mena-gmtdmp

أمهات من ذهب: بطلات عربيات كسرن المستحيل بين منصات التتويج ورعاية الأبناء

رئيسة اللجنة النسائية في الاتحاد السعودي للمصارعة أمل باعطية-تصوير خاص لسيدتي
رئيسة اللجنة النسائية في الاتحاد السعودي للمصارعة أمل باعطية-تصوير خاص لسيدتي

بمناسبة "يوم الأم"، نحتفي في مجلة "سيدتي" بنساء من نوع خاص جداً وتركيبة فريدة ومذهلة. نساء لم يكتفين بصناعة الأجيال في دفء المنزل، بل قررن صناعة التاريخ وتسطير أسمائهن بأحرف من نور على منصات التتويج الأولمبية والعالمية. لطالما سمعنا في مجتمعاتنا تلك المقولة المحبطة: "المسيرة الرياضية تنتهي حتماً مع الحمل والولادة والأمومة"، ولكن بطلاتنا العربيات كان لهن رأي آخر تماماً. لقد حوّلن الأمومة من "عقبة" مزعومة إلى "قوة خارقة" دفعتهن لتكسير الأرقام القياسية واعتلاء منصات التتويج، حاملات أطفالهن بيد، والميداليات باليد الأخرى.

في السطور التالية، سنغوص في يوميات أمهات عربيات حقيقيات لا يعرفن كلمة "مستحيل". من البطلات الحوامل اللواتي بارزن بشراسة في الأولمبياد، إلى الأمهات اللواتي أسسن سلالات رياضية عائلية حصدت مئات الميداليات، وصولاً إلى من تحدّين الزمن وتجاهلن التواريخ في بطاقات الهوية ليبدأن حصد الألقاب الرياضية القاسية بعد سن الأربعين.

الرياضة والأمومة: سر السعادة والرشاقة والطاقة الإيجابية

قبل أن نقلّب صفحات بطلاتنا المدهشات، دعونا نتفق على سر صغير: الرياضة ليست مجرد أداة لحرق السعرات أو الحصول على قوام ممشوق، بل هي "عصا سحرية" لصحة المرأة والأم بشكل خاص. هل تعلمين أن الالتزام بنصف ساعة من الرياضة يومياً يعمل كدرع واقٍ ضد أمراض العصر؟ ناهيك عن دورها الساحر في تخفيف ضغوط التربية ومسؤوليات الحياة المتراكمة.

تساعد الرياضة في إفراز هرمونات السعادة التي تطرد الاكتئاب والأرق الذي يصاحب الأمهات غالباً بسبب السهر والإرهاق. بل إن التدريب المنتظم المعتدل تحت إشراف طبي يسهل رحلة الحمل والولادة، ويساعد الأم على استعادة رشاقتها وحيويتها بسرعة مذهلة، لتكون أماً مليئة بالطاقة، وصديقة مرحة، وقدوة حية ومباشرة لأبنائها قبل أي شيء آخر.

ندى حافظ: بطلة بقلبين تبارز في أولمبياد باريس وهي حامل!

إذا كنتم تعتقدون أن ممارسة بعض تمارين التمدد الخفيفة أثناء فترة الحمل هو إنجاز كبير، فما رأيكم بمن تقف على بساط الأولمبياد ببدلتها البيضاء وسيفها لتواجه أشرس بطلات العالم، وهي حامل في شهرها السابع؟ هذا بالضبط ما فعلته البطلة المصرية والطبيبة ندى حافظ في أولمبياد باريس 2024، لتخطف أنظار العالم أجمع وتتصدر عناوين الأخبار والمجلات العالمية.

في مشهد حبس أنفاس المتابعين، تمكنت ندى بمهارة ورشاقة تامة من الإطاحة بمنافستها الأمريكية المصنفة السابعة عالمياً. ولكن المفاجأة المدوية لم تكن في الفوز بحد ذاته، بل في التغريدة العاطفية التي أطلقتها بعد المباراة، حيث قالت: "ما يبدو لك كلاعبتين على منصة التتويج، كانا في الواقع ثلاثة، كنت أنا ومنافستي وطفلي الصغير الذي لم يولد بعد".

واجهت ندى تحديات جسدية وعاطفية هائلة لضبط التوازن بين الحمل المرهق والرياضة العنيفة، لكنها أثبتت عملياً أن المرأة العربية قادرة على التوفيق بين أمومتها وحلمها المهني. وكطبيبة متخصصة، كانت تدرك تماماً أن حملها المستقر يسمح لها بالمنافسة دون خطر، لتكسر بذلك كل القواعد النمطية وتوجه رسالة للعالم بأن الحمل قوة وليس ضعفاً ومرضاً يعوق التقدم.

ندى النعيمي: قصة أم رياضية قادت أبناءها إلى منصات التتويج

في دولة الإمارات العربية المتحدة، تأخذ الأمومة الرياضية طابعاً عائلياً استثنائياً لا مثيل له. الأم هنا لا تجلس لتشجع من المدرجات وتكتفي بالتصفيق، بل تنزل إلى الساحة لتدرب، وتنافس، وتتوج، وتتصبب عرقاً جنباً إلى جنب مع أبنائها.

خذوا مثلاً البطلة الملهمة ندى النعيمي، التي بدأت شغفها برياضة الجودو حتى نالت الحزام الأسود، ثم بذكاء الأم الرياضية تحولت إلى رياضة الجوجيتسو بصحبة أبنائها الثلاثة (زمزم، غلا، وزايد). لم تكتفِ ندى بكونها أماً حنونة، بل أصبحت "عرابة" حقيقية لعائلة حصدت مجتمعة ما يقارب 600 ميدالية ملونة في البطولات المحلية والدولية! تصيغ ندى وأبناؤها قصة نجاح تدرس، حيث تؤكد ابنتها البطلة الموهوبة زمزم الحمادي أنها تستلهم قوتها التكتيكية والنفسية من توجيهات والدتها التي تقف معها خطوة بخطوة على البساط في أصعب النزالات الرياضية.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

ولا تتوقف القصص المذهلة عند هذا الحد؛ ففي عام 2024، تُوجت رقية الزعابي بجائزة "أفضل أم رياضية عربية" ضمن جوائز فاطمة بنت مبارك لرياضة المرأة. رقية ليست مجرد أم عادية، بل هي مايسترو وصانعة لخمس مواهب ذهبية في رياضات متنوعة وقاسية مثل الرماية، ركوب الخيل، والسباحة. أبناؤها يحصدون الذهب اليوم بفضل توجيهاتها ودعمها غير المحدود.

 أماني خليل: المرأة الحديدية التي قهرت المستحيل بعد الأربعين

الكثير من النساء يبرمجن عقولهن على أن سن الأربعين هو وقت الركون للراحة، والجلوس لاحتساء القهوة، والاكتفاء بمراقبة الأبناء يكبرون ويتزوجون. لكن بالنسبة للمصرية أماني خليل، كان هذا الرقم هو إشارة الانطلاق للمغامرة الحقيقية في حياتها! بعد أن كرست سنوات طويلة من عمرها وشبابها للعمل المصرفي ثم لتربية ولديها ورعاية منزلها حتى دخلا وتخرجا من الجامعة، قررت أماني ببساطة أن تلتفت لشغفها المؤجل.

بدأت بتعلم السباحة وركوب الدراجة الهوائية وتوازنها في سن السابعة والأربعين، لتصبح لاحقاً أول أم مصرية تنهي سباق "الرجل الحديدي" القاسي جداً (والذي يضم سباحة 4 كم، قيادة دراجة 180 كم، ثم ركض 42 كم) دفعة واحدة دون أي توقف! ولم تتوقف أماني عند هذا الحد المبهر، بل شاركت وأنهت أشهر ماراثونات العالم الستة الكبرى مثل بوسطن، وطوكيو، ولندن، وبرلين.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

أمل باعطية: من روتين مكاتب الاستثمار إلى أول مدربة "كروس فيت" سعودية

في المملكة العربية السعودية، نشهد اليوم طفرة مذهلة في الرياضة النسائية، والأمهات السعوديات يتربعن بكل جدارة في قلب هذا التحول الجميل. قصة أمل باعطية هي قصة يجب أن تُروى وتُدرس لكل امرأة تبحث عن التغيير! كانت أمل تعمل كمديرة استثمار، تعيش حياة الروتين المكتبي اليومي المعتاد بالأوراق والاجتماعات، لكنها بشجاعة نادرة قررت تغيير مسار حياتها جذرياً لتصبح أول مدربة "كروس فيت" سعودية محترفة، وتتقلد لاحقاً منصب رئيسة اللجنة النسائية للمصارعة السعودية.

رئيسة اللجنة النسائية في الاتحاد السعودي للمصارعة أمل باعطية
رئيسة اللجنة النسائية في الاتحاد السعودي للمصارعة أمل باعطية-تصوير خاص لسيدتي

أمل، وهي أم رائعة لطفلين (يوسف ومالك)، بنت نفسها ولياقتها البدنية من الصفر المطلق. ورغم الصعوبة البالغة في التوفيق بين رعاية طفلين في مراحل النمو والالتزام بتدريبات يومية قاسية تتطلب مجهوداً خرافياً، إلا أنها تؤمن إيماناً راسخاً بأن "الحياة عبارة عن خيارات، وإذا اختار المرء أن يقوم بشيء تحبه روحه، فسيقوم به حتماً وبدون أي أعذار واهية". تعتبر أمل طفليها هما الداعم الحقيقي والسند لها، وهما مصدر إلهامها المتجدد لمواصلة حصد البطولات وتمثيل المرأة السعودية القوية والمستقلة بأبهى وأجمل صورة.

راي باسيل: كسر احتكار الرجال وأمومة الرماية الدقيقة

في لبنان، واجهت البطلة راي باسيل تحدياً من نوع آخر. فقد اختارت رياضة "الرماية من الحفرة" (التراب)، وهي رياضة لطالما صُنفت اجتماعياً في عالمنا العربي على أنها "حكر على الرجال" ولا تناسب رقة ونعومة الفتيات. لكن راي، بدعم من عائلتها الرياضية التي تعشق هذا المجال، أثبتت أن الدقة، والتركيز العالي، والأعصاب الفولاذية لا تعرف نوعاً ولا تعترف بالتقاليد البالية.

حصدت راي أكثر من 20 ميدالية عالمية وآسيوية، وشاركت في أربع دورات أولمبية متتالية بقوة وإصرار تحسد عليه. ورغم التحديات المستمرة، تظل راي نموذجاً ملهماً للمرأة العربية القوية، لتصبح بطلة عالمية بلمسة أنثوية خالصة تفتخر بها كل امرأة عربية.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

أنس جابر: حلم الأمومة الذي يفوق ألقاب الغراند سلام

في عالم الكرة الصفراء، حيث السفر المستمر والتدريبات القاسية، ضربت "وزيرة السعادة" التونسية أنس جابر، المصنفة الثانية عالمياً سابقاً، أروع الأمثلة في تغليب "نداء الأمومة" الفطري على بريق البطولات. أنس التي لطالما صرحت بأن حلم تكوين أسرة كان يراودها بشدة، اتخذت مؤخراً قراراً شجاعاً بالابتعاد المؤقت عن ملاعب التنس استعداداً لاستقبال مولودها الأول في أبريل 2026 برفقة زوجها ومدربها البدني كريم كمون.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

لم تتردد أنس في التأكيد بوضوح ومحبة على أن "الأمومة أصعب من التنس"، مشيرة إلى التحديات النفسية والجسدية الكبيرة التي تواجهها الرياضيات عند اتخاذ قرار الإنجاب. ورغم ابتعادها، أكدت أنس أنها ستعود بشغف وعزيمة أكبر للملاعب، مستفيدة من القوانين التي تحمي تصنيف اللاعبات الأمهات، لتثبت للجميع أن توقف البطلة لإنجاب طفل ليس نهاية المطاف، بل هو "استراحة محارب" وبداية لفصل جديد تعود منه بقوة مضاعفة وروح جديدة تعانق بها طموحاتها الرياضية.

البطلة التونسية العالمية أنس جابر (Photo by HENRY NICHOLLS / AFP)

حبيبة الغريبي: رحلة ملهمة بين الإنجاز الرياضي والأمومة

إن اتخاذ قرار الإنجاب في ذروة التألق الرياضي هو تحدٍ لا يستهان به أبداً. العداءة التونسية الأسطورية حبيبة الغريبي، صاحبة الميدالية الذهبية الأولمبية في سباق الموانع الصعب، أجلت حلم الأمومة طويلاً لتحقق طموحات بلادها الرياضية أولاً، ورزقت بطفلتها أخيراً في سن الخامسة والثلاثين. ورغم قسوة التحديات البدنية ونقص الرعاية اللازمة للعودة إلى مضمار المسافات الطويلة بعد الولادة، لم تستسلم حبيبة، بل حولت شغفها لتأسيس أكاديمية رياضية لتدريب الأطفال، مؤكدة بابتسامة الواثقة أن الأمومة والرياضة هما أجمل استثمار يمكن تقديمه في بناء جيل صحي وقوي يتحدى الصعاب.

العداءة التونسية الأسطورية حبيبة الغريبي (Photo by MUSTAFA ABUMUNES / AFP)

إيناس بوبكري: من إرث المبارزة إلى منصة الإنجاز الأولمبي

أما مواطنتها المبارزة إيناس بوبكري، أول عربية وإفريقية تحرز ميدالية أولمبية في هذه الرياضة العريقة، فقصتها هي قصة "توريث رياضي وعائلي" ساحر بكل ما تحمله الكلمة من معنى. استلهمت إيناس شغفها وتعلمت شراسة المنافسة من والدتها، بطلة المبارزة والمدربة الوطنية هندة الزوالي. واليوم، وبعد أن تزوجت من بطل المبارزة الفرنسي إيروان لو بيشو وكونت عائلتها الخاصة، تواصل إيناس مسيرتها مدعومة ببيئة تتنفس الرياضة وتعرف تماماً طعم التتويج، لتثبت لنا جميعاً أن الدعم العائلي وتوريث الشغف هو أقوى سلاح يمكن أن تتسلح به المرأة في طريقها نحو المجد.

المبارزة البطلة إيناس بوبكري (Photo by Kirill KUDRYAVTSEV / AFP)

نوال المتوكل: أول ذهبية عربية وإفريقية غيّرت التاريخ

لا يمكننا أبداً أن نطوي صفحات هذا الملف الملهم دون أن نقف وقفة إجلال واحترام للرائدات التاريخيات اللواتي شققن الطريق الوعر في ظروف قاسية جداً، ليمهدن الدرب لكل هذه الأسماء اللامعة التي نراها اليوم. في مقدمة هؤلاء تقف البطلة المغربية نوال المتوكل، أول امرأة عربية وإفريقية ومسلمة تحصد ذهبية أولمبية في سباق 400 متر حواجز عام 1984.

نوال، التي استمدت قوتها من دعم أسرتها ووالدها الراحل، واصلت مسيرتها لتتزوج وتصبح أماً، ثم تتدرج في المناصب الرياضية والإدارية لتصبح نائبة أولى لرئيس اللجنة الأولمبية الدولية ووزيرة للرياضة. لقد كسرت نوال زجاج التوقعات المسبقة منذ عقود طويلة، وأثبتت بالدليل القاطع أن الرياضية تستطيع أن تتألق كأم حنون، وكصانعة قرار من الطراز الرفيع، ممهدة الطريق لجيل كامل من الفتيات العربيات ليحلمن بـ"الذهب" بلا حدود أو قيود مجتمعية.

البطلة المغربية السابقة نوال المتوكل مع البطلة التونسية حبيبة الغريبي (Photo by FETHI BELAID / AFP)

رانيا علواني: السمكة الذهبية التي ألهمت أجيالاً من النساء

ولا يمكن أن نتحدث عن الرائدات دون الوقوف إجلالاً أمام "السمكة الذهبية" المصرية، الدكتورة رانيا علواني. هي أيقونة حقيقية شاركت في ثلاث دورات أولمبية متتالية وحصدت 77 ميدالية دولية وعربية وأفريقية، لتكون أول سباحة مصرية وعربية وإفريقية تكسر حاجز الدقيقة في سباق 100 متر حرة. والمدهش في قصة رانيا أنها وازنت بنجاح مبهر بين دراسة الطب البشري (تخصص نساء وتوليد) وبين التدريبات الشاقة في حوض السباحة، لتصبح لاحقاً أماً بطلة ترعى أبناءها وتغرس فيهم حب الرياضة كأسلوب حياة صحي ومتكامل وليس فقط كطريق للبطولات. تقلدت رانيا أعلى المناصب الإدارية في اللجنة الأولمبية الدولية ومجلس إدارة النادي الأهلي المصري، لتثبت للجميع أن المرأة قادرة بامتياز على التألق في المسبح، والعيادة الطبية، والمنزل، ومقاعد الإدارة في آن واحد!

البطلة المصرية السابقة رانيا علواني (Photo by TIMOTHY A. CLARY / AFP)

تابعوا المزيد: تمارين للمبتدئين في المنزل من دون أدوات

في يوم الأم: أحلامك تبدأ من هنا!

في الختام، ونحن نحتفي بهؤلاء النجمات الساطعات في يوم الأم، ندرك تماماً أن الميداليات التي تلمع وتبرق على صدور هؤلاء الرياضيات ليست مجرد قطع معدنية ثمينة؛ بل هي في حقيقتها دموع فرح، وتعب لذيذ، وليالي سهر مع الأطفال، وتدريبات شاقة في الصباح الباكر بينما العالم نائم. هؤلاء البطلات يخبرن كل امرأة، سواء كانت رياضية محترفة، أم طبيبة، أم مهندسة، أم ربة منزل تدير مملكتها بحب وذكاء: أحلامكِ لا تتوقف ولا تنتهي عندما تصبحين أماً.. بل ربما، تبدأ حقاً من هناك!
تابعوا المزيد من مواد الرياضة: دور الرياضة في تحسين مزاج المرأة الحامل