيك توك سيدتي».
ويمكنكم متابعة آخر أخبار النجوم عبر «تويتر» «سيدتي فن».





